الرباط – «القدس العربي»: لم يبق مجال دون أن يقتحمه «المؤثرون» من «صناع المحتوى» على «الويب»، بعد اكتساحهم للعالم الافتراضي، وبعد جلوسهم قرب وزراء يفتون في أمور الاقتصاد والاجتماع، رغم قلة المعارف في ذلك، إضافة إلى جلوسهم في مقاعد مميزة في ملاعب كرة القدم، هم اليوم يحتلون مكان الممثل ويقومون بما يقوم به من أجل كسب لقمة عيشه.
فقد أطل شهر رمضان، الذي يقترب من الرحيل، على ممثلين مغاربة بكثير من الغبن والاستياء واتساع رقعة الهامش، الذي يقيمون في ظله، وتضاف إلى جملة شكاياتهم، قضية «الارتماء» على مهنتهم من طرف غير الممثلين.
مثل الفطر، انتشرت أسماء لما يسمى بـ «المؤثرين» في المسلسلات و«السيتكومات»، وبات الممثل مجرد عنصر إضافي مثل الملح في الطعام الأساسي، الذي هو نجوم «الويب» «صناع المحتوى» الذين اكتسحوا التلفزيون بعد أن هيمنوا وسيطروا على العالم الرقمي، ليحققوا بذلك ازدواجية الحضور، في الواقع كما في الافتراض.
التأويلات كثيرة التي تحاول شرح أسباب نزول نجوم «الويب» على ساحة الفن المغربي، وتعويض ممثلين يستحقون نصيبهم من العمل ومن المال العام ما دامت الأعمال تمول من أموال القنوات التلفزيونية العمومية.
الظاهرة كانت خجولة قبل سنة أو أكثر، لكنها اليوم صارت مخجلة للمشهد الفني، وصار المخرج يعتمد نجمة أو نجما قادما من أدغال العالم الرقمي، ليزيح من يستحق أن يكون حاضرا في ذلك العمل أو في تلك الحلقة.
المخرجون ينالون النصيب الأكبر من النقد والهجوم، بسبب اختيارهم لصناع المحتوى كنجوم في أعمالهم الدرامية أو «سيتكومات» كوميدية، أو حتى أفلام تلفزيونية، والمصيبة عمت كل القنوات كما وصفها متتبع.
من التفسيرات التي قيلت، إن المخرج يريد تحقيق أكبر نسبة من المشاهدة، والغريب أنه يبحث عن نجم «الويب» عوض البحث عن سيناريو حقيقي وممثلين اكفاء واشتغال جدي وجيد، أما المشاهدة فلن تغير شيئا من الدخل المالي، العمل مسلسلا كان أو «سيتكوم» تنتجه القناة على نفقة المال العام، ولا أحد ينتظر شباك التذاكر.
هذا قليل من كثير قيل في ظاهرة نجوم الويب وخطف لقمة الممثل، ونورد ما ذكره الفنان محمد الشوبي في تدوينة نشرها على صفحته في «فيسبوك»، من كون «الكائنات الافتراضية المشوهة تغزو عالم الدراما الوطنية وتتكون من القبائل الفيسبوكية والقبائل الإنستغرامية والقبائل التكتوكية».
وتلك كانت بمثابة المختصر المفيد في انتقاد ظاهرة نجوم الويب وهم يتقمصون دور الممثلين. ولم يكتف الشوبي بذلك، بل ثمن في تدوينة لاحقة ما قالته الفنانة سناء عكرود وهي تسجل ملاحظات على أعمال رمضان، بقوله «طبعاً يحز في نفسنا هذا أختي سناء، لكن لا حياة لمن تنادي». وكتب الإعلامي المغربي محمد أحداد، المقيم في الدوحة: «صرخة سناء عكرود وقبلها محمد خيي، حول لجوء منتجين لـ «مؤثرين» و«إنستغراميين» للمشاركة في أعمال يفترض أنها فنية، حتى ولو كانوا فقراء الموهبة والمعرفة على حساب الجودة والحس الإبداعي، هي صرختنا جميعا».
وأضاف في تدوينة على فيسبوك قائلا: «أستحضر نماذج لفيسبوكيين، وإنستغراميين أصبحوا فجأة يمارسون مهنة الصحافة، ويعطون الدروس فيها، ويعتبرون المهنية والمصداقية والتحقق من الأخبار مجرد ترف لم يعد يناسب الجمهور الحديث الذي يبحث عن الشعبوية وإرضاء رغباته وغرائزه خاصة في مجتمعات غير متعلمة».
في المقابل، يلتزم العديد من الفنانين الصمت ولا ينشرون تدوينات تعبّر عن مواقفهم وآرائهم، بل تكشف تضررهم من هذه الظاهرة غير الصحية، لكن الممثل حفيظ البدري كان بليغا في تدوينة على شكل «هاشتاغ» قال فيه «أنا ممثل ماشي ديال إنستغرام»، بمعنى أنه ممثل ليس في إنستغرام، والغمز هنا على صناع المحتوى الذين صاروا ممثلين في أعمال رمضانية شتى.
ويبقى اللافت جدا، هو تقاسم عدد من الفنانين المغاربة لمقطع فيديو من حوار للفنان المصري محمد صبحي، وهو ينتقد بشدة «التيكتوك»، تزامنا مع ظاهرة «صناع المحتوى» الذين صاروا نجوما في مسلسلات رمضان. الرسالة تبدو واضحة وجلية، من خلال اعتبار منصات التواصل الاجتماعي مجرد مواقع للتعبير العابر، وليست مدارس لإنجاب الممثلين أو علماء الاجتماع أو مفكرين أو شعراء أو أطباء.
ويبقى السؤال الذي طرحته الفنانة سناء عكرود في مقطع فيديو نشرته على حسابها في إنستغرام، «من يحمي صانع المادة الفنية؟ من يحمي المهنة؟» يرنّ في أذن المشهد الفني المغربي وخاصة المنتج أو المخرج، الذي فضل الاعتماد على صانع محتوى في الإنترنيت، عوض الاعتماد على صانع حياة وإبداع وهو الممثل قبل كل شيء.