نداء هدنة وسلام من عمق الإنسان العربي

حجم الخط
1

ما يحتاجه الإنسان العربي بشكل سريع هو فترة تهدئة شبه تامة وسلام على كافة المستويات. انه في أشد الحاجة لفترة استراحة ليتمكن، قدر المستطاع، من تقييم اوضاعه وخلق توازن واخذ القرارات التي تسمح له بالتحكم ولو قليلاً فى مجريات حياته. لقد تكالبت عليه الأحداث لدرجة انه لم يعد قادرا على استيعاب كل ما يجري من حوله. يومياً هنالك أمور تحدث وتضرب في عمق وجدانه، تمنعه من السيطرة على أعصابة، سلوكه وتصرفاته. لقد افقده الظلم وشدة النوازل الكثير من المقدرة على التفكير السديد وأخذ زمام المبادرة واختيار الرأي الصائب. لم يعد بإمكانه تحمل أكثر مما هو عليه من هموم، متاعب وحروب. مثله مثل أبي العلاء في العراء، يستغيث حيناً ويناجي حياناً آخر، فلا يسمع ولا يستجاب له نداء. لا يهتم الكثير بما يحصل له ويظن البعض بأنه على خير ما يرام. هذا الاعتقاد غير صحيح. هذا الإنسان، المعروف بعزته ومقدرته على اخفاء شعوره، خاصة المتعلق بالكرامة والكبرياء، يحاول بكل الوسائل مداراة محنته، توازياً مع كونه حليما ونبيلا، فهو إنسان متردد، حائر، مرتبك ومكبوت. كل هذا يظهر على ملامحه ويعبر عنها لسان حاله. محنته تفاقمت وطال زمنها، مثله مثل اجيال اخرى في أمته، لم يتذوق حقاً طعم الراحة النفسية والسعادة، لقد تجاوزته كلتاهما كما يتجــاوز القدر عمر البشر.. لـقـــد سئم هذا الإنسان الحـــياة بسبب تعقيدات ومرارة أحداثها.
ما يحدث هنا وهناك من نداءات استغاثة ومن ثورات ضد الاستبداد، وما يمكن أن يليها فى المستقبل، ليست سوى صدى الأنين الذي تراكم في وجدان وضمير الإنسان العربي، رجلا كان او امرأة. حتى الآن يبدو وكأن هنالك من لا يشعر فعلاً بحجم هذه المعاناة. الغالبية العظمى، خاصة من الساسة والمترفين من بني قومه، تتأمل حاله كمن يتمعن في لوحة درامية معلقة على جدران أحد المتاحف، يتأملونها بنظره لا تعبر عن حزن ولا عن رأفة، ليس فيها مبالاة. إن استمر هذا الوضع، فسيصل الحال لحد الكارثة التي ستطال وتجرف الجميع، القوي قبل الضعيف، الغني قبل الفقير والسعيد قبل التعيس. فعــلاً وليس مجازاً، لقد بلغ منا السيل الزبى. لقد تدفقت الفواجع بدون أن يعار لها أدنى اهتمام، الكثير يديرون أعناقهم لجهة أخـــرى اعتقـــاداً منهم بأن الأمر لا يعنيهم وأنهم في مأمن مما قد نال غيرهم، والقليل هم من يحاولون اعارة سوء الحال شيئا من الانتباه، من لهم القدرة على فعل شيء، فقط يقومون بتقديم بعض المهدئات، بدون الأخذ فى الحسبان أن الحلول قصيرة المدى لا تجدي نفعاً ولن تفيد شفعاً على الأمد البعيد والمتوسط.
السؤال البديهي الذي ينبع من بين ثغرات هذا الشعور، هو لماذا يحصل كل ذلك للإنسان العربي دون غيره؟ أطلب العفو قبل أن افصح بالقول بأنه حين يتم التفكير في ذلك أول ما يخطر على البال، أن كل ذلك ناتج عن تفشي نوع من الغباء الرسمي، الذي جرف الشعوب نحو مستنقعات العنف واليأس، انه غباء الفكر وغباء السلوك. بعد تقديم واجب الاعتذار، يشار الى أن الغباء مصطلح يستعمل للتصنيف لا للتجريح. يوجه حيناً لمن يستحق وأحياناً لمن لا يستحق، المؤكد علمياً هو أن الغباء حالة مرضية مشخصة يمكن ان تصيب الشخص في أي مرحلة من حياته، حينها تراه يقترف أشياء لا يقترفها الإنسان المتوازن المتبصر، يفعل ما يفعل، أو لا يفعل ما يجب أن يفعل، بدون كامل وعي. من الممكن أن تكون حالة الغباء مجرد حالة عابرة وعارضة، يقع فيها أي شخص خلال لحظة معينة ونتيجة حادثة بعينها، أو حالة مزمنة دائمة. حال ذلك، الغباء يكون مقدمة لما يليه من مرض أخطر وهو الجنون، المصنف طبياً، والذي يجب مراعاته صحياً وإنسانياً. هول الأمر هو عندما يكون للغباء عواقب وخيمة على الآخرين، لحظتها لا ينفع الندم. دائماً هنالك من يجيد الندب والضرب على الصدر والرأس، على ما ارتكب هو أو غيره من أخطاء، لكن، استدراكنا الأمور متأخر وفي الوقت الضائع لا يجدي نفعاً.
بعد كل هذا، نرى أن من أهم الأسباب التي أوصلتنا للحال المزري هو التشتت الذهني، الذي هو رافد من الروافد المتصلة بالغباء. هذا التشتت في حالة تصاعد تدريجي. وهو ناتج أصلاً عن صلابة وتنوع الخلافات البينية التي تنفجر يومياً أمام أعين الجميع. هذا التشتت يغذى ويتغذى من الخلافات وما تنتجه من عواقب وخيمة تنعكس على الخاصة والعامة، ويرتبطان بعضهما ببعض. لقد تفشى التشتت نتيجة ما يحدث لنا يومياً، ووصل ذروته، ما أثر ويؤثر سلباً على تفكير وضمير وسلوك الشخص والجماعة. لقد اضنى التشتت الناتج عن الهموم والصراعات السياسية، الدينية، الاخلاقية والاقتصادية، كل إنسان عربي، لدرجة لا يمكن اخفاء حالة الارتباك المتعمقة بداخله وداخل مجتمعه. إن لم يستدرك هذا الارتباك بشكل ما سوف يصل بالجميع لحالة احباط عامة لا مثيل لها، حالة احباط تنال كافة جوانب الحياة، في القرى كما في المدن.
فعلاً، أمام تسارع الأحداث وتعقيدات الأمور ونتائجها والتشتت الذهني، لم يعد اي منا قادرا على تحديد أولوياته، ولا حتى الوقوف في منطقة الحياد التي ربما تحميه من الانجراف والانحدار نحو البلاء. نتيجة كل ذلك نرى البعض يتحرك بدون أفق وبشكل عشوائي بين مختلف الاتجاهات الفكرية. يتقلب بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، مجتازا الوسط، بدون أن يعلم أياً من التوجهات هي الأنسب، نرى من يساند يوماً السلمي على العنفي، المعتدل على المتعصب، اليميني على اليساري، الحاكم على المحكوم، الوطني على القومي، الشيعي على السني، الرجعي على التقدمي، الأصولي على العلماني، الرأسمالي على الاشتراكي، ويوماً آخر عكس كل ذلك، بدون أن يعلم حقاً ابعاد وحقيقة هذه التوجهات وما تحمله حقاً من معان ومقاصد.
بقدرة قادر، تراه فجأه يتفهم ويدعم هذا، بعد أن كان بالأمس ينعت وينتقد ذاك. يبدو كأنه يتصرف بدون أن يعي عواقب تقلب مواقفه، تعنت أفكاره. الإنسان المتشتت عقله والغائبة إرادته، تتغير مواقفه باستمرار بسبب تداخل الرؤية وتوالي الأحداث الغامضة التي تقع من حوله وتؤثر بشكل مباشر عليه. كل ذلك يمنعه من التريث، وبالتالي المقدرة على التمييز بين الخير والشر، الصواب والخطأ، الصديق والعدو، من منا ومن علينا. لقد كبرت وكثرت على العربي، سواء أكان هذا مثقفا مستنيرا أو شخصا محدود الثقافة، التنافرات والنزاعات لدرجة أصبح غير قادر على أخذ القرار السليم والحكيم. لقد تشابكت عليه الأمور لذا لم يبق أمامه سوى خيار الانخراط فيها أو الانعزال بعيداً عنها.
حالياً الانسان العربي هو الوحيد الذي يبحث عن ‘الحل’، نوعاً ما الجميع متفق على أن ذلك يكمن في توعية وتحديث العقل الخاص والجمعي، الذي يحمل في طياته ضرورة صياغة بنيته بطريقة عقلانية تسمح بتحديد الأولويات وتوجيه الفكر والسلوك، حسب ضوابط عامة نابعة من ثقافته الدينية، الاخلاقية، الاجتماعية، السياسية والاقتصادية المتنوعة والمعاصرة. ضوابط حد أدنى متفق عليها من قبل الجميع، ضوابط تؤدي للسلم الأهلي، السكينة وهدوء البال. اعتقد أن مثل هذا الأمر ضرورة حتمية لا غنى عنها من أجل إخراج هذا الإنسان من البلاء المستدام الذي أًصابه. حال عدم العمل على هذا الاساس، فسيبقى الجميع هائما في عالم خيالي مليء بالتناقضات، التجاذبات والصراعات، التي حتماً ستؤدي إلى مزيد من الشقاء والشقاق على مستوي الفرد والعامة. فعلاً، نسبة لا بأس بها من النظم السارية تحتاج للتغيير، ووضع معايير جديدة متكاملة تسمح بتحديث النواه الذهنية ونظم الحياة. هذا التجديد، الذي يجب أن يطال قسما هائلا من المستنيرين فكرياً والمسؤولين رسمياً، سوف يساهم في أخراج العامة من متاهات الواقع المؤلم. هذا هو التحدي الذي يجب مواجهته بحكمة من قبل كل من يشعر حقاً بغيرة على وطنه وأمته. مواجهة تضع في الحسبان المصلحة العامة قبل مصلحة الخاصة، الفئة أو الايديولوجية التي ينتسب لها.

‘ كاتب فلسطيني- إسباني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية