ندوة كتاب «رحلة كامل التلمساني»: حالة كاشفة عن السيريالية المصرية ومصيرها

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «هل رأيت يا سيدي (عروسة المولد الحلاوة) ذات الأيدي الأربع؟ هل رأيت عرائس القراقوز الصغيرة؟ وهل سمعت قصص أم الشعور والشاطر حسن وغيرها من الأدب الشعبي المحلي.. كل ذلك يا سيدي سيرياليزم. هل رأيت المتحف المصري .. كثير من الفن الفرعوني سيرياليزم. هل رأيت المتحف القبطي .. كثير من الفن القبطي سيرياليزم. إننا لا نقلد المدارس الأجنبية، بل نخلق فناً نشأ من تربة هذه البلاد السمراء وتمشّى في الدماء من يوم كنا نعيش بتفكيرنا المطلق حتى هذه الساعة يا صديقي». (كامل التلمساني عضو جماعة الفن والحرية. مجلة الرسالة في 28 أغسطس/آب 1939 عدد 321).
بهذه العبارات يدافع كامل التلمساني (1915 ــ 1972) أحد رواد السيريالية المصرية وجماعة (الفن والحرية)، عن الجماعة وتوجهاتها، باتهامها بأنها انعكاس لصوت أوروبي غريب وبعيد عن المصريين. شارك التلمساني ورفاقه، وعلى رأسهم جورج حنين، رمسيس يونان، أنور كامل، وألبير قصيري وغيرهم من خلال مجلة «التطور» لسان حال الجماعة في إنتاج أدبي وفني مختلف عما هو سائد، وكان همهم الوحد هو بعث وعي ثقافي جديد، والنيل في حدة من كل آلهة وأساطير الثقافة المصرية في ذلك الوقت. ومن ناحية أخرى يقوم التلمساني بكتابة وإخراج فيلم «السوق السوداء» عام 1945، ليتم منعه من العرض، وهو يستعرض آثار الأزمة الاقتصادية وقت الحرب العالمية الثانية على الناس. وحتى إن كان الفيلم ينتمي لتيار الواقعية الانتقادية، وهو البعيد عن النهج السيريالي المعروف عن الرجل، إلا أنه يشترك في الفعل الثوري والحل الجماعي ـ فقلما تجود السينما المصرية بحلول قوية ـ وهو أن يقوم أهل الحارة بالاستيلاء على البضائع من مخزن التاجر، ثري الحرب الجشع، فلابد أن يأخذ الناس حقهم بأيديهم، ولا ينتظرون رحمة من أحد.
عن حكاية التلمساني وتحولاته الحادة يأتي كتاب «رحلة كامل التلمساني.. السيريالي في مواجهة الواقعي» للشاعر والتشكيلي المصري محسن البلاسي، الصادر مؤخراً عن دار الثقافة الجديدة في القاهرة. وقد أقيمت ندوة لمناقشة الكتاب في آتيليه القاهرة، شارك بها كل من الشاعر والناقد مدحت طه، الكاتبة مي التلمساني، وأدارها الفنان ياسر عبد القوي، ولنستعرض جانباً منها..

وكأنه رواية

تحدث بداية ياسر عبد القوي مدير الندوة ومصمم غلاف الكتاب، قائلاً.. إن العمل لا يقتصر على كامل التلمساني، وإن كان هو البطل، لكنه بانوراما للحركة المصرية والعالمية الثقافية في العشرينيات وما بعدها من القرن الفائت، فهو أكبر من أن يكون عن شخص واحد، وإن كان يروي كل ما حدث من خلال عين هذا الشخص. وبما أنه يروي فالكتاب يقترب أكثر من الرواية، عن كونه كتاباً بحثياً جافاً، فالحِس الروائي يحيط بالكتاب تماماً، رغم المصادر والمراجع الكثيرة، وأضاف عبد القوي في نهاية كلمته، أن الكتاب رغم شخصية باحثه، قد تماس بدرجة كبيرة مع كتاب «السيريالية في مصر» للناقد والكاتب سمير غريب، الذي قام بتقديمه للكتاب.

حالة مقاومة

وأشار مدحت طه بداية، إلى أنه ليس بمستغرب مناقشة كتاب عن كامل التلمساني في آتيلييه القاهرة، الذي ناقش من قبل كتاب سمير غريب آنف الذكر، واحتفالية جماعة (الفن والحرية) بمرور 70 عاما على نشأتها. ويرى طه أن ما حدث فى العالم منذ بداية الحرب العالمية الأولى، ثم ثورة 1919، ثم ظهور النخبة التى أسست جماعة الفن والحرية، كانت بمثابة حالة مقاومة لكل ما يجري فى العالم. كذلك أشار إلى أن كتابة جماعة الفن والحرية، جاءت باللغة الفرنسية لأنهم كانوا ضد الاحتلال الإنكليزي، ومن ثم لم يكتبوا بلغة الاحتلال، كما أن هذه الجماعة كانت تمثل محاربة كل التقاليد والقيم البالية. وهنا يمكن التوقف قليلاً عند مسألة اللغة الفرنسية بزعم أنها ضد الاحتلال ـ والكلام لنا ـ وهي فكرة غير صائبة بالمرّة، فمعظم رواد الفن والحرية، وعلى رأسهم جورج حنين كانت الفرنسية لغتهم الأولى، وكذلك ألبير قصيري ورمسيس يونان، وفي رسالة من التلمساني نفسه إلى جورج حنين، الذي كان في باريس وقتها، يذكر التلمساني أنه أحضر القاموس الفرنسي حتى يستطيع كتابة الرسالة. فالأمر لا علاقة له بالاحتلال، لكنها كانت اللغة المُعتَمَدَة لديهم.. لغة التفكير والكتابة.

من السيريالية إلى الواقعية

تمثل شخصية التلمساني الكثير من المنعطفات الحادة، فمن تشكيلي سيريالي مدافع عن جماعته وأفكارها، إلى هجرها، والتحول إلى سينمائي أكثر واقعية من صلاح أبو سيف ـ مع وهمية التقسيمات ـ ثم مغادرة مصر نهائياً إلى بيروت، والعمل مديراً فنياً لفيروز وفرقة الرحبانية. وتقول الكاتبة مي التلمساني ـ ابنة شقيق كامل التلمساني ـ يحاول الكتاب أن يجيب عن السبب الذى دفع كامل التلمساني، وهو من طلائع حركة الفن والحرية والفن المستقل فى مصر، لكي ينتقل عام 1934 للعمل السينمائي، وكانت هناك إجابة جاهزة أستمع إليها من عائلتي، وهو أنه رأى أن تلقي الفن التشكيلي فى ذلك الوقت اقتصر على البرجوازية المصرية، لكن باعتباره تقدمياً فكر فى العمل في مجال السينما، كونها الفن الجماهيري الأمثل، وبالتالي هذا هو المكان الحقيقي لطموحه وتقديمه فناً للجميع، إلا أن هذه الإجابة لم تقنع المؤلف بشكل كبير، حيث حاول أن يرد على السؤال نفسه بأجوبة عديدة أكثر تعقيداً، ومرتبطة بالتحولات الخاصة بهذه الفترة فى تاريخ الحركة الثقافية فى مصر. وتضيف في الأخير.. أن الكتاب تضمن وثائق مهمة عن المراحل المختلفة من منجز التلمساني، بالتقاطع مع الحركة التقدمية في مصر في العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي.
من جانبه يرى محسن البلاسي مؤلف الكتاب، أن كامل التلمساني يصعب تصنيفه ككاتب أو فنان تشكيلي أو مخرج سينمائي، لكنه حركة ثقافية بمفرده، حيث مثّل طفرة في الفن التشكيلي المصري، إضافة إلى مسيرة حياته المليئة بالانعطافات الدرامية، التي كانت قادرة على استيعاب تطورات الحركة الثقافية المصرية وقتها.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية