نزار قبّاني بين طارق بن زياد وحفيدته

ما كنت لأعود إلى هذه القصيدة الشهيرة «غرناطة» لولا حضوري مفتتح هذا الشهر آب (أغسطس)، مهرجان «أيّام الشعانبي للشعر» بمدينة سبيطلة التونسيّة، حيث استمعت إلى قصائد «منبريّة» أكثرها تنويع على «عموديّات» نزار قبّاني. والمقصود النصّ والمِنْبَر أي مَرْقاةُ الشاعر الخاطب أو «الخطيب»؛ للمسوّغيْن معا: ارتفاع المنبر وعُلُوِّه، وارتفاع الصوت؛ إذ كان أكثر المشاركين من الجنسين، ينبر ويتكلّم بكلمات في مواضع من قصيدته، لا تستدعي عُلُوّا في الصوت، بل خفضا وهمسا. واستمعت إلى بعضهم يشيد بقصيدة «غرناطة» وبقفلتها خاصّة، وهي التي أعود إليها بشيء من التفصيل. وهذا يقتضي بحثا مستفيضا في هذه النصوص التي تحتفظ بها الذاكرة، وفي دواعي حفظها وتناقلها. وبعضها أو ربّما أكثرها جزء من تاريخنا السياسي والاجتماعي، وليس الشعري.
ذلك أنّ المشكل في كثير من الشعر اليوم، غياب الذات الكاتبة؛ وكأنْ لا حياة لمن يكتب، بل لا أثر؛ حتى تشابهت النصوص، وكأنّ شعراءنا يكتبون بأصابع واحدة. بل ينسون أنّ مجال الشعريّة ليس اللغة، وإنّما الكلام وهو عمل الفرد ومنجزه؛ وطريقته في استجلاب المعاني الحافّة التي يتصرّف المجاز بمقتضاها. وهي التي تحدّ مقبوليّة النصّ من عدمها. وليس أدلّ على ذلك قديما من عبارتهم المأثورة «استعارة صحيحة» و«استعارة حسنة» و«استعارة رديئة» و«استعارة قبيحة» و«استعارة قريبة المأخذ» و«استعارة بعيدة المأخذ». فالخلاف في هذه الأحكام إنّما مردّه إلى هذه المعاني الحافّة التي تغْتذي من التّجارب الفرديّة الخاصّة والتّجارب الجماعيّة العامّة، حيث يكون للكلمة وقع عند بعض، هو غيره عند بعض. والشعر يرجع، على الأرجح، إلى معان حافّة خاصّة بالشاعر أو إلى «فضل معنى»  في المقول، قد يتقبّله قارئ، وقد يشيح عنه آخر.
على أنّ المصطلح الأنسب لهذا النوع من «شعريّة المناويل» كما أحبّ أن أسمّيه، هو «قصيدة البيت»؛ ولا أقول القصيدة العموديّة لأنّها تسمية غير دقيقة، فعمود الشعر هو نظريّة الشعر عند العرب، وليس شكل القصيدة أو وزنها. ونزار كتب داخل شعريّة الوزن «البيت» و«التفعيلة»، بل هو وزّع في بعض مجاميعه الأولى قصيدة الشطرين على أسطر، وليس على صدر وعجز؛ حتى وقع في ظنّ بعض دارسيه وقرّائه أنّها قصيدة تفعيلة. والوزن ليس حلية خارجيّة كما يتوهّم أكثر شعراء «قصيدة النثر» من الذين لم يرزقوا حظّا من «لغتنا الجميلة»؛ وإنّما هو من كنه بنية العربيّة ونظامها الصرفي. والعربيّة لغة رياضيّة تكاد كلّ أوزانها ترجع إلى «الجذر التربيعي»، بما في ذلك الأسماء الجامدة التي أدار عليها شعراء الجاهليّة الأفذاذ قصائدهم، أو الأسماء المشتقّة أو «السائلة». وهذا الوزن مشرع على كلّ إمكانات الشعر، إذا كان الشاعر متمرّسا به وبلطائفه. و«قصيدة البيت» اليوم لا القديمة «تشعير» وليست شعرا، بل هي صورة من هذا «الارتداد» الذي يعيشه العرب في جلّ مناحي الحياة، بعد أن غنمت الحداثة ما غنمت من المنجز الشعري العظيم الذي تحقّق مع شعراء أفذاذ من أمثال السيّاب والبيّاتي وحجازي وسعدي يوسف وصلاح عبد الصبور وأدونيس ومحمود درويش… أو لعلّها ردٌّ على نمط من «الكتابة» السائبة المنساحة التي يرى فيها خصومها إحالة وفساد معنى، أو إفراطا في استخدام اللغة واستهانة بقواعدها وأنساقها.
ولأعد إلى «غرناطة» نزار، فالسؤال الذي لا فكاك منه: هل كلّ شعر نزار هو من الشعر الباقي؟ وجوابي وهو يحتاج لا شكّ إلى بيان وتبيين، أنّ هذا الشاعر «الجماهيري» استطاع في غير قليل من قصيدة الحبّ التي تميّز بها، أن يقول تفاصيل اليومي، مثلما يقول الرّسم ذلك، ويقولها مثلما يقول السّردُ ذلك. ولا أحبّ بهذا أن أقول إنّ القصيدة عنده لوحة تشكيليّة؛ وإنّما فيها من مقتضيات التّشكيل البصريّ ما فيها، وإن بتمثّل لغويّ. واللّوحة هي أيضا تكثيف، بل لعلّها أكثر تكثيفا من القصيدة؛ إذ مهما تتّسعْ مساحة القماشة فإنّها محدودة لا تفلت من الحقل البصريّ؛ وهي التي تفتح للبصيرة أو الفطنة ما تفتح من ظاهر الأشياء وخافيها، بغير جارحة. وهي عند نزار جزئيات وتفاصيل، بل أشياء «مبتذلة « أو هي «مطروحة» في الطريق؛ قد لا ننتبه إليها في معهود سلوكنا اليوميّ. وهذا ما نقف عليه في كثير من «أندلسيّاته»، وفي «غزليّاته» التي تطعّم اللغة وتغنيها، وليس في «عموديّاته» التي تسترضي عامّة الجمهور، أو هي تمالقه، وتصيبه في أبصاره وبصائره.
أمّا إذا رُمْنا تصنيف هذه «الشعريّة»، فلعلّ مصطلح «الالتزام» أدلّ عليها من مصطلح «النصّ المسيّس» الذي شاع في فترة صعود حركة القوميّة العربيّة. وقد يتهيّأ للبعض أنّ تجربة نزار أبعد ما تكون عن الالتزام الأدبي، وأنّ عالمها جمالي خاصّ مداره على الذات في أخصّ خصائصها.
والالتزام عنده وليس الايديولوجيا، هو الذي يعزو إلى الشعر واجب التدخّل المباشر في شؤون العالم وأشيائه وحالاته؛ أي في «ما لا يعنيه» بعبارة سارتر. والحقّ أن نزار يغادر في أكثر «عموديّاته» وضع العزلة المريح القائم على «الصفائيّة الاستعاريّة»، وليس «الجماليّة» (ولعلّها أدق نسبة إلى الصفاء من صفويّة نسبة إلى الصفوة) أي الحرص المفرط على صفاء اللغة والصورة. وقد لا يخفى أنّ الكاتب أو الشاعر أو المبدع عامّة «ملتزم» كلّما كان واعيا بكونه مورّطا، فينقل من ثمّة الالتزام من العفويّ إلى التبصّر. والشاعر أو الكاتب هو الذي يختار موقفه أي عصره، بدلَ من أن يختاره العصر. وشتّان بين «الايديولوجيا» وهي وهْم، والالتزام وهو محكوم بالمخاطرة والمجهول أو اللامتوقّع.
ولا يساورني أيّ شكّ في أنّ نزار هو من كوكبة شعراء استثنائيّين، لا أحبّ أن أضفي أيّة قداسة على أيّ منهم؛ والشاعر أيّ شاعر يمكن أن يلقي بـ«الدّرر» كما يلقي بـ«الجثث». فالقصائد الحماسيّة المثيرة للعواطف عند الجواهري مثلا أو نزار (وأستثني قصائده التي تنقلنا من غرض الغزل بسننه وأعرافه، إلى موضوع الحبّ في علاقته باليومي والمعيش) أو سميح القاسم أو حتى محمود درويش في تجربته الأولى، أو سعدي أو أدونيس في قصائد «المناسبات السياسيّة»؛ أي تلك التي تسعى إلى إشراك الشعر في السجالات السياسيّة والاجتماعيّة، إنّما تصدر عن رؤية قد تنزل بالشعر في نماذج غير قليلة سهل الأباطح وحضيضها.  وهذا لا يعني أنْ نسوّغ ما يسمّى «الاكتفاء الذاتي للأدب» أو حصر الشعر في مجرّد نشاط شكلانيّ.  والحقّ أنا استثني سعدي يوسف وأدونيس ودرويش، إذ نكتشف في كثير من نصوصهم قدرتهم على تغيير اللغة؛ أي تغيير رؤيتنا للعالم، ومن ثمّة تحرير أنفسهم وأنفسنا نحن القرّاء من الإيديولوجيا.
ما أخلص إليه هو أنّ الموقف من هؤلاء الشعراء، وأنا لا أحبّ كلّ نصوصهم، والجواهري مثلا على جلال قدره، إنّما شعريّته من الوشائج التي تعقدها بالفضاء العامّ، حتى وهي تنفصل عنه؛ حيث تكون في «الخارج» و«الداخل» في ذات الآن؛ إذ لا ينسى الجواهري نفسه؛ تماما كما يفعل المتنبّي، عندما يكون في حلّ من الإكراهات الاجتماعيّة أو السياسيّة. على أنّ احتفاظ الذاكرة «الجماهيريّة» بمثل هذه «الحماسيّات» قد يرجع في جانب منه إلى «تردّي» الذائقة، وعدم التمييز بين النصّ «القويّ» والنصّ «الضعيف» أو»المتهافت». والذائقة ليست مجرّد ارتسامات، وإنّما هي محصّلة خبرة ومراس. في «غرناطة» لم يستطع نزار أن يرى في الأندلس إلاّ «المغازي» و«الفتوحات» ورايات بني أميّة وخيولهم، وليس «أندلس الأعماق» حيث تلاقت ثقافات شتّى ذات أصول مسيحيّة وإسلاميّة ويهوديّة… في أفق من»كونيّة» رحبة تضرب بجذورها في حضارات العراق وفينيقيا واليونان ومصر. وهو ما أوقعه في»سقطات»، فـ»غرناطته» هي غرناطة «الفاتح» لا الشاعر؛ بالرغم من أنّها قصيدة «حواريّة» رسم فيها الشاعر صورة لهذه «الإسبانيّة» السمراء «العربيّة» التي هي في منزلة بين السواد والبياض، وذات شعر أسود وعينين سوداوين استبدل فيهما «الحجْر» بالمحجر؛ وهو سائغ في الشعر على نحو ما نجد عند الأخطل وغيره ممّن يشبّه المحجر بـ«سراج الموقد». بيْد أنّ «الموقف» غلب على الحوار، فكانت قفلة القصيدة غير محكمة؛ إذ كان الأنسب استئناسا بهذا البيت:
ما أغربَ التاريخَ كيف أعادني/// لحفيدة سمراءَ من أحفادي
أن تكون القفلة:
عانقتُ فيها عندما ودّعتها/// ليلى حفيدةَ طارق بن زيادِ
وليس»رجلاً يُسمّى…» على ما في «يسمّى» من حشو لا مسوّغ له سوى مضايق الوزن. وكان بإمكانه أن يقول «رجل المغازي طارق بن زياد» وهو الذي لم يرَ في هذه «الدليلة» السمراء سوى صورة «الذكر الفاتح». وما أصدق الشاعر المكسيكي فرنسيسكو دي إيكازا في تلك العبارة التي تطالعنا في غير مكان من المدينة: «ليس ثمّة أكثر قسوة في العالم من أن يكون المرءُ أعمى في غرناطة».
*كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية