على الرغم من وجود نجوم قُدمت لهم أدوار البطولة على طبق من ذهب، إلا أن هناك الكثير من نجوم آخرين تحققت لهم النجومية بمحض الصدفة عبر الفرص الضائعة من الممثلين الكبار، وأرشيف السينما المصرية مليء بالنماذج من هذه النوعية التي يُمثل ذكرها مفاجأة بالنسبة للجمهور.
من الأمثلة الدالة على ذلك ترشيح عادل إمام لنور الشريف ليقوم بدوره المهم في فيلم «قصر الشوق» وهو لا يزال طالباً بالمعهد العالي للفنون المسرحية، حيث قابل المخرج حسن الإمام الذي أجرى له الاختبارات الأولية أمام الكاميرا قبل أن يُسند إليه الدور، وبالفعل حظي بالقبول وقام بتجسيد شخصية كمال عبد الجواد في واحد من أهم أفلام ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، ومن تاريخ إنتاج الفيلم بدأت مسيرته الفنية وتدرج في الأدوار حتى صار نور الشريف النجم الكبير، وقد ظل نور مُمتناً لصديقه عادل إمام ومُعترفاً بفضله كمُكتشف حقيقي له في السينما، لا سيما أن عادل كان شديد الحماس له وقام بدور كبير في إقناع حسن الإمام به.
وفي تجربة مماثلة قام النجم العالمي عمر الشريف بترشيح صديق عمره أحمد رمزي للمخرج حلمي حليم لتتحول مسيرته من طالب طب لا يُحب الدراسة إلى ممثل ذائع الصيت يُجيد تجسيد أدوار الشاب الفهلوي الرياضي الرومانسي، وبوساطة عمر الشريف دخل رمزي عالم السينما من أوسع الأبواب وشارك عبد الحليم حافظ وفاتن حمامة وعمر الشريف نفسه بطولة فيلم «أيامنا الحلوة» وبعد نجاح الفيلم تواترت العروض السينمائية على الاكتشاف الجديد وأصبح طالب الطب فتى الشاشة الأول في أهم مراحل السينما المصرية وأفلام الأبيض والأسود.
وكثير من الفنانات المصريات جاء اكتشافهن من خلال صورهن التي نُشرت على أغلفة المجلات الفنية في مسابقات الجمال التي كانت سر دخولهن إلى ساحة الشهرة والأضواء، ومن أبرز اللائي ولدت نجوميتهن من واقع التصوير الفوتوغرافي مريم فخر الدين وزبيدة ثروت ومديحة يسري، فالفتيات الثلاثة كان لجمالهن دور رئيسي في اشتغالهن بالسينما، وكان ذلك معهوداً في وقت مُبكر من عمر السينما المصرية.
وكذلك الفنانة شادية التي كانت تُقلد شقيقتها الكبرى في الغناء في المناسبات العائلية، إلا أنها لفتت النظر بخفتها ورشاقتها وشقاوتها البريئة فاعتمدت هي كممثلة في حين صرفت شقيقتها النظر عن احتراف الغناء واكتفت بأدائها كهاوية فقط ليرتسم المستقبل كله لشادية بعد اكتشاف المخرج أحمد بدرخان لها وتقديمها للمخرج حلمي رفله الذي قدمها لأول مره أمام محمد فوزي في فيلم «العقل في إجازة» لتملأ الدنيا غناءً وشدواً وتمثيلاً فتتحقق لها النجومية التي لم تكن في حسبانها .
هناك أيضاً من دفعه حبه للفن والتمثيل للمشاركة في أعمال فنية مهمة مع نجوم كبار بأدوار صغيرة نسبياً، لكن الظروف هيأت له الفرصة ليكون نجماً أو على الأقل يؤهل للنجومية كما حدث مع الفنان حسن مصطفى في «مدرسة المُشاغبين» حيث لعب دور حضرة الناظر عبد المُعطي بدلاً من الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي الذي بدأت المسرحية عرضها الأول به، لكنها سُجلت تلفزيونياً بدور حسن مصطفى فنُسب النجاح كله له وارتبط اسمه بذاكرة الجمهور فأصبح هو البطل الأصلي والمُعتمد، وبنفس التفاصيل تقريباً ظفر أحمد بدير بدور حمدي أحمد في مسرحية «ريا وسكينة» التي كانت سبباً رئيساً في نجومية بدير لقيامه بتسجيل المسرحية تليفزيونياً.
وهذه الحكاية تكررت في أفلام كثيرة مع نجوم كبار ووجوه جديدة، فقد فاز نور الشريف في فيلم «الكرنك» بدور أحمد زكي بعد اعتراض موزع الفيلم على وقوفه أمام سعاد حسني باعتباره غير مُقنع كحبيب وزميل لها بحسب القصة والسيناريو، وهي الصدمة التي تلقاها زكي في صمت وعوضها بعد ذلك في أفلام أخرى مع سعاد، حيث وقف أمامها كبطل مهم في فيلم «موعد على العشاء» و«شفيقة ومتولي» و«الراعي والنساء» ومسلسل «هو وهي» ليُثبت للموزع العربي الذي رفضه أنه كان مُخطئاً في تقدير موهبته وحساباته الشخصية.
وتدور الأيام والسنين ويأخذ عادل إمام من أحمد زكي دور البطولة في فيلم «الحريف» للمخرج محمد خان إثر خلاف في وجهات النظر بين زكي وخان حول شكل البطل الرياضي الذي يحترف لعب الكرة والشراب في الساحات الشعبية، ولم يتمسك زكي بالدور واعتبره مجرد فرصة ضائعة يُمكن الحصول على أفضل منها في فيلم آخر، وبالفعل جاءت الفرصة الأكبر مع محمد خان نفسه في فيلمي «زوجة رجل مهم» و«أيام السادات» والفيلمان شاركته البطولة فيهما النجمة الكبيرة ميرفت أمين ونجحا نجاحاً غير مسبوق.
وهكذا تعددت الفرص الضائعة والفرص المُستغلة وكلها حملت خلفيات وحكايات وتفاصيل وكشفت عن أسرار الأدوار والشخصيات والمُنافسات التي تحكم عادة عملية اختيار الممثل أو الممثلة للشخصية التي يُراد تجسيدها والتعويل عليها إذا كانت شخصية رئيسية أو الاتكاء عليها لو كانت ثانوية أو هامشية نوعاً ما، وفي بعض الأحيان تلعب الصدفة دورها في صناعة نجم أو نجمة فتغير المسار وتحول حياة الفنان أو الفنانة من النقيض إلى النقيض.