تقف عدة اعتبارات معقدة خلف قرار اتحاد الإمارات كسر التابو الطويل والتوصل إلى اتفاق تطبيع مع إسرائيل. يرتبط أحد هذه الاعتبارات بأمل حكام الإمارات في إحداث اختراق في جهودها لشراء سلاح أمريكي متطور، وعلى رأسه الطائرات القتالية “اف 35”.
وحسب مصادر شاركت في الاتصالات بين الولايات المتحدة وإسرائيل والإمارات، فإن المحادثات الحثيثة حول الاتفاق بدأت في الأشهر الأخيرة، استمراراً لمبادرة السلام التي طرحتها إدارة ترامب في كانون الأول في القناة الإسرائيلية – الفلسطينية. ربما حدث هذا دون تخطيط رئيس الحكومة نتنياهو مسبقاً. ولكن خطة نتنياهو لضم المستوطنات في الضفة الغربية تحولت إلى رافعة للضغط في المفاوضات مع الإمارات. وحسب التفاهمات المسبقة مع الإدارة، سعى نتنياهو إلى ضم 30 في المئة من أراضي الضفة. وطلب الأمريكيون تقليص الأراضي التي ستضم إلى 10 في المئة. وأضافوا -في المقابل- اتفاق عدم اعتداء مع الإمارات.
أصر نتنياهو على تطبيع كامل. لذلك، اضطر إلى حفظ فكرة الضم. في البداية، وافق الإسرائيليون على التعهد بتعليق الضم لبضعة أشهر. وفي المقابل، طلب ممثلو الإمارات إلغاء دائماً. وفي نهاية المطاف، اتُّفق على بضع سنوات كما يبدو. بعد ذلك الله أعلم.
وكان لشيوخ الخليج أمر ملح آخر. فمع كل الاحترام للتكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة في مجالات مثل تحلية المياه وأنظمة الري، هذه أصلاً موضوعة لخدمتهم (مع تقنيات لتأمين الحدود والدفاع عبر السايبر)، قبل أن تتحول العلاقات إلى رسمية وعلنية. ومقابل ذلك، فالمعارضة الإسرائيلية تمنع بيع سلاح أمريكي نوعي للإمارات وجارتهما السعودية منذ بضع سنوات.
لم تصادق إدارة أوباما وإدارة ترامب على بيع طائرات “اف35” وطائرات بدون طيار هجومية في ضوء معارضة مبررة طرحها المستوى المهني في إسرائيل عن طريق قائد سلاح الجو السابق، الجنرال امير ايشل (اليوم يشغل مديراً عاماً لوزارة الدفاع) والجنرال احتياط عاموس جلعاد الذي كان يشغل في حينه رئيس القسم السياسي في وزارة الدفاع.
وكتب الصحافي ناحوم برنياع، أمس، في “يديعوت احرونوت” بأن إدارة ترامب تنوي السماح بعقد صفقة طائرات “اف35” وطائرات هجومية للإمارات. وكتب أيضاً أن الصفقة بين الطرفين تشمل السلام مقابل التزويد بسلاح متطور وإلغاء عملية الضم. ورغم عدم قوله ذلك بصورة صريحة، غير أن أقواله تلك تظهر بأن نتنياهو قد رفع معارضة إسرائيل. وأضاف برنياع بأن الأمر تم من وراء ظهر جهاز الأمن الإسرائيلي.
وقال مكتب نتنياهو، أمس، رداً على سؤال لـ”هآرتس” بأن معارضة إسرائيل لتزويد سلاح متطور لجميع الدول العربية تبقى على حالها. وأمس ظهراً، نشر نفي مفصل للنبأ الذي أورده برنياع ويقول فيه بأن رئيس الحكومة أرفقها بادعائه الثابت حول نشر “أنباء كاذبة”. وقيل في البيان إن نتنياهو صمم على موقفه بثبات أمام الأمريكيين. وأضاف المكتب بأنه موقف استند إلى موقف قائد سلاح الجو الحالي، الجنرال عميكام نوركن، الذي قدمه في بداية حزيران. وكان نتنياهو أرسل في تموز رسائل مشابهة لوزير الخارجية الأمريكي وسفير الولايات المتحدة في إسرائيل. وجرى ادعاء بأن وزير الدفاع بني غانتس أُبلغ بذلك أيضاً في نهاية تموز.
“لا يشمل اتفاق السلام مع الإمارات أي بند في هذا الشأن. وأوضحت الولايات المتحدة لإسرائيل بحرصها على التفوق النوعي لإسرائيل”، أجمل المكتب.
بالمناسبة، في الوقت نفسه الذي صدر فيه البيان، أجرى أحد مقربي نتنياهو، الوزير يوفال شتاينيتس، مقابلة مع راديو “كان”، وقلل من أهمية النشر، وقال إن المسافة بين الإمارات وإسرائيل أكبر من مدى طيران طائرات “اف35″، لذلك فإن هذه الطائرة لا تعرض إسرائيل للخطر (حتى في سيناريو مستقبلي يتغير فيه النظام هناك – وهي نقطة امتنع شتاينيتس عن التطرق إليها مباشرة). وقد تولد الانطباع بأن الحكومة تغطي على جميع الادعاءات في محاولة لصد النشر.
في الحقيقة، ادعى نتنياهو “أنباء كاذبة”، لكن ما يخفيه البيان مثير للاهتمام. يستند حق المعارضة الإسرائيلية إلى تفاهمات قديمة بشأن الحفاظ على التفوق النوعي للجيش الإسرائيلي على الدول العربية (بالإنجليزية بالأحرف الأولية: كيو.ام.إي) التي شملها قانون الكونغرس من العام 2008 ومرة أخرى في العام 2017. ولكن التفوق الإسرائيلي ليس موضوعاً لقرار خطي تصادق فيه إسرائيل أو لا تصادق للأمريكيين على البيع، بل تفاهمات حساسة بُحثت مطولاً من خلف الكواليس، وعلى الأغلب لا يتم نشرها على الإطلاق. في القانون ورد أن يجب على الرئيس التشاور مع الجهات الحكومية في إسرائيل قبل المصادقة على صفقة سلاح تؤثر على التفوق النوعي. والقانون لا يطالب بمصادقة ما خطية.
بكلمات أخرى، رغم أقوال نتنياهو أمس، قد تقرر الإدارة الأمريكية بيع الطائرات لاعتبارات مستقبلية. وستقول حكومة إسرائيل: حاولت الإقناع ولم أنجح. ويولي ترامب أهمية كبيرة للصفقات الكبيرة، خاصة صفقات السلاح، وبالتأكيد في فترة أزمة اقتصادية. ويجدر التذكر بأن فترة ولايته بدأها بزيارة حماسية إلى السعودية. في الرياض، في احتفال غريب إلى حد ما جرى فيه رقص مع مستضيفيه وهو يلوح بالسيف وكأنه مشهد أخذ من أفلام “حرب النجوم”، اتفق الرئيس مع العائلة المالكة على صفقات سلاح بعشرات مليارات الدولارات.
إن جزءاً من الصعوبة التي يجدها نتنياهو في مناورته أمام ترامب بهذا الشأن الآن يرتبط بالأزمة الخطيرة في علاقاته مع الحزب الديمقراطي. وبفضل تماهيه الكامل مع ترامب، لم يعد نتنياهو قادراً على التوفيق بين الكونغرس والإدارة – هذه نقطة ضعف قد تتفاقم إذا ما فاز جو بايدن، الذي يتصدر الاستطلاعات، في الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني المقبل.
نهاية للتفوق؟
كما سبق وكتب هنا، فإن هناك مسألة تكمن أيضاً في الإقصاء الخطير الذي يتبعه نتنياهو، سواء تجاه شركائه السياسيين المؤقتين أو تجاه رؤساء جهاز الأمن. يدير رئيس الحكومة سياسة الخارجية والأمن كأمر شخصي، ويأخذ القرارات حسب تقديراته فقط، دون تعاون أو إبلاغ أو تشاور. وإذا لم يعرف غانتس ووزير الخارجية غابي أشكنازي عن الاتفاق المتبلور، فمن الصعب أن نلقي عليهما المسؤولية في قضية طائرات “اف35” إذا تعقدت. ولو كان رؤساء “أزرق أبيض” أكثر حدة من ناحية سياسية لاستغلوا القضية أمس لمهاجمة نتنياهو.
رائحة قضية الغواصات والسفن ما زالت منتشرة، فثمة شك ثقيل يظهر بأن مقربين للرئيس يحصلون على مكاسب من الصفقات. وإذا لم يكن هذا كافياً، فقد تبين أن رؤساء جهاز الأمن لم يتم إشراكهم في الإذن السري الذي أعطي -كما يبدو- لألمانيا ببيع غواصات من نوع متطور لمصر. وبعد حدث خطير جداً، ظل شك بشأن بيع الطائرة للإمارات الذي يثير علامات استفهام.
إذا كانت الإمارات تتوقع الآن بيع طائرة “اف35” وطائرات بدون طيار، فإن النشر الجديد قد يؤخر توقيع التفاهمات مع إسرائيل، التي يبدو -رغم بيانات رئيس الحكومة- أنها لم يتم تضمينها في وثيقة رسمية. وتظهر هنا صعوبة أخرى: فقد صودق حتى الآن على بيع هذه الطائرة لدولة واحدة في المنطقة هي تركيا، ولكن جرى تجميدها عندما اشترت أنقرة نظام دفاع جوي من طراز “اس400” من روسيا. وإذا حصلت الإمارات على مصادقة للبيع، فستسارع السعودية ومصر أيضاً للوقوف في الدور. ورغم صداقة هذه الدول لإسرائيل، لكن هذا سيحل نهاية التفوق النوعي.
بقلم: عاموس هرئيل
هآرتس 19/8/2020