لندن ـ «القدس العربي»: في معرض تعقيبه على اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» الشهيد اسماعيل هنية، قال رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إن نهج الاغتيالات السياسية والتصعيد المقصود ضد المدنيين في غزة في كل مرحلة من مراحل التفاوض، يدفع إلى التساؤل: كيف يمكن أن تجري مفاوضات يقوم فيها طرف بقتل من يفاوضه في الوقت ذاته؟».
لكن الإسرائيلي، ممثلا برئيس حكومة أقصى اليمين بنيامين نتنياهو، يبدو بعيدا عن أي رغبة جدية في مفاوضات.
فالأسبوع الدامي الذي دفعت فيه إسرائيل المنطقة إلى حافة حرب شاملة، شهد أيضا تلاعبا وتضليلا استخدمت فيه هذه الحكومة المجرمة المفاوضات والتفاوض كجزء من عملية تضليل أمني للتغطية على نواياها التصعيدية.
وهكذا، يعلن نتنياهو عشية خطابه أمام الكونغرس الأمريكي أنه سيرسل وفده للتفاوض الخميس (أي بعد يوم من خطابه المقرر أمام الكونغرس) في الوقت الذي كانت فيه مصادر الوسطاء تشير إلى أنه لم تكن هناك أساسا ترتيبات مسبقة لمثل هذه الاجتماعات.
لم يكتف نتنياهو بعرقلة التفاوض مع حركة «حماس» مرارا وتكرارا، وإدخال مطالب جديدة كل مرة إلى ما سبق ووافق عليه وفده المفاوض، بل استخدم المفاوضات وسيلة تضليل تخفي نيته الحقيقية بمتابعة حربه الشاملة على الشعب الفلسطيني.
في تاريخ الحروب الإبادية التي شنت على الشعوب، على الأقل منذ الحرب العالمية الثانية، كانت تصفية القيادة السياسية لشعب أو جماعة عرقية ما، فضلا عن استهداف نخبها المثقفة والعلمية وكوادرها، طابعا ملازما لهذه الحروب التي شنتها أنظمة مارقة.
ومع أن اتفاقية مكافحة الإبادة الجماعية لعام 1948 لم تشمل نصا بذاته يتناول تصفية القيادة السياسية، إلا أنها أوضحت بشكل لا لبس فيه أن الإبادة الجماعية تشمل الأفعال التي ترتكب بقصد تدمير مجموعة قومية، أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليا أو جزئيا.
وهكذا، فإن الأفعال التي تسبب ضررًا جسيمًا أو تخلق ظروفًا تؤدي إلى تدمير المجموعة وتندرج تحت تعريفها، يجعل استهداف القيادة جزءا محتملا من الإبادة الجماعية.
في الهولوكوست، استهدف النازي قادة اليهود ونخبهم وأثرياءهم ومثقفيهم وعلماءهم وسياسييهم، وفي وقت مبكر، قبل أن تتحول الإبادة – مع «الحلّ النهائي» – إلى بعد صناعي بالغ الخطورة ومتقدم في شرّه، بحيث لا يمكن مقارنته فعلا بأي حرب أخرى شهدها تاريخ العالم.
وفي حالة رواندا في تسعينيات القرن الماضي، لحظت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بأن استهداف القيادة كان جزءًا من نية الإبادة الجماعية لتدمير التوتسي كجماعة، وتضمن الحكم في قضية جان بول أكاييسو، الصادر في العام 1998 عدة إشارات إلى الاستهداف المنهجي لقيادة التوتسي.
في حالة فلسطين، فإن التصفية الجسدية لقيادة الفلسطينيين السياسية، طبع سلوك إسرائيل تجاه الشعب الفلسطيني منذ أكثر من 76 عاما، بل كان نهجا للقيادة السياسية الإسرائيلية، قبل إعلان دولة إسرائيل، وبعدها.
ولم يقتصر الاغتيال السياسي على القادة الفلسطينيين، بل طاول كل من يمكن أن يشكل عقبة بوجه الأهداف السياسية للشعب الفلسطيني، أو يجسد الهوية الوطنية له، وكذلك من يمكن أن يكون لوجوده، ودوره، نفع على الشعب الفلسطيني.
النهج الإسرائيلي في الاغتيال
هكذا، اغتالت عصابة شتيرن «ليحي» – وبموافقة من قادتها وأحد أبرزهم آنذاك رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحق شامير، الكونت فولكيه برنادوت، الدبلوماسي السويدي الذي كلفته الأمم المتحدة بلعب دور الوساطة في فلسطين، وقد اغتيل في عملية إرهابية إجرامية في القدس، في ايلول/سبتمبر من العام 1948 بعد أشهر قليلة على إعلان دولة إسرائيل.
وكان الكونت برنادوت قدم خطة للسلام لم ترض الإسرائيليين الذين كانوا يسعون إلى السيطرة على كل فلسطين.
أما العصابة الإرهابية التي اغتالته، فعادت مع شامير لتنخرط في حزب سياسي «حيروت» سوف يندمج تحت قيادة مناحيم بيغن بعدها بسنوات، مع غيره من التشكيلات التي تستقي من منابع الصهيونية التصحيحية، ليطلق حزب الليكود، الذي نعرفه اليوم، والذي يقود مع الأحزاب الفاشية الأخرى في الائتلاف الحاكم الفصل الأخير من حرب الإبادة على الفلسطينيين.
ولأسلاف هذا الحزب المؤسسين، تاريخ إجرامي إرهابي، تعرفه ليس فقط فلسطين، بل مدن وشوارع بريطانيا المنتدبة التي كانت هدفا لعملياته الإرهابية في زمن سابق.
طبعا، لم تقتصر سياسة الاغتيالات الإسرائيلية بحق قادة ونخب الشعب الفلسطيني على حكومات اليمين الفاشي الليكودي في إسرائيل، وسبقتها تصفية إسرائيل للعديد من نخب الشعب الفلسطيني على مدى عقود طويلة.
وشكل استهداف القادة بعمليات فاجرة، طابعا مميزا من حروب إسرائيل، لا احترمت فيها قانونا دوليا، ولا قانونا محليا في أي دولة من دول العالم، فلاحقت القادة في كل الدول العدوة أو الصديقة، واستطاعت على الدوام الإفلات من أي محاسبة، بل حازت دعما غير مشروط تقريبا من الحكومات والدول التي تدعي الدفاع عن قيم القانون الدولي.
لكن اغتيال هنية، وهو الذي شغل بالانتخاب منصب رئيس وزراء السلطة الفلسطينية السابق، ويقود اليوم إحدى أكبر الحركات التي تمثل سياسيا شريحة واسعة من الشعب الفلسطيني، هو فعل أكثر صفاقة.
وما خلا إدانة خجولة من الاتحاد الأوروبي عبّر عنها المتحدث بيتر ستانو وقال فيها إن: «لدى الاتحاد الأوروبي موقف مبدئي يتمثل في رفض عمليات القتل خارج نطاق القانون ودعم سيادة القانون، بما في ذلك في مجال العدالة الجنائية الدولية» التزمت معظم الحكومات الأوروبية الصمت تجاه جريمة اغتيال هنية.
وما يعزز فرضية أن اغتيال هنية هو جزء من حرب الإبادة، هو سلوك إسرائيل تجاه كل ما يمت بصلة إلى كيان فلسطيني أو شرعية فلسطينية.
فعملية تقويض مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية الصريحة التي تمارسها حكومة أقصى اليمين الفاشي في إسرائيل (على الرغم من كل ما تُتهم فيه هذه القيادة فلسطينيا بتقديم تنازلات) وإصرار إسرائيل على ابتداع وتنصيب قيادات بديلة للشعب الفلسطيني تراها المقاومة الفلسطينية، وكذلك قيادة منظمة التحرير والسلطة أدوات عميلة محتملة، وتمكن الاحتلال الإسرائيلي من استكمال مخططات الضم والإبادة المنهجية سواء في غزة أو في الضفة الغربية المحتلة، كل ذلك يشكل دلائل وقرائن على أن حكومة إسرائيل، متسلحة بموقف غالبية من الشعب الإسرائيلي المؤيدة للاغتيالات والاحتلال والضم والتهجير- حسب استطلاعات الرأي الأخيرة – تسعى إلى إلغاء أي تمثيل حقيقي للشعب الفلسطيني من الوجود.
واغتيال هنية، في وقت يزعم فيه رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أنه يفاوض من أجل وقف إطلاق النار، يصب في هذا الاتجاه، وفي اتجاه لا يكاد يخفيه ولا وزراؤه في الائتلاف الفاشي الحاكم، وهو يُختصر بلاءات كبيرة، لا لحقّ الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، ولا لحقّ الشعب الفلسطيني في التحرر من نير الاحتلال وبناء كيانه المستقل، ولا لحقّ الشعب الفلسطيني في اختيار قيادته بنفسه – وبالمختصر لا لكل ما يجسّد إرادة الفلسطينيين على اختلاف تياراتهم السياسية في قرار وطني.
أما الاغتيال الآخر الذي يعزز نية الإبادة الإسرائيلية، فهو اغتيال كلّ مسار سلام محتمل يُعتدّ به ويمكن أن يشكل أفقا لمستقبل «أكثر أمنا وازدهارا» في هذه المنطقة من العالم، وهو الكليشيه الذي تردده الدول، ومجّه العديد من الفلسطينيين الذين لا يرون شيئا منه واقعيا.
وأشار إلى هذا، وزير الخارجية التركي حقان فيدان، تعقيبا على اغتيال هنية، بقوله ن قتلة رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية عليهم «أن لا ينسوا أنهم باغتياله قتلوا السلام أيضاً».
وفي الغالب، فإن قتلة هنية لم ينسوا هذا أبدا، بل إن كل أفعالهم، قبل 7 أكتوبر وبعده تشير إلى أن أي سلام عادل في فلسطين، هو خارج أجندتهم واستراتيجيتهم، بل إن مشروعهم تعدى في وقاحته وخطورته تجربة روابط القرى تحت الاحتلال، وهم لا يريدون إلا عملاء يسجنون الشعب الفلسطيني في معسكر كبير، ويقودونه إلى المذبحة والتهجير والتهميش، في حرب إبادة مستمرة لن تنتصر فيها إسرائيل أبدا، لكنها سوف تهرق المزيد من الدماء، وتهدد أمن شعوب المنطقة، وأمن العالم كله، وتدفع المقاومة في فلسطين، في مواجهة الإبادة، إلى التجذّر أكثر، والاصطفاف أكثر مع كل من يقدم لها دعما ملموساً، مهما كان.