نحو تاريخ للثقافة والرقابة في مجتمعاتنا العربية المعاصرة

ضمن سلسلة دراسات وأبحاث في النقد الأدبي، وهي سلسلة محكمة يشرف عليها مختبر السرديات والخطابات الثقافية في كلية الآداب في نمسيك، وعن منشورات القلم المغربي في الدار البيضاء، صدر مؤخرا كتاب الثقافة والرقابة دراسة تاريخية معرفية للباحث المغربي سالم الفائدة، يقع الكتاب في 217 صفحة من الحجم المتوسط.
ينطلق الكتاب من الطابع الإشكالي للرقابة، نظرا لكونها متعلقة من حيث مضمونها بحقول شتى (الدين، السياسة، المجتمع، السلطة، الثقافة) ما جعلها موضوعا ملتبسا، يتخذ تلوينات متعددة ومتغيرا تبعا لعوامل الزمان والمكان والسياق المعرفي والتاريخي، ويأتي هذا الالتباس من ارتباطها الوثيق بإشكالية السلطة والمعرفة، أو علاقة المثقف بالسلطة، إذ شكّل المثقف عبر التاريخ مشكلة مؤرقة للرقباء، وجعل الرقابة تتخذ أشكالا متعددة على مرّ العصور، بغية احتواء المثقف أو تطويعه أو إقصائه أو القضاء عليه… والذي كان يشكل أيضا سلطة مضادة من خلال استفزازه للرقابة، واقتحامه لمحاذيرها، انطلاقا من الحرية التي يتيحها له الفعل الإبداعي، وهو ما كان يفتح عليه أبواب غضب السلطة السائدة وما يزال.
وقادته هذه الإشكالية إلى بحث الموضوع، انطلاقا من التساؤلات التالية: ما الأسباب الحقيقية التي تدفع السلطة إلى قمع حرية التفكير والتعبير؟ وما حصيلة التجربة الرقابية عربيا وغربيا؟ وما طبيعة السياقات والتصورات المحفزة لممارسة الرقابة في الثقافتين العربية والغربية؟ وما هي تجليات الرقابة؟ وما أسباب استمرارها عبر العصور؟ وكيف تفاعل المثقف مع الظاهرة تاريخيا ومعرفيا؟ وما أوجه الاختلاف بين التجربة الرقابية العربية ونظيرتها الغربية؟ ومن المسوغات الموضوعية التي دفعت سالم الفائدة إلى دراسة هذا الموضوع الشائك، ندرة الدراسات حول ظاهرة الرقابة في الثقافة العربية. وبعد قراءة متفحصة لهذا الدراسات، تبيّن له ضعف العدة المنهجية والمفهومية لأغلبها، ما صعّب عليها تبين حقيقة الرقابة، لذلك اقتنع الباحث بدراسة الظاهرة وتقصي تجلياتها الأدبية والفكرية، بهدف الوقوف على حقيقتها باعتبارها فعلا تاريخيا يعيق الحرية بكل أشكالها، متجاوزا نقائص الدراسات السابقة، عبر التركيز على الكشف عن السياقات الحاضنة لفعل الرقابة.
وعلى المستوى المنهجي تسلّح الباحث برؤية تاريخية معرفية ولغوية ثقافية، مستنيرة بالمنهج الوصفي التحليلي، الكاشف عن فعل الرقابة ودوافعه وسياقاته، والسّلط التي تُسنده، بُغية الوصول إلى العناصر المؤثرة في فعل الرقابة.
وقد توزّع هذا العمل بين فصلين. في الأول (تاريخ الرقابة) ومن خلال ثلاثة مباحث تتبع سالم الفائدة، تاريخ محاكمات الفكر والأدب عبر العصور، مبرزا سياقاتها الثقافية والدينية والسياسية، وكاشفا عن أسبابها ومبرزا التصورات المعرفية حولها، من العصر اليوناني إلى الزمن المعاصر. أما الفصل الثاني (الرقابة المفهوم والتصورات) بمباحثه الثلاثة فقد قدم جملة من التصورات الفكرية والثقافية واللغوية والدينية، حول مفهوم الرقابة، استنادا إلى خلاصات دراسات معاصرة واجتهاداتها حول المفهوم، وبشكل خاص التحليل النفسي، وأركيولوجيا المعرفة الفوكوي، وكذلك بعض التصورات العربية، بغية تقديم رؤية مغايرة في النظر إلى إشكالية الرقابة. ومن بين الخلاصات التي انتهى إليها الكتاب:
– الكشف عن اتصال مفهوم الرقابة بالتصورات العقدية والسياسية، التي هيمنت على الجماعات البشرية خلال حقب تاريخية محددة بتمظهرات وتجليات متباينة تبعا للسياقات المختلفة.
– سمح التناول النفسي والمعرفي في الكشف عن الارتباط الوثيق بين السلطة والرقابة وكذلك المعرفة التي أصبحت متداخلة مع السلطة في المجتمعات المعاصرة.
– مساهمة الرقابة في انتشار وتداول الكثير من الأعمال الأدبية والفكرية وشهرتها بين القراء.
وشدد الكاتب في نهاية عمله على أن دراسة ظاهرة الرقابة في الثقافة العربية ما تزال حقلا بكرا يتطلب المزيد من الدراسات والأبحاث، خصوصا أمام تنامي أشكال الرقابة وتجددها في مجتمعاتنا العربية المعاصرة.

٭ كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية