إذا كان الأديب العالمي نجيب محفوظ قد اهتم بدراسة الفلسفة، وارتبط بالوظيفة الحكومية، واحترف الأدب، فهو أيضاً من عشق الموسيقى الشرقية، وكرس لها وقتاً للدراسة، باعتبارها علماً يتصل بالإيقاع والرهافة والحس الراقي، ويدخل ضمن مقومات الكتابة وتعميقها، فالموسيقى إحدى مفردات الإبداع المتميز في الكتابة القصصية والروائية التي نبغ فيهما.
ولم تتوقف علاقة الأديب بالموسيقى عند حدود التذوق والإعجاب بالمقطوعات الكلاسيكية، والأدوار والطقاطيق، وإنما وصل الارتباط إلى الشروع في تعلم العزف على أكثر الآلات صعوبة، إذ اختار الكاتب والأديب آلة القانون، لتكون تخصصه في المجال الموسيقي العلمي ووسيطه في ممارسة هوايته المُفضلة كمُحب للعزف وموهوب فيه.
وبالفعل التحق نجيب محفوظ بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، وقضى فيه عامين في محاولة لتعلم فن كتابة النوتة الموسيقية، والعزف المُتقن على القانون، لكنه لم يستمر إلى نهاية المدة الدراسية المُقررة، واكتفى بتعلم القواعد الأساسية للعزف والدراسة اللاتينية العسيرة، بيد أنه نجح في اكتساب مهارات جديدة في التعامل مع آلة القانون، والإلمام بالكثير من العلوم الموسيقية التخصصية، كالصولفيج والفوكاليز والنوتة والمقامات وتاريخ الموسيقى الشرقية، بتنويعاتها التركية والحجازية والمصرية، وخصائص تفردها كلون إبداعي تعبيري، متميز برواده وأساتذته والمتخصصين فيه، كصفر علي وعبد المنعم الحريري وكامل الخُلعي وسلامة حجازي وصالح عبد الحي وسيد درويش ومنيرة المهدية وعبده الحامولي وألمظ وغيرهم. وبهذه الخلفية كوّن أديب نوبل حصيلة ثقافية غنية، أهلته في ما بعد للكتابة في هذا المجال بتمكن وإدراك كامل للتفاصيل الخاصة بالمجال الموسيقي والغنائي، وقد ظهرت أصداء الخبرة في الثلاثية التي يرى محفوظ نفسه، أنها كانت من أصعب ما كتب، لاحتوائها على كثير من التواريخ والمواقف والخلفيات والشخصيات، مُتعددة المسارات والطبائع والتوجهات والأمزجة، وفيها دخل الكاتب إلى دنيا العوالم والآلاتية والأفراح، والأعيان، والمعلمين، والسياسيين، والتجار واستخلص من التجربة ما دلل به على طبيعة المرحلة الاجتماعية والسياسية والثقافية لمصر في أربعينيات القرن العشرين.
ولم تكن الموسيقى هي الهواية الوحيدة التي نافست موهبة الكتابة لدى الكاتب والأديب، وإنما كان هناك ما يشغله من الهوايات الأخرى كلعب الدومينو والطاولة والشطرنج، وكلها ألعاب تعتمد في أدائها على الذكاء، وسرعة البديهة، وقد أجادها إجادة كاملة واكتسب خبراته فيها من مخالطة الأصدقاء في المقاهي الشعبية في حي الحسين وخان الخليلي وحي الجمالية والدرب الأحمر والمغربلين، إلى آخر الأحياء العتيقة التي ورد ذكرها في الثلاثية الشهيرة، «بين القصرين وقصر الشوق والسكرية»، مسارح الأحداث الرئيسية في الروايات الثلاثة المهمة التي جمع فيها محفوظ بين الرومانسية والواقعية في قوالب روائية مُعتبره وغير مسبوقة.
غير أن هناك من الإبداع الخاص ما تحدث عنه الكاتب نفسه بوصفه الصور والنماذج الأكثر محاكاة للواقع المصري الشعبي محدداً رواية «حكايات حارتنا»، وهي الرواية الأخرى المختلفة عن رواية «أولاد حارتنا» التي كانت مساراً للجدل لفترة طويلة، والثلاثية سالفة الذكر، وقد اختصهما صاحبهما بالذات لكونهما القريبتين من النمط الواقعي لحياة الغالبية من أولاد البلد المصريين، ولهذا كان لهما التأثير الأقوى من بين ما كتب، في القارئ المحيط بالثقافة الشعبية وسماتها وأصولها.
وقد لوحظ ارتباط نجيب محفوظ القوي بالأحياء الشعبية في معظم رواياته، ولكن ثمة تأكيد على هذا الارتباط بدا جلياً في أعمال مثل «زقاق المدق» و»اللص والكلاب» وبالطبع الثلاثية و»خان الخليلي»، ومع ذلك جاءت رواية «الكرنك» كحالة إبداعية خاصة تم من خلالها المزج بين النقد السياسي لفترة الستينيات، وما شابها من مثالب ومآخذ، عمل الكاتب والمبدع على الإشارة إليها بوضوح، لاستبيان خطورة الوضع القائم آن ذاك ومحاولته لفت النظر لتصحيح المسار، وليس لإعلان العداء لثورة يوليو/تموز أو حتى مجابهتها. وهو توضيح تجد الإشارة إليه لأنه ورد على لسان نجيب محفوظ شخصياً، ومسجل بالصوت والصورة في حوار تلفزيوني مطول، أجراه معه الإعلامي الراحل طارق حبيب منذ سنوات إبان حصوله على جائزة نوبل، حيث برّأ نفسه فيه من الهجوم على ثورة يوليو، وهو ما يوحي بأن سيناريو الفيلم قد نحا نحواً مُختلفاً عن الرواية وأسرف في نقده لفترة حُكم الرئيس جمال عبد الناصر.
وغاية هذا الاستشهاد ليس الدفاع عن ثورة يوليو ورجالها، وإنما العودة للتأكيد على وجود المقهى الشعبي، كثيمه أساسية في الرواية عند نجيب محفوظ، ودلالة أن تحمل رواية «الكرنك» عنوان المقهى الذي جرت في داخله معظم الأحداث، وفي القلب منها اجتماعات المثقفين المعارضين للحكم الديكتاتوري بحسب الأحداث.
وما يُعزز من فكرة الارتباط بالموسيقى والغناء لدى الكاتب أيضاً، حرصه على تضمينهما في الكثير من إبداعاتة الأدبية وسيناريوهات الأفلام التي كتبها، أو شارك في كتابتها مثل فيلم «ريا وسكينة» الذي احتوى على عدد من المشاهد التي كان للموسيقى فيها دور تأثيري لزوم الضرورة الدرامية، وكذلك فيلم «أميرة حبي أنا»، حيث اهتمامه بخلق مساحات واسعة للاستعراض والأداء الغنائي لتمكين البطلة سعاد حسني من إظهار مواهبها في هذا الخصوص على نحو فارق.
وعلى المستوى الشخصي ظل نجيب محفوظ يمارس هواية العزف على القانون لفترة غير قصيرة من حياته، داخل المحيط العائلي، في إصرار منه على أن تظل علاقته بالموسيقى قائمة ومتصلة، اتصالها الرومانسي الإنساني المحدود، إلا أن الهواية الاستثنائية أخذت في التراجع شيئاً فشيئاً حتى صارت من الذكريات البعيدة ولم يتبق منها غير الصدى في سيرته الذاتية والإبداعية.
٭ كاتب مصري