بيروت – «القدس العربي» ـ من يارا بدر: عُرِضَ في بيروت فيلم المخرجة اللبنانية «كارول منصور» الوثائقي «نحنا مو هيك» خلال فعاليات الورشة التدريبية التي أُقيمَت لثلاثين سيدة وشابة سورية، حول (حقوق النساء في الانتقال الديمقراطي وجندرة الدستور). ليس هذا العرض الأوّل للفيلم الذي أُنتجَ في العام 2013 بدعم من مؤسسة «هينرش بُل، د. بينته شيللر» الألمانية في إطار السعي لتأمين الدعم المالي اللازم للاجئين السوريين، وعرض قضية اللاجئين أمام العالم الغربي.
في العرض الأخير، لم يلق العمل ترحيباً كبيراً من الحضور الذي عرفت مُعظم سيداته تجارب قاسية بدورها، وأخريات اشتغلنّ مع اللاجئات ورأينّ مآسي إنسانيّة مؤلمة إلى الدرجة التي قد يبدو فيها عثور عائلة على منزلٍ وليس خيمةً أو قطعٍ كرتونية نعمةً كبيرة. العمل الذي كشف جوانب عبر سبعين دقيقة مختلفة من حيوات سيدات يعشنّ التهجير الاغتراب، بالإضافة إلى أزماتهنّ الشخصية كسيدات، وأمهات، وزوجات. وذلك عبر تقديم خمس لوحات بورتريه نجحت المخرجة في أن تبقيها بعيداً عن إشكالات التمترس الأيديولوجي والحساسيّات السياسية كما المذهبية التي تتغلل في نسيج المجتمع السوري، وتنعكس بآثار سلبية عالية في علاقة جماعة الاجئين هذه مع المجتمع اللبناني ونسيجه الاجتماعي مُعقد التراكيب، وتبدأ منصور فيلمها من التنويه بأرقام دقيقة تفيد بأنّه يوجد حالياً في العالم ما يقارب خمسة وأربعين مليون نازح من جراء الحروب والنزاعات، وأنّ عدد اللاجئين السوريين إلى لبنان يقارب عتبة المليون حيث سيشكل اللاجئون السوريون حينها نسبةً تقارب 20 % من المجتمع اللبناني.
السيدة التي طلبت أن تُدّعى في الفيلم باسم «سمر»، هي السيدة التي أثارت حفيظة وغضب أغلب الجمهور النسائي السوري المتنوّع عمرياً وثقافياً وفكرياً ويأتي من مناطق جغرافية سورية متنوعة. «سمر» تبلغ من العمر (36) عاماً، أتت مع عائلتها إلى لبنان من منطقة الزبداني التي تشهد صراعاً عسكرياً منذ أشهر طويلة، في لبنان تعيش على المساعدات والمعونات التي تؤمن حاجة زوجها الطبية إلى العلاج، لكنها غير كافية لتأمين مُستلزمات الحياة اليومية، أو لتهدئة قلقها على مصير وحياة بناتها. تقول «سمر» أنّها فضلت تزويج صغيرتيها لكونها لم تعد قادرة على تأمين حياة جيدة لأطفالها الخمسة. وقت طويل تتيحه المخرجة لسمر أن تعرض أفكارها التي رفضها الجمهور، وأحال المسؤولية إلى السيدة التي لم تبحث عن عمل عوضاً عن الرضوخ إلى حلول سهلة مثل تزويج ابنة ذات (14) عاماً، وأخرى بالكاد بلغت (16).
في المقابل نالت السيدة (سهام) تعاطف وتقدير أغلب السيدات الحاضرات. هي زوجة الشهيد الفلسطيني «غسان شهابي» الذي أُرديّ قتيلاً برصاص قناص استهدفه وهو يدخل المخيم بسيارته بعد أن أحضر (25) ربطة خبز لعائلات يخنقها الحصار المفروض على المخيم من شهور طويلة جداً. بجانب صغيرتيه التوأم وزوجته، تلقى الشهابي الرصاصة التي استقرت في الرئة، نزف حتى الموت، وأسلم أنفاسه الأخيرة.
تقول العاملة الاجتماعية (سهام) ذات (37) عاماً، وهي تخطّ في لبنان علامات نزوحها الثاني: «لا يوجد أنا، يوجد فقط نحن. إن غادرت لدقائق تشعر الفتيات بالخوف ويبحثنّ عني». وتضيف. « لا شيء عاد من الممكن أن يؤلمني. مع خسارة غسان، ومع اكتشافي ما معنى أن يبدأ المرء من الصفر، وكم أنّ هذا الصفر قاسٍ، لم يعد من الممكن أن أشعر بالألم أكثر. أعيش من أجل بناتي، أنا لم أعد أكثر من أم».
تجاور عرض الفيلم، مع تقرير الأمم المتحدة الأخير الذي أفاد أنّ (145000،) عائلة سورية تُعيلها النساء. نساء هُنّ ضحايا مباشرات للعنف العسكري، للعنف الاجتماعي، للتهجير بما يحمله من اغتراب مكاني وإنساني، أسرى ذاكرتهنّ وحاضرهنّ المُعلّق كما تقول (عفراء) في بداية الفيلم، الفتاة الحلبية التي أتت لبنان بعد الاعتقال ولم تزل في الثامنة والعشرين من عمرها: « لا أستطيع أن أفكر بالغد كثيراً، إننا نتحدث عن وقتٍ مُستقطع في الحياة، وكأنّه غير محسوب»، لحيوات مُعلقة بين أحلام ماضٍ مكسّرة وصور مستقبل رمادي.
وكذلك هُنّ ضحايا لأزماتهنّ النفسيّة وشروط المعيشة الجديدة القاسية، حتى تبدو العلاقة الزوجيّة واجباً ثقيلاً هي أكثر هشاشة في ظروفها هذه من عيش لحظتها تلك. كل هذه الضبابيّة، والقلق، والألم، لم يمنع السيدات من أن يبحثنّ عن سبل حياة، سبل مقاومة، ففي حين غاب الرجال بانسحابهنّ الخاص، أو المفروض، اعتقالاً أو موتاً أو استسلاماً، وجدت النساء أنفسهنّ مسؤولات ليس فقط عن حيواتهنّ بل عن حيوات أطفالهنّ وعائلتهنّ بأكلمها. البعض اخترن الطرق الأكثر صعوبةً ووعورة، والبعض اخترن ربما طرقاً سهلة تحيل مسؤوليّة الفتيات إلى ازواجهنّ المستقبليين. لكن كيفما كان شكل الاختيار فإنّ لا شيء يُقلّل من مرارته، فهي بأكلمها خيارات ضمن نطاق شديد الضيق من مساحة الاختيار والفعل.
تفتتح كارول منصور فيلمها بمقولة: «إنّه لأخطر في العصر الحديث، أن تكون امرأة.. أخطر من أن تكون جندياً».