نريدها ‘جبهة’ في المتحف ومخابرات لنا لا علينا

ليس لديّ جديد أضيفه في ما قيل ويقال عن الحرب المفترضة بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس جهاز المخابرات، الفريق محمد مدين، المدعو توفيق، سوى أن البلد مفتوح على كل الاحتمالات، لكنه أحوج ما يكون إلى نقاش عاقل ومسؤول.
الآن وقد ألقى أمين عام جبهة التحرير عمار سعداني بحجره في البركة وأسال حبراً كثيرا، يجب أن ينتقل النقاش إلى مستوى أبعد وأهم للجزائر الجريحة.
لحد الآن، كل ما قيل يدور حول أن سعداني هاجم مدير الاستخبارات نيابة عن الرئيس وزمرته لأن الأول يرفض، على ما يبدو، ترشح بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، بينما يتمسك بها الأخير تمسكه بالحياة.
لسوء حظ الجزائر أن سعداني هو الذي ألقى بالحجر على الرغم من أنه آخر من يحق له انتقاد المخابرات أو الحديث عن الاستقامة السياسية. وعلى أيّ حال، الجزائريون يعرفون، على الأقل، أنه هو ومجده وأمواله ومكانته نتيجة للممارسات المخابراتية التي هاجمها.
لكن على هذه الجزائر أن تستغل تصريحات سعداني الخطيرة والنادرة في فتح نقاش جاد موضوعي وهادئ حول مؤسسات الحكم والأدوات السياسية الموجودة، ودورها ومكانتها سياسيا واجتماعيا.
البداية من المخابرات.. هذا الجهاز الغامض المخيف الذي ظل يرعب الجزائريين فربطوه بكثير من الأساطير.
ما قاله سعداني عن المخابرات الداخلية وتغلغلها في كل مفاصل الإدارة والسياسة والبنوك والأحزاب والوزارات، يطرح أسئلة حول المستقبل أكثر مما يطرح حول الماضي. هل يحتاج هذا الجهاز فعلا إلى أن يبقى متغلغلا في المجتمع بهذا الشكل حتى أن رئيس بلدية نائية لا يُعيّن في موقعه إلا بتزكية أمنية مخابراتية؟
ربما أفادت الطريقة التي كان هذا الجهاز يتسلل بها إلى مفاصل المجتمع، بشكل من الأشكال، في الحفاظ على الاطلاع والسيطرة على كل حركة وسكون في هذا المجتمع. لكن هذه الطريقة فتحت، على مصراعيها، أبواب التجاوزات والإفراط في استعمال السلطة والاغتناء والمظالم بكل أشكالها، فردية وجماعية.
والدليل أن كبار النصّابين والمحتالين أوقعوا بضحاياهم، وبعضهم لا ينقصهم ذكاء وتعليم ومكانة اجتماعية، بمجرد الادعاء أنهم ضباط في المخابرات. والصحف الجزائرية تزخر باستمرار بقصص واقعية عن النصب والظلم تحت غطاء المخابرات، أقرب إلى الأفلام السينمائية.
انتهت السنوات الدامية التي كانت فيها سطوة (ولا أقول قوة) المخابرات الجزائرية أقرب إلى الضرورة.
الآن، يحتاج هذا الجهاز لقوة بلا سطوة. الجزائر تحتاجه هكذا. والشعب يحتاجه هكذا ايضا حتى لا يهدد جزائري جاره أو خصمه في خناقة سير، مثلا، بأنه يعرف عقيدا في المخابرات سينكل به!
الجزائريون بحاجة إلى استرجاع ثقتهم في مخابراتهم. عودة الثقة تبدأ من هذا الجهاز المطالب بالتصالح مع نفسه ومن حوله وشعبه. ثم تتعزز هذه الثقة عندما يسمع الجزائريون أن مخابرات بلادهم أحبطت مخططا تخريبيا خارجيا، أو دوليا، أو كانت طرفا في إبعاد كارثة محلية أو إقليمية.
المجد، مجد المخابرات وغيرها، لا يأتي أبداً من ترويع الجزائريين كما حدث في السابق. بل من الثقة في أن هذا الشعب ناضج يستطيع التفكير لنفسه بنفسه، ولا يحتاج لجهاز مخابرات يفكر ويقرر بلا منه.
لم تعد هناك ضرورة أصلا لأي نوع من أنواع الظلم والترويع. الجزائر تغيّرت داخليا مع أجيال جديدة متمردة عن كل شيء وتكفر بكل شيء.. أجيال لا تعرف الخوف الذي عرفناه في التسعينات وقبلها.
والإقليم تغيّر ومعه العالم، وليس من العدل أن يـُبقي حكام الجزائر جهاز المخابرات يفكر ويعمل بطريقة الثمانينات والتسعينات.. طريقة الترويع. عليهم أن يدركوا أن تشديد القبضة على الداخل يعني إرخاءها على الخارج، ولا أحد يضمن أن حرب مالي لن تزحف شمالا، مثلا.
أما حزب جبهة التحرير الوطني فقد أثبتت بحقه تصريحات سعداني، ما ظل يتكرر في الأوساط غير المنتفعة من الحكم: إنه جهاز بيروقراطي عقيم لا ينفع لشيء غير أن يستعمله الاقوياء في الحكم لتمرير رسائلهم وضرب خصومهم. منذ 1962، لم ير الجزائريون من هذا الحزب غير كونه هذه الأداة الطيّعة الخانعة. حاول المرحوم عبد الحميد مهري تحريره من نفسه بين 1992 و1994، فأُطاح به عتاة الخانعين وأعادوا الحزب إلى مكانه الطبيعي: حضن السلطة ليقوم بدوره الطبيعي في الدسائس والمكائد.
اليوم، وبعد ما صدر عن سعداني، يجب أن تتوفر الشجاعة لدى كل من في يده حل وربط كي يساهم في إحالة هذا الجهاز، ومعه الإسم، إلى متحف التاريخ باعتباره ملكا للتراث الجمعي سطت عليه جماعة صغيرة والشعب في غفلة من أمره غداة الاستقلال.
ليست المطالبة بوضع الحزب في متحف التاريخ، ولا يجب ان تكون، رداً أو عقابا له على اتهامات أمينه العام (المطعون في شرعيته) لمدير المخابرات، إنما لكون تلك الاتهامات تدخل في سياق ضرب هذا بذاك وتصفية حسابات هذا مع ذاك.
ما صدر عن سعداني لا علاقة له بحب الجزائر. ولا علاقة له بحلم الدولة المدنية التي نتوق لها. ولا يمت بأيّة صلة للرغبة في تصحيح طريقة عمل المخابرات الداخلية.
كل ما في الأمر خدمة لرجل لا يقوى على الوقوف ويصرّ على البقاء رئيسا إلى آخر رمق. هذا الرجل يختفي من ورائه منتفعون بلغوا حدا لا يسمح لهم بمجرد التفكير في أنه قد يرحل ويتركهم أيتاما.
إحالة الحزب إلى رفوف التاريخ سيكون أيضا اختبارا للذين يمسكون بدواليبه، وبعضهم لم يسر على أقدامه في شوارع العاصمة منذ عقود، ولم يذوقوا يوما طعم المعاناة مع الإدارة، ومع كيس الحليب ورغيف الخبز وشرطي المرور. بل وحتى أبناء الجيل التالي الذين تجاوزوا الخمسين.
يتمثل هذا الاختبار في قياس مدى قدرتهم على خوض مغامرة وصداع إنشاء حزب (أو أحزاب) جديدة، ثم بدء طريق العمل السياسي من العدم.
عليهم أن ينشئوا أحزابا جديدة من الصفر، بكل ما يعني ذلك من متاعب وصداع. إذا أفلحوا، فهم فعلا حقا مقاتلون سياسيون جديرون بالتحية والثقة. أما إذا عجزوا، وهذا الأرجح، فهم لا يستحقون الاحترام وسيثبتون انهم على رأس حزب جبهة التحرير لا لشيء إلا لكونه غنيمة جاهزا ولديه كل ما يحتاجون من مقار وعقارات وسيارات ولوجستيك وحسابات مالية وإسم وتاريخ.

‘ كاتب صحافي جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية