الناصرة- “القدس العربي”: نفى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، مساء السبت، أنباء تحدثت عن موافقة إسرائيل على إمداد سوريا بلقاحات روسية مضادة لكورونا في إطار صفقة تبادل أسرى، وسط انتقادات محلية له على قيامه بمسرحة “القصة الإنسانية” وتضخيمها في محاولة لكسب نقاط انتخابية، بخلاف موقف الأجهزة الأمنية التي تخشى تبعات سلبية لذلك في كل مفاوضات محتملة لاستعادة أسرى مستقبلا.
وقال نتنياهو: “لم يدخل أي لقاح إسرائيلي واحد ضمن هذه الصفقة”. لكنه تهرب عبر التلاعب بالكلمات، فتحاشى نفي دفع مليون ونصف مليون دولار لروسيا مقابل اللقاحات المعدة لسوريا. وأضاف: “لقد استرجعنا السيدة الإسرائيلية وأنا سعيد بذلك”.
وكانت وسائل إعلام أمريكية قد فضحت البند السري في “صفقة تبادل” الفتاة الإسرائيلية مقابل راعيين سوريين بوساطة روسية، مشيرة بذلك لتزويد موسكو لقاحات التطعيم لدمشق على نفقة إسرائيل. يشار إلى أن الحكومة السورية كما كان متوقعا قد نفت الأنباء التي تداولتها وسائل إعلام حول وجود “بند سري” في اتفاق تبادل للأسرى مع إسرائيل متعلق بتزويد دمشق بلقاح “سبوتنيك “.
ونفت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) الأنباء المتداولة حول وجود “البند السري” في اتفاق تبادل الأسرى، وأضافت نقلا عن مصدر سوري قوله إن “سوريا كانت واضحة في تعاملها مع عملية التبادل التي أسفرت عن تحرير ثلاثة من أسراها، وأن وسائل الإعلام التي تتناقل هذه المعلومات هدفها تلميع صورة الاحتلال الإسرائيلي ومنحه صفات إنسانية يفتقدها بدليل احتلاله الأرض العربية وتشريد شعبها ومواصلة جرائمه بحق الشعب الفلسطيني والسوري واللبناني”.
وما زالت إسرائيل الرسمية تنفي بند اللقاحات الروسية، لكنها تؤكد وتعترف بوجود بند سري يتم التستر عليه احتراما لطلب موسكو. وأثار هذا الاعتراف بوجود بند سري وفرض رقابة عسكرية تحظر نشره انتقادات واسعة داخل إسرائيل، اتهمت حكومتها باستغلال الرقابة العسكرية من أجل تحقيق غايات سياسية وإرضاء بوتين، علما أن مهمتها الأصلية خدمة مصالح أمنية إسرائيلية فقط. وتساءل مراقبون إسرائيليون عن إبقاء أحد بنود الصفقة طي الكتمان، ورجح معظمهم أن ذلك تلبية لرغبة روسيا التي تريد حفظ ماء وجه الأسد بسبب بحثه عن لقاح ودواء لكورونا من إسرائيل.
يوضح المحقق الصحافي الإسرائيلي مردخاي غيلات، أن نتنياهو فاخر بـ”الإنجاز” وبإنهاء القصة الإنسانية وقام بتضخيمها لغاية في نفس يعقوب، بخلاف طلب المؤسسة الأمنية. منوها أن نتنياهو أشرك هذه المرة بخلاف السابق وزيري الخارجية والأمن غابي أشكنازي وبيني غانتس في “النجاح” لعلمه أن ذلك سيستدرج ردود فعل سلبية وانتقادات أيضا لدى أوساط إسرائيلية تطالب بعدم خلط الأمن بالسياسة وتدعو لاحترام الشفافية.
وتابع غيلات في تعليق بثته الإذاعة العبرية العامة: “نتنياهو الذي أخفى عن غانتس وأشكنازي موضوع اتفاق التطبيع مع الإمارات والبحرين في الصيف الماضي، يشركهما هذه المرة في صفقة تبادل فتاة إسرائيلية مع راعيين سوريين تحسبا لإطلاق انتقادات على الموجود والمفقود في هذه الصفقة التي يواصل منحها مسحة درامية خدمة لأغراضه الانتخابية كما فعل في جولات انتخابية سابقة، وسط استغلال هدايا وعطايا من ترامب وبوتين. وعندما تكون بعض بنود الصفقة سرية وحساسة، يسارع نتنياهو لإشراك وزراء حزب أزرق- أبيض، وفجأة يتحول غانتس من خصم غير محترم إلى شريك سرّ”.
وأوضح موقع “واينت” العبري أن الصفقة المذكورة جاءت ثمرة مداولات بين روسيا وإسرائيل وسوريا لعدة أيام، منوها أن إسرائيل سلمت ببقاء بشار الأسد في السلطة وربما تسعى للتعاقد معه بعدة صفقات، مشيرا إلى أنها تقصف في الليل أهدافا إيرانية على الأراضي السورية، وفي الصباح تدير مفاوضات مع النظام من أجل “احتياجات إنسانية” وأحيانا يؤدي القصف إلى قتل عناصر من الجيش السوري الذي يكتفي بإطلاق نيران غير فعالة مضادة للطائرات”.
ويشير “واينت” إلى ازدياد التناقض في المصالح بين إيران وروسيا وأنهما ترغبان بجباية ثمن مساعدة كل منهما لبشار الأسد كي يبقى في سدة الحكم. ويضيف: “صحيح أن روسيا غير محبة للهجمات الإسرائيلية المتتالية على الأهداف الإيرانية في سوريا وتضعف الأسد، لكن من جهة أخرى فهي لا تذرف دمعا على تحطيم هذه الأهداف الإيرانية”. ونقلت القناة العبرية الرسمية عن مصدر في المعارضة السورية قوله إن اللقاحات معدة لأتباع النظام السوري، ووجّه انتقادات لإسرائيل بسبب ذلك. وتابع: “بدلا من منح اللقاحات للشعب السوري، فهي تعطى للأسد وزبانيته وعصاباته”.
يوضح المعلق العسكري في صحيفة “يديعوت أحرونوت” رون بن يشاي أنه كلما اتضحت تفاصيل قضية الشابة الإسرائيلية، كلما تعزز الانطباع أن ما يجري أُخرج عن حجمه الطبيعي، وذلك بسبب التقارير في وسائل الإعلام، وفي الأساس بسبب أطراف سياسية عشية انتخابات الكنيست في 24 من الشهر القادم.
وتابع بن يشاي في تعليقه: “الآن بعد انتهاء القضية يجدر بنا استيضاح مسألتين مثيرتين للقلق: الأولى، كيف عبرت الشابة الإسرائيلية الحدود إلى سوريا بعد التحسينات الكبيرة التي حدثت في السنوات الأخيرة في السياج الحدودي؟ كان من المفروض أن يكون السياج محروساً بصورة متشددة بكل الوسائل التكنولوجية لدى دولة إسرائيل. وكما في حادثة أبراهام مغنيستو الموجود في غزة، فقد عثرت الصبية على ثغرة في السياج يجب سدها كي لا تستغلها أطراف أُخرى. دخلت الشابة إلى الأراضي السورية من نقطة ليس فيها سياج، لكن ظروف المنطقة لا تسمح تقريباً بعبور إنسان. يجب فحص كيف لم يلاحظوا وجود الثغرة في هذه المنطقة، أو إمكان أن يكون هناك أشخاص من المنطقة قاموا بإدخال الفتاة إلى الأراضي السورية لدوافع وطنية”.
وقال بن يشاي، إن الجيش الإسرائيلي بدأ بالتحقيق في القضية وتوصل إلى خلاصات أولية تتعلق بالمكان المحتمل لاجتياز الفتاة الحدود، وإن المكان الذي عبرت منه يشكل ثغرة تشجع على السرقة والهجمات، ويجب سدها. وبرأي المعلق العسكري الإسرائيلي، فإن ما يدعو إلى الدهشة هو لماذا سُرّب الموضوع إلى وسائل الإعلام، ربما عن قصد، خبر جلسة الحكومة المفترض أنها سرية، والتي كان من المفترض أن توافق على تنفيذ صفقة التبادل مع سوريا بواسطة الروس؟
ويرى أيضا أنه من تسريبات عن جلسة الحكومة التي لم يجر الإعداد لها مسبقاً، وفي الأساس من تصريحات نتنياهو، يبرز شك واضح في وجود مصلحة لدى طرف ما في تضخيم القضية كي يثبت مجدداً للجمهور، تماماً كما جرى في قضية نعمة يسسخار الشابة الإسرائيلية التي اعتُقلت عدة أشهر في موسكو لحيازتها مخدرات وجرى إطلاقها في سنة 2019 في صفقة مع بوتين، أن نتنياهو قادر بعلاقاته الجيدة مع الرئيس الروسي على العمل من أجل مسألة إسرائيلية إنسانية.
ويضيف بن يشاي: “نتنياهو هو الرابح الأساسي من هذه القضية البائسة. لقد نجح في أن يوضح مجدداً قدرته في الساحة الدولية، الأمر الذي يمكن أن يساعده في الانتخابات المقبلة. هذه مساهمة متواضعة لبوتين لكن ثابتة في معركة صديقه الانتخابية”.
وشارك في توجيه الانتقادات لإحاطة بند اللقاحات بالسرية ومنح الموضوع مسحة مسرحية كل غدعون ساعر من رئيس حزب “أمل” المنشق عن الليكود، وخصم نتنياهو، وكذلاك الجنرال في الاحتياط غيورا أيلاند، الذي قال لإذاعة جيش الاحتلال، إنه “طالما أن الموضوع سري فلماذا الكشف الرسمي عن وجود اجتماع حكومي سري”. معربا عن خشيته أن يدفع التصرف الإسرائيلي حركة حماس لرفع ثمن صفقة تبادل أسرى مستقبلا.
في المقابل، زعم مصدر سياسي إسرائيلي، أن تمويل إسرائيل شراء لقاحات “سبوتنيك” من روسيا لصالح سوريا هو “بادرة نية حسنة تجاه الروس، الذين لعبوا دورا هاما في الوساطة”. وقالت صحيفة “يديعوت أحرونوت” إن الشابة الإسرائيلية التي مُنع نشر اسمها وصورها، كتبت في صفحتها على فيسبوك بأنها “لا تعترف بالحدود”. ويتضح أنها حاولت في الماضي الدخول إلى غزة، وحال جنود إسرائيليون ذلك. كما حاولت العبور إلى الأردن، واعتقلت مرة أخرى. ودأبت على زيارة فلسطينيين ووصفتهم بأنهم “ليسوا أبناء عم، وإنما إخوة”.
كذلك نوهت “يديعوت أحرونوت” أن الشابة زارت الجولان السوري المحتل في الشهر الماضي، وكتبت من هناك منشورا جاء فيه: “إذا لم تصعد إلى الجبل، لن تعرف ماذا ينتظرك خلفه”. ومما ينفي كونها غريبة الأطوار، ما كتبته في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي لدى تواجدها في منطقة البحر الميت: “لم يوقفني أي أحد حتى الآن… لا جدار، لا حدود، لا بوابة، لا سور، لكن بإمكانكم مواصلة المحاولة”.
وكتبت أيضا خلال تواجدها في مدينة أريحا، أنه “لا أعترف بخطوطكم، لا أخضر، لا أزرق ولا بنفسجي، والخط الأحمر لن يوقفني أيضا”. وكتبت في منشور آخر: “التفكير بمتوحشة مثلي سجينة في قفص الحضارة هو أمر رهيب. أنتم تعتقدون أنني معهم، وهم يعتقدون أنني معكم، لكني لست في جانب أحد”.
ونوهت الصحيفة العبرية أن الفتاة زارت أيضا دولا في العالم من بينها جورجيا، حيث كتبت من هناك: “حتى لو متّ غدا، سأبقى حرة حتى اللحظة الأخيرة”.
يشار إلى أن مراقبين يرون في هذه “القصة الإنسانية” بداية عملية أكبر ربما تبلغ حد التطبيع بين إسرائيل وسوريا بعد انتخابات الرئاسة السورية القريبة، وذلك بوساطة روسية وإماراتية.
ودلل على ذلك، الباحث في العلاقات الدولية دكتور ثائر كنج من مجدل شمس في الجولان السوري المحتل، الذي قال لـ”القدس العربي” إن هناك مؤشرات على وجود صفقة أكبر سيسدد ثمنها الشعب السوري.
وتابع: “هناك عدة مؤشرات على ذلك، منها، قيام عدد كبير من المسؤولين الإسرائيليين باتصالات مع نظرائهم الروس منذ أسبوعين، وتصريحات الفنان السوري دريد لحام حول تأييده التطبيع، وهو مقرب جدا من نظام الأسد، ولن يجرؤ على الإدلاء بتصريحاته هذه لولا تنسيق مسبق معه”.