القاهرة ـ «القدس العربي»: «طيلة النهار يَنْحَنِينَ بدأب في الحقول
يتنقلن من مشقة إلى أخرى بلا كلل في البيوت
بعضهن يعملن بالأجرة لدى الأغنياء
يتلقين التحرش في خفاء الغيطان بمرونة مذهلة
ويبتلعن المهانة في صمت (اللي غصبك ع المر)!
فقط. يُمنّين أنفسهن بمتعة الغناء آخر النهار
ويروّحن عن أرواحهن بالرقص.. لينفضن بصمات المذلة العالقة
ويمسحن بقايا الصهد والمكابدة عن أجسادهن المجهدة!
(إشهد يا عرش المندرة
جاي لك عروسة منورة
إشهد يا عرش المندرة
جاي لك عروسة مغندرة)
يلتئمن يوميّا بإخلاص في أحواش الدور المفتوحة
وتشاركهن الأمهات والجدات من وقت لآخر
فيضفين على غنائهن مشروعية كبرى
ويضاعفن حماسهن ويمنحن انطلاقهن مشروعية مضاعفة
لكن الأجساد الخجلَىَ لم تكن تشتعل إلا بظهور الجِدعان
يُرعدها شرر النشوة فتمتد أياديهن إلى الُطرَحِ لتُحيلها أحزمة حول خصورهن
ذات الخصور التي قصمها الانحناء في الحقول
يمنحها الحزام تأوَّدا لا يخلو من حياء
ويضربن خِفية على عروق الدلال
فلا تخفي ملابسهن الواسعة المكشكشة لُدُونة أعوادهن المدّخرة لتلك اللحظات المنفلتة، فيستبين الشوق الكامن خلف خشونة الظاهر
تتوهج الوجوه بخفر الأنوثة.. وتلتهب الأكف بالتصفيق
وتستضئ الحلقة بابتسامات مشرقة
٭ ٭ ٭

تلك المظاهر البهية اختفت تماما من حياتنا الآن، والفتيات اللاتي قدن هذا الغناء وصنعن تلك السعادة في مواجهة الشقاء بعضهن أصبحن مسنّات، ومنذ عقود مضت يعانين كل آلام الشيخوخة، وأغلبهن رحلن عن الحياة قبل أن يشاهدن الآلات الكهربائية الصاخبة في الأفراح المسخ، خاصة (الدي جي) الذي حلّ مكان أغانيهن، ومحا حكايات حبّهن، ورقصهن وضحكهن وشقائهن في الحقول من الوجود محواً». (من الكتاب)
«طباطيب العِبَر.. حكايات أدبية من الدراكسة» كتاب جديد للكاتب والصحافي المصري أسامة الرحيمي، يستعرض من خلاله حياة الريف المصري، والمتمثل في قرية (الدراكسة) التابعة لمحافظة الدقهلية شمال مصر. هذه الحياة الممتدة لأكثر من نصف قرن تبدو الكتابة عنها كمحاولة لإنقاذها من النسيان، خاصة أن كل هذه المظاهر قد اختفت تماماً الآن، إضافة إلى كونها استعراض نفسي واجتماعي للشخصية المصرية، وما أصابها من تغيرات وتحولات. وقد أقيمت ندوة لمناقشة الكتاب في منتدى الاستقلال الثقافي في القاهرة، أدارها الشاعر أحمد سراج، وشارك فيها كل من الشاعر محمد حربي، والكاتب والروائي سعد القرش.
مفارقات الكتاب وحكاياته
بدأ الشاعر محمد حربي حديثه بأن الحكي عن هذه الشخصيات ومواقفها، جاء من قبيل الوعي بالكشف وعدم الانتهاك، فالكثير من الكُتاب لم يلتفتوا إلى هؤلاء، وأغلبهم كانت رؤيته استشرقية إن جاز التعبير، أو بمعنى أدق رؤية مدينة إلى القرية، كذلك تسيطر المفارقة على حكايات الكتاب ككل، فالحكايات تعتمد ما كان وما هو موجود الآن، وإن كانت هذه هي المفارقة الكلية، فهناك مفارقة الحالة.. فجمال الريف الرومانتيكي يتناقض والبؤس الذي يعيشه أهله، وطقس الموت يتحول إلى طقس للفرح، من خلال حالة التكافل الاجتماعي، التي تجسدها ولائم الموت كهدية للفقراء. من ناحية أخرى فإن هؤلاء الفقراء يمارسون بدورهم القسوة ـ رغم ما يعانونه ـ فهم ليسوا بملائكة، هناك قسوة على الأقل منهم مكانة وفقراً. ورغم أن الكاتب يسرد ما شاهده، إلا أن (الأنا) تكاد تختفي، وهي مُستمدة من تراث القرى فـ(نحن) هو ضمير المتكلم في الريف، وهذا ليس من قبيل البلاغة، لكنه واقع فعلي على الأرض.
ويضيف حربي أن الكتاب وإن استعصى على التصنيف، حيث يضم الأغنيات الشعبية للقرية، وأغنيات كانت تبثها الإذاعة عبر الراديو، وبعض الأخبار الحقيقية كشكل من أشكال التوثيق، إلا أن هناك ثبات للفكرة والزمن، فهو ضد السيولة التي قال بها زيغمونت باومان.
السرد الشفاهي والحِس التوثيقي
ويرى الكاتب سعد القرش أن الكتاب مكتوب بطريقة الحكي الشفاهي، وهي عادة حكايات القرى، إلا أن الإيقاع الواحد هو ما يضبط الحكايات، رغم تفاوت حالاتها.. فرح، حزن، قسوة، فقدان. كذلك هناك الحِس التاريخي والتوثيقي، وكأنه شهادة على أشياء شارك الكاتب في بعضها بالفعل، أو متورط بشكل غير مباشر، فالكتابة ليست سيرة ذاتية كاملة، وتقترب أكثر من السيرة الغيريّة ـ الكتابة عن الآخر ـ فهو يكتب عن جموع لن تقرأ هذا الكتاب. من ناحية أخرى نكتشف أن الوضع بعد يوليو/تموز 1952 لم يغير من الأمر كثيراً، فالإصلاح الزراعي، على سبيل المثال، لم يكن هناك ما يوازيه من رفع الوعي، وهو ما جعل أهل القرى يعيدون إنتاج القهر الواقع عليهم، عندما أصبحت لديهم الفرصة والقدرة على الرحمة، فهم أنفسهم أصبحوا سُلطة.
الغياب
وفي الأخير تحدث الكاتب عن حالة القرية، التي تتشابه ومعظم قرى شمال مصر، فبعد عمل معظمهم كعَبيد في الأرض، جاءت يوليو وتغيّر حال الفلاح، ورغم عدم اكتمال حلمه، جاء السادات، وبعد أكتوبر/تشرين الأول 1973 ولأول مرّة يترك الفلاح أرضه ويسافر، ليأتي بعدها ومعه مظاهر الوهابية، فحدث خلل في تكوين الفلاح والمجتمع ككل، لم يبرأ منه حتى الآن. وما الكتابة عن هؤلاء إلا محاولة لإنقاذ الذاكرة عن عالم غاب ولم يعد.