بيروت-“القدس العربي”: منذ انطلقت في الثامنة عشرة من عمرها على شاشة “تلفزيون لبنان” وهي لا تزال حاضرة حيث تجد مكاناً يرضيها. سريعاً لفتت انتباه مخرجي السينما فكانت في أفلام تركت بصمة خاصة مع فيليب عرقتنجي في “تحت القصف”.
محظوظة ندى أبو فرحات، في المسرح، ولا تغيب عن مواسمه الناضجة والناجحة في بيروت. لكن المفاجأة الجديدة لعبها لمسرحية “لغم أرضي” بإدارة المخرج أيلي كمال “زوجها”. عرض جميل ومشوق نظراً لكونه محفوف بخطر لغم، عمل في مسرح المدينة بنجاح كبير.
مع ندى أبو فرحات هذا الحوار:
*تلعبين بإدارة المخرج أيلي كمال وتؤدين نصه. هل للعمل الفني مع الزوج خصوصيته؟
** سبق وتعاونت معه في فيلمين قصيرين. في الأول تعارفنا، وفي الثاني بتنا صديقين حميمين. أعرفه مجتهداً في إحاطة الممثل بالعناصر والمعطيات التي تريحه تقنياً ومادياً. أعشق طريقة تفكيره التي شكلت شرارة الغرام بيننا. وخلال زواجنا منذ سنتين، ولكوننا معاً محترفين في عملنا تخطينا الشخصي لصالح المهني. هكذا حققنا راحتنا.
*أن تلعبي نص وإخراج زوجك فهل احتاج الأمر لـ”ثيرابي” للخروج من الرابط العاطفي؟
**لا يحتاج الأمر لـ”ثيرابي”. خبرتي ممتدة جداً في التمثيل، ومعه قطعت أشواطاً. الإيجابي في تعاوننا أن المعرفة التي تجمعنا ساهمت في أن نجتاز المراحل، بحيث يفهم أحدنا الآخر بالنظرات. وهكذا يتسارع الدخول إلى عمق الفكرة. ولا شك أن آليات العمل سارت كما تقتضيها الأصول مع كل عمل وكل مخرج. شكل هذا العمل لذّة بالنسبة لي، فـ40 في المئة من النص نتداوله فيما بيننا، ويتبادله أزواج آخرون من معارفنا.
*لنبدأ من النص المشغول باحتراف فهل أنت على دراية بمراجع الكاتب؟
**لا شك في أن شخصية الرجل والمرأة تتشابهان معي ومع أيلي. إنما أساس النص ليس الصلة المشتركة بيننا كزوجين. ثمة من يقول بعد العرض “أنكما تتحدثان بلغتنا” ليتبين أن الجميع يلتقي على الحوارات والإشكالات نفسها. بالطبع لم يكن هذا الموضوع الأساسي. بل جذبني إلى هذا النص رأينا المشترك في الموت دون أن نتداوله معاً في وقت سابق. بالنسبة لي أخاف من الشوق الكبير لمن يموت. مع وفاة والد أيلي قبل سنة، شعرت بمدى كبته لألم فراقه. ربما ليشعرني بمدى استيعابه لفكرة الرحيل، أو ليظهر لي أن الموت من ضمن الحياة وعلينا استيعابه. بعد رحيل والده كنت أرى في أيلي حزن كل إنسان يفقد عزيزاً، إنما دون تعبير بالكلام. “لغم أرضي” مسرحية كتبها بالخفاء، فقط كنت أشعر بإختفائه في غرفة المكتب لساعات. وعندما كنت أطلب معرفة ما يكتبه كان رده “مش وقتا”. وفي يوم تلقيت إيميلاً منه، فإذا به مسرحية تجسد مراحل الحداد، التي تبدأ بعدم القبول، الإحباط، الجدال ومن ثم الإقتناع. تلك المراحل مرّت خلال العرض بسلاسة. ضحكت وبكيت خلال القراءة، وشعرت كم مسّ هذا الفقد زوجي، وكانت الكتابة وسيلته للتعبير.
*هل لجأت لخبرتك المسرحية الطويلة بهدف تعديل فكرة أو مشهد؟
**أبداً، كذلك الأمر بالنسبة لعمار شلق. شعرت أن أي تغيير سيضر بالمعنى كاملاً. فاجأني في أفكاره المتناسقة، خاصة وأن المسرح لم يكن يوماً هدفاً له.
*ومن اختار عمّار شلق؟
** كان عمّار خيارنا معاً. كما أننا معاً تعاونا في إجراء الاختبارات للممثل المحتمل، وكان الرأي الموحد هو عمّار. فنحن معاً نعرف الممثلين، والممثل المطلوب كان بعمر وشكل محدد. إضافة لذلك كان الدفئ مطلوباً وكذلك الاحترام على خشبة المسرح.
*أنت بلون شعر جديد يميل للبياض هل استدعاه “لغم أرضي”؟
** صحيح. أردنا أن تختفي شخصية تلك المرأة خاصة عندما يسلط عليها الضوء، بحيث تكون من خارج الحياة وباهتة. هي لعبة سينوغرافيا تبدأ مع لون الشعر وصولاً إلى الثوب الفضفاض الذي يفتقد أي حدود.
*كان الحضور جيداً خلال عروض “لغم أرضي”. هل فاجأك الجمهور؟
** أنا ممنونة جداً لهذا الجمهور. “لغم أرضي” يختلف عن المسرح الذي سبق لي تقديمه حيث النص واضح. في هذا العرض لا تمر المشاهد والحوارات مرور الكرام. شكراً مجدداً للحضور، ففي الأسبوعين الأولين كان المسرح ممتلئا، لأن الانطباع عن حضوري في المسرح إيجابي.
*ما الذي استوقفك من كلام الجمهور؟
** كثر هم من فقدوا أحبة لهم وخانهم التعبير في حينها. منهم من غادر المسرح بعيون متورمة. لم أتصور هذا التأثُر بالمسرحية، فقط أنا وأيلي وعمّار نعرف ما ترمي إليه. وجدير بالقول أيضاً أن بعضهم علّق “لم تعنينا المسرحية في شيء”. ومنهم من عبر عن عدم قناعته بما سماه “الحكي العبثي”.
*في السينما نعرف أنك صورت في إيران. فماذا عن جديدك؟
** “بتوقيت الشام” فيلم من إخراج الإيراني حاتمي كيا. إنها حكاية طائرة الركاب السورية التي وقعت في تدمر، حيث طلب السوريون من قبطان إيراني إنقاذ الركاب قبل وصول “داعش” إلى المكان. أديت دور إمرأة داعشية. لم أتخيل يوماً في حياتي أنني سألعب هذا الدور الشرير. خلاله شاهدت الخوف في عيون الناس، ولم يكن صريخ الأطفال محتملاً. هم جميعاً كانوا كومبارس، لكنهم في الواقع مثلوا أفضل من أفضل ممثلين، بعد أن خضعوا لتمارين على مدى أربعة أشهر. خلال هذا التمثيل كنت مباشرة مع حقيقة الناس الذين اعتقلتهم “داعش”. نحن نشاهد الأخبار من الخارج، لكن أن نلمس الخوف في عيون أطفال في عمر ثماني سنوات فهذا مؤلم للغاية. كانت تجربة جميلة ومفيدة على كافة المستويات. فالإنتاج يتشابه مع الأسلوب الهوليوودي في السينما. “بتوقيت الشام” نال جائزة أفضل فيلم في مهرجان فجر الدولي.
*أنت منكفئة نسبياً عن السينما المحلية كما يبدو؟
** فيما يخص السينما الجدية نعم. في السينما التجارية حضرت مؤخراً في فيلم “يلاّ عاقبالكن شباب”. أنتظر موضوع فيلم جدي، جميل ومؤثر ألعب فيه شخصية حلوة، سينفذ في 2019 مع مخرج ألماني. والرواية مستوحاة من الواقع الذي عاشته وتعيشه سوريا. أحلم بهذه التجربة وأشتاق لها.
*هل تحنين لفيلم “تحت القصف”؟
**أحن لتركيبة تلك الشخصية، وللتعب الذي بذلته. دور أتاح لي الإرتجال من ضمن المأساة التي عاشها الناس. في السينما دائماً أشتاق لدور مؤثر.
*ندى أبو فرحات لا تغيب عن المسرح في كل موسم موجودة. هذه الثقة من المخرجين هل تحملك مسؤولية؟
** هي ثقة جميلة. وفي العام المقبل سنكون في كندا لعرض “لغم أرضي” في مونتريال في “مهرجان العالم المسرحي”. دائماً أتحدث مع أيلي عن دور ألعبه في العام المقبل وماذا سيكون؟
*وهل سيحتكر زوجك حضورك على المسرح؟
** أكيد لا. أجد نفسي محكومة في كل عام بمشروع لعرض مسرحي جديد طالما هذا يحدث منذ سنوات. الجمهور هو الذي أمدني بالثقة، وهو يسأل عن الجديد للعام المقبل. نجاحي في المسرح ناتج من حسن ظن الجمهور خاصة وأنني منذ أربع سنوات أقدم شخصية مختلفة عن السابقة، وتترك أثرها.
*منذ سنوات تتعاونين مع المخرج والكاتب جيرار أفيديسيان، الذي لا يلتزم بأصول النص المعروفة لدى سواه. هل هو التحدي؟
** جيرار أفيديسيان، يقدم شخصيات صعبة جداً من خلال نص سهل. يعمل لتركيب شخصية مختلفة لي. كنت في مسرحية “بديعة” المرأة العجوز التي تتحول فجأة لشابة صغيرة تروي ذكرياتها. وفي “فيكتوريا” المرأة المتحولة جنسياً. لعبت معه أصعب الشخصيات وكنت أتصبب عرقاً في “فيكتوريا” منذ لحظة دخولي إلى المسرح، لكني أصف النص بالسهل. يردد أفيديسيان، عدم رغبته في فذلكة النص، ويركز بالتعبير على الشخصية. وهكذا أجد سحراً في مسرحياته.
*هل تخيلت مرة أنك ستلعبين بإدارته؟
**مطلقاً. كنت أشاهد مسرحية “الست لميا” التي كتبها للزميلة رولا حمادة، جاء ليخبرني أنه سيرسل لي نصاً، وكانت “ست بديعة”. وأصبح جيرار من أعز الأصدقاء “الله يستر ماذا يحضر”.
*كيف تقرأين في دور “فيكتوريا”؟
** صعب للغاية لجهة الشكل، خاصة لجهة الإحساس بوجود العضو الذكري. التحدي الأكبر كان بكيفية اظهار تلك المرأة الجذابة في جسدها رجلاً. دور سبب لي إرهاقاً خاصة وأني كنت أماً حديثة وابني في عمر الأشهر.
*بمناسبة الأمومة لماذا اسم ندي؟ تماهياً مع ندى؟
** صحيح هو من اختياري، ولو كانت بنتاً لكانت “أَلي” تماهياً مع اسم زوجي. في اليوغا “ندي” هو القنال الذي تدخل منه الطاقة الإيجابية لكامل الجسم.
*هل بدأ ندي تمارين المسرح؟
** بل هو مسرح قائم بذاته نحضره دائماً. هو مصدر الضحك والهضامة، ومن المبكر معرفة مواهبه.