نسائيات نجم والي: قراءة في روايتيه «إثم سارة» و«سعاد والعسكر»

في روايات نجم والي احتمال من اثنين، إما متابعة دقيقة لدراما الحرب الظالمة في بلاده، وما رافقها من ويلات وانحطاط أخلاقي وفساد، أو معايشة لمشكلة الأنتلجنسيا العربية، وهي تبحث عن هويتها الضائعة في المهاجر. لكن إذا غلب على النوع الأول الاقتتال المباشر أو الطعان بلغة السير الشعبية، فالنوع الثاني يتابع الجو المخابراتي، الذي بدل من قوانين اللعبة. ومع أن هذه الدراما لها سوابق معروفة، وبالأخص في كتابات صنع الله إبراهيم، فقد أضاف لها نجم والي عدة عناصر.
أولا: الحبكة البوليسية كالمطاردات والتحقيقات الجنائية وجرائم القتل والخطف (مثالها: سعاد والعسكر)*
ثانيا: الإكثار من المصادفات. وهي مفاجآت يرتكبها القدر الآثم بحق الشخصيات الضعيفة والمسكينة، كما في (إثم سارة)**
ثالثا، وهو ما انفردت به (سعاد والعسكر) إحياء النزعات القوطية التي يغلب عليها الشك والإبهام مع جرعة من الرعب.. وتحقق ذلك بواسطة إبعادين (أفضل الكلمة على استلاب): سياسي (فالأحداث تبدأ من نقطة الربيع العربي في مصر) ثم وطني، فالبطل يأتي لمصر بالصدفة، ويلتقي بأمريكي من ميشيغان، ويحصل منه على دفاتر يتوجب عليه قراءتها، ويكتشف لاحقا أنها مذكرات السندريلا سعاد حسني، منذ يفاعتها وعلاقتها بفاروق ملك مصر والسودان، وحتى مماتها. ومع أن والي وضع اسم سعاد في العنوان قبل العسكر، الرواية في النهاية حكاية عن انقلابين. الجمهورية الأولى (وهي حبكة عن ضباط النكبة) والجمهورية الثانية (وهي حبكة انتقامية – انقلاب 2013). ولديّ شبهات قوية في أن العسكر في الرواية تستروا وراء أسماء مزيفة للتمويه، فالضابط شريف الذي احتكر سعاد لردح من حياتها هو نفسه صفوت الشريف (خريج الكلية الحربية وموظف الاستخبارات السابق) والضابط سماح يمكنه أن يكون صلاح نصر، وأشتبه في أن الكولونيل ماهر وزوجته الفنانة رجاء هما عبدالحكيم عامر وبرلنتي عبدالحميد، وحتى لو لم تتطابق هذه الافتراضات مع ما يجول في ذهن والي، فهي لا تنفك تدور في هذه الدائرة.
عموما يتلازم عند والي الحرب والنساء بالطريقة الغريبة نفسها، التي تلازمت بها البطولة والفروسية مع الغرام المستحيل في سيرنا الشعبية. غير أن المرأة في روايات والي تأخذ معنى سلوك لم نحسن تخطيطه، وترمز له بالجو السديمي والحرارة اللاهبة والتعمية على النشاط الذهني (ركود المخيلة والغايات). وكم تبدو تجربة نجم والي متشابهة مع مشروع السوري المرحوم هاني الراهب، كلاهما يبدو تائها وسط منطقة فراغ وكسل ذهني، أضف لها عطالة روحية. ومن المعروف أن الاثنين اهتما بالفكر الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، فقد قدم الراهب سيناريو رواية قصيرة بعنوان «السلام» وسبقته دراسة مفصلة عن «الشخصية الصهيونية في الرواية الإنكليزية». ومثله كتب والي «زيارة إلى قلب العدو» عن الأنتلجنسيا والبروباغاندا.
النقطة الثانية أن الراهب بدأ مسيرته بقراءة بانورامية لتاريخ الجيل الصاعد، وانتقل لمتابعة كسل وبلادة شريحة الضباط المتقاعدين، وكذلك فعل والي، اختار أن يهجو في بواكيره مدينته وواقعه، بمتابعة الفضائح التي ورطت النخبة العسكرية والإدارية بتجارة الممنوعات والرقيق الأبيض.
بقيت أهم نقطة، وهي الشخصيات النسائية، بدأ الراهب مع بنات متطورات، تعرضن لاحقا لعدة اختراقات، ومنها الترويض والاغتصاب الشرعي (الزواج بالإكراه) أو العنوسة. هل هذا تعبير عن وقف زخم اليسار العربي في عموم المنطقة؟ أم بسبب انتقال مشعل التنوير والنهضة من العواصم التقليدية: بغداد ودمشق والقاهرة إلى مدينة بيروت رمز صناعة السياحة النسائية والاستجمام، وعواصم الخليج رمز الثروة النفطية والتقارب مع الغرب؟ هذا احتمال من مجموعة احتمالات. ويبدو أن والي بدأ من النتيجة التي وصلها الراهب، فقد بزه بتصوير نساء ناضجات أو ساقطات، هن جزء لا يتجزأ من نظام الفساد والانحلال البيروقراطي في بلاده. مع ذلك تبقى مقاربة الراهب بعيدة عن والي. فقد اختتم كلاهما مشروعه بثلاثية نسائية. كانت عند الراهب بعنوان (خضراء كالحقول، خضراء كالغابات، خضراء كالأنهار) وكل امرأة فيها تسيدت حلقة أو رواية. واحتكرت لنفسها رمزا لنمط: المستنقعات للركود والاستسلام، الغابات للمقاومة والصمود، أما الأنهار فلتغيير مجرى الوقائع. في حين أن ثلاثية والي وضعت المرأة في وسط الأحداث، ولم تكن رمزا لموقف، وإنما نقطة تنوير لمنطقة. فقد خصص «إثم سارة» لشبه الجزيرة العربية وعلاقتها بالمشروع البريطاني، وأراد أن يبني حكاية اجتماعية عن مشروع التنوير السعودي (ما يسمى بتحديث النهضة والتنوير – ورمز له بمحاولة ناصر اختراع إنسان آلي سعودي، أطلق عليه اسم الرجل السعودي الجديد) ليعيد للأذهان وصاية العقل الاستعماري على إرادة المنطقة. وتتكرر اللعبة في «سعاد والعسكر». فأول لقاء بين هارون العربي وسيروس الأمريكي يتم في مقهى «الحرية». انتبه للاسم. ناهيك من أن موضوعها مخصص لمناقشة بدايات ونهايات مشروع التحرير الوطني في مصر، لكن مأثرة والي أنه مزق القناع عن الواقعية الطبيعية، ليسمح لنا برؤية الوجه الدميم للثورات. ولا أرى ضرورة للإشارة إلى أن سارة وسعاد أدوات من الحبكة. بينما الموضوع الفعلي هو شخصية المملكة (في أول حالة) وهوية مصر التي تمزق ستائر الاستشراق الغربي (في ثاني حالة) لتسقط في حفرة ما بعد/ بعد الكولونيالية.

ما فعله نجم والي هو إعادة تأهيل لواقعية جديدة (تضع جزئيات الأيديولوجيا بموازاة جزئيات البراكسيس) وتنشيط للرواية الطبيعية (التي تعتقد أن كل شيء كما يبدو لك وليس كما تحب أن تراه).

وهو ما آمل أن يوضحه في الجزء الأخير من ثلاثيته، المخصص عن بلاد ما بين النهرين (كما فهمت من لقاء أجرته معه محطة الجزيرة). غير أن نموذج سعاد يختصر كامل رؤيته الفنية عن الجانب الرمزي في ثلاثيته. فهو يسخر ثلاثة مستويات من الرموز: مباشر بشكل شهادة عيانية على الوقائع. ومنفصل بشكل ذاكرة مسجلة عن وقائع سابقة. ومشترك ويقوم بهذا الدور وسيط يمرر الذاكرة للشاهد.
لكن لا أجرؤ هنا على استنتاج أي مثلث أوديبي، فالمرأة حاضرة وغائبة، والليبيدو لا يكمن في تأنيث وتذكير الشخصيات، بل بتلغيز القضية. وفي مثل هذا الجو علينا أن نتوقع انتعاش نشاط التجسس، ولاسيما بوجود عدد كبير من الضباط المتقاعدين والمرضى، وفي ظلهم عدد من المستشرقين والخبراء. والمضحك والمبكي أن عين كل شخص تتلصص على خبايا الآخر. الأمريكي يأتي لجمع المعلومات من المقاهي الشعبية، والمصري يرى أن الخبراء عملاء للمخابرات الأمريكية في زي باحث. ولفض هذا النزاع اختار والي التبديل في خط الحبكة، دون اللجوء لتكنيك الأصوات المعروف. وتوجب علينا تجميع أجزاء الحكاية من ثلاثة مصادر.
1- ضمير المتكلم، أو المؤلف الافتراضي للرواية، وعمليا هو يحمل كثيرا من صفات والي نفسه. فهو سائح عربي ولديه جواز سفر ألماني، ويزور مصر لتغطية فعالية أدبية في معهد غوتة.
2- سيمون سيروس الأمريكي المتخصص في دراسات الشرق الأوسط، والقادم للكتابة عن مقهى الحرية، والمشتبه في تورطه مع سي آي إيه.
3- أخيرا الدفاتر أو الأوراق التي تتناول مشكلة سعاد حسني وزلتها وتورطها مع المخابرات.
السؤال الآن: أين دور الهوية المصرية، والفعل الوطني التحرري؟ وماذا تبقى لنا من شعارات المقاومة؟
هذا ما تفضح أسراره يوميات سعاد، واندحار رومانسياتها أمام ضغط الضرورة الذي أجبرها على السفر إلى لندن. وهناك تكشف الأحداث تتمة المأساة، أن مفهوم الحرية الغربي لا يعترف بدور الالتزام، وينوب عنه بمشكلة المسؤولية. وأن «المثقف الأمريكي مذعور دائما، مثقل بالشعور بالذنب والخوف من العقاب». ولا يجد حريته إلا بإطلاق مكبوتاته وراء حدوده الوطنية. ويعترف سيروس بذلك حين يشكر هارون بقوله: «أنا مدين لك بهذه الحرية». وهذا اعتراف ميلودرامي يصحح جنايات التمثيل الاستشراقي. فالحرية مثل الديمقراطية لها وجهان، أحدهما متحضر ويعبر عن وعي معرفي، والآخر يمثل همجية ورعونة الوعي الباطن. غير أن هذه التصويبات لم تخلص الرواية من مبالغات غربية تسللت إلينا من الباب الخلفي. من ذلك مازوشية شريف (حتى أنه طلب من سعاد جلده بالسوط). وأيضا شذوذه (اعترافه لسيمون بحبه للذكور). أضف لذلك مقبلات إيروتيكية منها، صفع سعاد له بلحظة غضب وانتقام. هذه النقاط تبدو مثل نجوم مظلمة. فهي لا تضيف شيئا ضد استعلاء الاستشراق على موضوعاته، بقدر ما تستورد من الغرب الغربي (المختلف أصلا مع الشرق لدرجة العمى) بعض الترهات. وهي أشبه بلحظات مسروقة من سياقها، ولا تساعدنا على فهم منظومة أم كلثوم وعبد الوهاب وحليم وبقية هذه الحلقات الذهبية من ذاكرتنا الحية لكن المنهوبة. وهذا برأيي دليل فاضح أن البيروسترويكا قد وصلت لنجم والي. وهي بيروسترويكا معقمة من الرحمة، ولا تعرف الشفقة، ومصرة على تمزيق كل الستائر، التي وضعت أسسها سياسة الستار الحديدي. كما أنها ليست بيروسترويكا نقادة فقط (على شاكلة منعطف نجيب محفوظ في رواية «الكرنك» التي نعلم جميعا أنها جزء من سيناريو تجنيد سعاد حسني).
ما فعله نجم والي هو إعادة تأهيل لواقعية جديدة (تضع جزئيات الأيديولوجيا بموازاة جزئيات البراكسيس) وتنشيط للرواية الطبيعية (التي تعتقد أن كل شيء كما يبدو لك وليس كما تحب أن تراه). لقد استفاد من الأسلوبين، لتقديم مرثية طويلة لفنانة دغدغت أخيلة جميع الطبقات والفئات المحرومة، ومن خلالها لرثاء تجربة وطنية رفعت شعار الحرية، إنما أساءت التطبيق والفهم. فالحرية كما ورد على لسان هارون: «لا يمكنها أن ترتدي الكاكي ولا أن تولد في أبنية المخابرات».

*صدرت عن دار سطور في بغداد بطبعة أولى عام 2020. ط2: 2021
**صدرت عن دار الرافدين في بيروت عام 2018.

كاتب سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية