نحو أفق أبستيمولوجي مغاير

نتناول هنا نصاً مُؤَسِّساً من نصوص كتاب «الحُدوس الافتراضية والتفنيدات: تقدم المعرفة العلمية»، لكارل بوبر. يقع النص موضوع القراءة تحت عنوان: «في مصادر المعرفة والجهل»، الذي يعكس إلى حد ما المعنى الضمني للفكرة الأساسية التي يقوم عليها هذا الكتاب.

هل هناك فعلاً مصدر نهائي للمعرفة؟

لا يتعلق الأمر بأي تأصيل لمصادر المعرفة أو الجهل كما قد يبدو للقارئ في الوهلة الأولى، بل يتعلق الأمر بدحض فكرة اختزال مسألة المنهج العلمي وإنتاج المعرفة العلمية في سؤال المصدر النهائي للمعارف، كما جاءت بذلك نظرية المعرفة الكلاسيكية، التي تأسس عليها العِلم الحديث. ويُمكن تحديدها في اتجاهين رئيسييْن:
العقلانية الديكارتية: التي تَرد المعرفة إلى ما هو عقلاني خالص، من بداهات ومبادئ عقلية وحدوس فكرية إلى أفكار واضحة وحقيقة يقينية، أيْ إلى سلطة نهائية للعقل.
الإمبريقية البيكونية: التي تُرجع المعرفة إلى ما هو حسي محض، من معطيات حسية وملموسة قابلة للمعاينة، إلى تجارب حسية قابلة للإدراك الحسي، أيْ إلى سلطة نهائية للحواس.
حسب بوبر والحالة هذه، فإنه على الرغم من الخصومات والنزاعات والاشتباكات المزعومة بين النزعتيْن الآنفتيْن، فإنهما تشتركان في المنهج نفسه كما أنهما وقعتا في الخطأ عينه. أما عن المنهج المشترك بينهما فهو يتمثل في المنهج السقراطي بوجهيه السلبي والإيجابي التهكم والتوليد، الشك واليقين، التحرر من الأوهام والأحكام المسبقة، واكتساب المعرفة المحسوسة والواقعية القابلة للملاحظة والمعاينة، وإنْ كان المنهج السقراطي أكثر فعالية، ليس لأنه يجمع بينهما وحسب، بل لأنه يُعلي من قيمة السؤال على الجواب والجهل على المعرفة. فعلى عكس الخطاب الرسمي لنظرية المعرفة، فإن المنهج العقلاني المثالي الديكارتي هو في عمقه صورة أخرى للمنهج الاستقرائي الإمبريقي البيكوني.
وأما عن الخطأ المشترك بين تلكما النزعتين، فهو يتمثل بشكل أساسي في إرجاع المعرفة إلى سلطة نهائية مستبدة، قد تكون أقرب إلى قدسية الآلهة، سواء تعلق الأمر بالعقل أم بالحواس. لهذا يعتبر بوبر أن المعرفة لا مصدر نهائي لها. فلماذا نختزلها في مصدر يقيني ومطلق ما دمنا نملك من المصادر والوسائل ما يغنينا عن هذا المصدر أو ذاك.

نحو فحص نقدي

بل إن سؤال الأصل هو سؤال مغلوط في أصله، فالمسألة الأبستيمولوجية هي مسألة المعرفة العلمية في حد ذاتها مضمونها ومعيار صدقها أو كذبها. هذا هو السؤال الذي لم يطرح بعد: كيف السبيل إلى اكتشاف أخطائنا ومجاوزتها؟ يجيبنا بوبر: بالفحص النقدي.
ذلك النقد الذي يجعل من العقلانية عقلانية نقدية، كما يجعل من الإمبريقية إمبريقية نقدية. من هنا كان لزاماً علينا أنْ نحل إمكانية التفنيد محل إمكانية التصديق، التي طالما وسمت المعرفة العلمية الحديثة ومناهجها، كمعيار للممارسة العلمية المعاصرة، أولسنا أمام ثورة أبستيمولوجية؟ بعد هذا التحليل، لا يسع المرء في نهاية المطاف إلا أنْ يُسجل انخراطه العلمي في هذا المشروع الأبستيمولوجي والمنهجي المُغاير. كيف لا وهو الذي قلب الأبستيمولوجيا رأساً على عقب، بل خلخل أهم مسلمة من المسلمات المنهجية والمبدئية، لإنتاج المعرفة العلمية الحديثة، ألا وهي إمكانية التصديق وما ترتب عنها من انزلاقات ميتافيزيقية وأحكام سلطوية باسم هذه النزعة المعرفية أو تلك، التي تسجن المعرفة في هذا المصدر أو ذاك، أو في هذا المقترح أو ذاك، وبالتالي الدوران في حلقة مفرغة بين قُطبية موهومة، مما سيسهم في هدم الأسس الأبستيمولوجية المعهودة لأشكال وأنماط المعرفة العلمية السائدة في أرجاء المعمورة، وإعادة صياغتها على أسس أبستيمولوجية مغايرة، من شأنها أنْ تفتح آفاقاً جديدة لاكتشاف أخطائنا المعرفية، من خلال تفعيل فكرة القابلية للتفنيد في كل ممارسة يراد لها أنْ تكون علمية.
الكفيل بتقدم المعرفة العلمية والمنهج العلمي على نحو مغاير. الشيء الذي سيتيح للعلوم الاجتماعية بعامة، ولكل من علم الاجتماع والأنثروبولوجيا بخاصة، إمكانية مجاوزة قصورها العلمي الذاتي، أكان موضوعياً ومنهجياً أم مفهومياً وإبدالياً؛ من خلال تطعيمها بمنهج الفحص النقدي، أو الانفتاح عليه قدر الإمكان كأقل تقدير، الذي من شأنه أنْ يُعلي من شأن حرية السؤال على حساب سلطوية الجواب، وينتصر لأبستيمولوجيا الخطأ على حساب أبستيمولوجيا الحقيقة.

كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية