هناك كتّاب كبار تستمتع وأنت تقرأ كتاباتهم وإبداعاتهم، غير أن هناك متعة أخرى، تفوق متعة أنْ تقرأ لهم، هي متعة أن تقرأ تفاصيل حياتهم الخاصة من خلال حوارات أجريت معهم، والمؤكد أنك ستستفيد كثيرا من خبراتهم الحياتية ومن آرائهم ورؤاهم، ومن خلاصة الفكر الذي توصلوا إليه من خلال رحلتهم الإبداعية والحياتية، ومؤكد كذلك أن الفائدة ستكون كبيرة ونوعية حين تتعرف على تفاصيل حياة نجيب محفوظ بشتى جوانبها.
في كتابها «أحب رائحة الليمون… حوارات مع نجيب محفوظ» الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في القاهرة، تقول سهام ذهني إن العطر المعتق ما إن نفتح غطاء قنينته حتى يفوح العبير، ويتيح الأُنس للروح، بمثل هذا الشذى الجذاب استقبلتني كلمات أديبنا الكبير نجيب محفوظ، الموجودة في كتاب لي صدر منذ أكثر من عشرين عاما استقبالا غمر وجداني أنا صاحبة الحوارات نفسها التي دارت بيني وبينه وجها لوجه واستمتعت بما قاله لي فيها على مدى سنوات من قبل حصوله على جائزة نوبل في الأدب وبعد حصوله عليها، ذاكرة أنه بالإضافة لاستمتاعها بفيض الجمال فإن قراءتها الجديدة المتأنية قد سمحت لها أن تلاحظ وجود أمور حصرية لم يذكرها إلا معها، مما دعم عندها فكرة إعادة نشر تلك الحوارات التي كانت قد استأذنته في جمعها في كتاب، لافتة النظر إلى أن هناك كاتبا نلتهم سطور أعماله، ثم إذا ما قابلناه وتحدثنا معه خذلتنا شخصيته، إنما نجيب محفوظ، على العكس، كلما حاورته وجدت أنه يملك شخصية مثيرة للإعجاب مثل كتاباته، خصوصا في الحديث الخاص والحميم عن جوانب خاصة من حياته، مشيرة إلى أنه في حين أجاد قلمه تقديم شخصية الزوج المستبد «سي السيد» في ثلاثيته الشهيرة، إلا أن الكاتب الكبير كان شخصا ديمقراطيا وودودا ومتحضرا في بيته.
من خلال كتابها الذي يضم ستة عشر حوارا أجرتهم الكاتبة مع محفوظ على مدار سنوات طويلة، نعرف أن الكاتب المصري كان من عشاق أم كلثوم ولهذا سمى إحدى ابنتيه على اسمها، وأن النظام دخل حياته قبل أن يلتحق بالوظيفة، ربما ظهر من أيام المدرسة لأنه كان مغرما بلعب كرة القدم وبالسينما، وكان لا بد له من تنظيم وقته، وأنه كان يحب حصص الجبر والحساب والهندسة وحصة اللغة العربية، وأنه يحب سورة الرحمن وأنه منبهر بشخصية عمر بن الخطاب لأنه يعتبر حاكما مثاليّا في أي زمان ومكان، وعلي بن أبي طالب لأنه فارس وشهم وحكيم وقاض وبليغ. كما نعرف أنه يرى أن الصلاة عبادة ورياضة نفسية وتجربة أخلاقية كبيرة، وأن شغله الشاغل كان الأدب والفن، وأن يكوّن نفسه ككاتب، وهو إنسان عاش حياته كلها على مكتبه ولم يكن يرى الدنيا إلا يومي الخميس والجمعة، وأنه لم يحتفل قط بعيد ميلاده، وأنه في بدايته عندما كان يجد صعوبة في النشر كان يشعر بمرارة شديدة، لكنه كان يزداد تصميما، وأن أكبر هزيمة أو خسارة في حياته هي عجزه عن القراءة لأن القراءة كانت أكبر متعة في حياته. أيضا نعرف أنه يرى أن أهم إنجاز إنساني ربما يكون سقوط الاتحاد السوفيتي والدرس الذي أعطاه للناس، فقط سقط رغم أنه لم يُهزم في حرب وكان في عز قوته فأعطانا درسا هو أن القوة وحدها لا تكفي، وأن الصواريخ والقنابل النووية وحدها لا تكفي، مثلما يرى أن الأبطال الذين لا مثيل لهم في التاريخ هم الشباب الفلسطينيون الذين يواجهون الرشاشات والدبابات الإسرائيلية بقطعة حجر، وأن الشعوب حين تتعلق بأمل تحلم به ولا تجده على أرض الواقع فإنها تطلبه من الخيال، فيلد الخيال أسطورة تنسجها حول رجل ما، سواء كان هو الرجل المناسب أم لا. على المستوى الشخصي أحب هذه النوعية من الكتب، وأجد فيها متعة خاصة، وهذا واحد منها ممتع ومفيد للكاتب والقارئ العادي معا، إذ أدخلتنا الكاتبة المحاورِة فيه إلى أروقة حياة نجيب محفوظ، كاشفة عن الكثير من خباياها التي رواها خلال حواراته معها، ناقلة لنا فيها جُلّ تجربته في الحياة والإبداع، معلنة عن أديب كبير متواضع إلى أبعد حد، رغم أنه لديه من الموهبة والنتاج الأدبي ما قد يدفعه إلى الغرور، لكنه لم يفعل.
* …..