شكل بروز حزب الإصلاح الذي استقطب منشقين عن حزب المحافظين عاملا رئيسيا، وإن لم يكن وحيدا، في هزيمة حزب المحافظين حسب الأرقام التي حازها الحزب في العديد من الدوائر.
لندن ـ «القدس العربي»: حقق حزب العمال البريطاني فوزا ساحقا ـ كان متوقعا ـ في الانتخابات العامة البريطانية التي أنهت رسميا، حكم 14 عاما من حزب المحافظين بعد أن مني بهزيمة نكراء.
ومع أن هذا الفوز كان متوقعا، إلا أن نتائج حزب العمال بقيت أقل من تلك التي حققها عام 1997 حينما استطاع بزعامة توني بلير أن يحوز على 418 مقعدا في مجلس العموم المؤلف من 650 مقعدا، وحاز آنذاك على أكثر من 43 في المئة من أصوات الناخبين.
كما كان أبعد عما توقعته بعض استطلاعات الرأي التي رجحت فوزا غير مسبوق منذ النصف الأول للقرن التاسع عشر.
واستطاع الحزب بالمجمل أن يرفع من رصيد تأييده لدى البريطانيين بشكل طفيف مقارنة مع الانتخابات الأخيرة عام 2019 التي قادها زعيمه السابق جيرمي كوربن، حينما حاز على 32.2 في المئة من الأصوات، لكنه مني آنذاك بخسارة كبيرة في المجلس، بسبب النظام الانتخابي الأكثري الذي يمنح المتقدم بأكثر عدد من الأصوات في كل دائرة مقعدا.
ولهذا النظام الانتخابي أيضا الفضل في أن يحوز حزب الإصلاح، الذي احتل في الانتخابات الحالية المرتبة الثالثة في عدد أصوات الناخبين، وحاز أكثر من 14 في المئة من الأصوات، عددا قليلا من المقاعد 5 مقارنة مع حزب الديمقراطيين الأحرار الذي حل رابعا في نسبة التصويت بأكثر من 12 في المئة لكنه احتل المركز الثالث في عدد المقاعد بـ72 مقعدا في أكبر فوز له خلال قرن من الزمن.
أما حزب المحافظين، فكانت هزيمته مدوية ونكراء، ليخسر أكثر من 250 مقعدا، وتنخفض نسبة تصويت البريطانيين له من 43.6 في المئة عام 2019 إلى نحو 23 في المئة في هذه الانتخابات. وقد شكل بروز حزب الإصلاح الذي استقطب منشقين عن حزب المحافظين عاملا رئيسا، وإن لم يكن وحيدا، في هزيمة حزب المحافظين وهو ما تشير إليه الأرقام التي حازها الحزب في العديد من الدوائر.
ويصنف حزب الإصلاح الذي يقوده السياسي المثير للجدل نايجل فراج، في خانة أقصى اليمين، لكنه عمليا يجمع بين دوائر محافظة تقليديا رأت في السياسات الفاشلة لحزب المحافظين تجاه قضايا عديدة في مقدمتها الاقتصاد والهجرة، حافزا لها لتصويت اعتراضي ضد قيادة ريتشي سوناك.
ولا ريب أن النتائج التي حققها حزب الإصلاح، بدأت تثير في بريطانيا نقاشا على مستويات عدة، أولها ما يتعلق بأزمة حزب المحافظين الذي أمامه طريق طويل لتخطي هزيمته، وهو يشكل اليوم ثاني أكبر الأحزاب في مجلس العموم وأول الأحزاب المعارضة من حيث حجم كتلة نوابه 121 لكنها أيضا نتائج تثير قلقا حول المستقبل في الدوائر الليبرالية والديمقراطية في المجتمع البريطاني الذي لم يعتد ظهور أحزاب قوية من التيارات غير التقليدية سواء في أقصى اليمين أو أقصى اليسار.
ورافقت الحملة الانتخابية لحزب الإصلاح فضائح تناقلتها وسائل الإعلام البريطانية مرتبطة بتصريحات وسلوكيات عُدّت عنصرية لبعض مرشحي هذا الحزب الذي أخذ على عاتقه تمثيل خيارات البريطانيين المتمسكين بالخروج من الاتحاد الأوروبي، رغم أن مسألة إعادة النظر في هذا الخروج المؤلم لبريطانيا من الاتحاد ليس مطروحا كأولوية ملحّة على أجندة الأحزاب الأخرى، بما فيها حزب الديمقراطيين الأحرار المؤيد للخيار الأوروبي.
لكن عودة حزب العمال البريطاني إلى الحكم، حزبا ممثلا ليسار الوسط، لم تأت من دون منغصات.
فلقد واجه الحزب تصويتا عقابيا في الدوائر التي يشكل فيها المسلمون أقليات كبيرة، نتيجة مواقف قيادة الحزب وزعيمه السير كير ستارمر، الذي انتهج سياسة أثارت الانتقادات في أوساط مؤيدي غزة وفلسطين، بدءا من تصريحاته التي أبدى فيها تأييدا لقطع المياه والكهرباء عن غزة، وصولا إلى ممانعته لأشهر طويلة في اتخاذ موقف يدعو إلى وقف إطلاق نار فوري في القطاع.
وهذا أيضا ما عكسته نتائج بعض الدوائر، ففقد حزب العمال أربعة مقاعد لصالح مرشحين مستقلين مؤيدين لغزة، أبرزهم جوناثان أشوورث وزير مكتب حكومة الظل في الحزب، الذي خسر مقعده في ليستر الجنوبية لصالح المستقل شوكات آدم بفارق ألف صوت تقريبا، كما خسرت المرشحة العمالية كايت هوليرن لصالح المستقل عدنان حسين في بلاكبورن وبفارق 132 صوتا فقط.
وفي ديزبري وباتلي، خسرت هيذر إقبال، المستشارة السابقة لوزيرة الظل للخزانة راشيل ريفز، بفارق يقارب 7000 صوت أمام إقبال محمد.
وفي برمنغهام بيري بار، خسر النائب العمالي السابق خالد محمود أمام المستقل أيوب خان.
وبحسب صحيفة «الغارديان» البريطانية، كان نواب حزب العمال البارزون قريبين من الهزيمة أمام المرشحين المستقلين المؤيدين لفلسطين، بما في ذلك في إلفورد، حيث فاز وزير الصحة في حكومة الظل ويس ستريتينغ بفارق 528 صوتًا فقط عن أقرب منافسيه، ليان محمد.
كما أن الزعيم السابق لحزب العمال جريمي كوربن احتفظ بمقعده في ايسلنغتون الشمالية في لندن، محققا فوزا مريحا على مرشح حزب العمال الذي حل ثانيا بفارق أكثر من 7 آلاف صوت.
لكن مؤيدي فلسطين خسروا المرشح المثير للجدل جورج غالاوي الذي كان فاز في انتخابات شباط/فبراير الماضي الفرعية عن مقعد روشديل، بعد أن سحب حزب العمال آنذاك مرشحه على خلفية انتقادات وجهت إليه بسبب تصريحات استخدم فيها نظريات المؤامرة عن 7 أكتوبر.
وخسر غالاوي هذه المرة بفارق نحو 1500 صوت عن مرشح حزب العمال بول ووف.
واحتفت صحيفة «تيلغراف» اليمينية بخسارة غالاوي في مقال بعنوان «وداعا غالاوي، كان هذا انتصارا لإسرائيل».
الحزب الآخر الذي حقق نتائج تاريخية في سجله الانتخابي هو حزب الخضر، الذي حاز على أربعة مقاعد مقارنة مع مقعد واحد في الانتخابات الأخيرة، وحاز على 6.8 في المئة من أصوات عموم الناخبين بزيادة أكثر من 4 في المئة.
أما في صفوف الخاسرين، فكانت انتكاسة كبيرة للحزب الوطني الأسكتلندي الذي حاز فقط تسعة مقاعد وخسر 37 متأثرا بالتصويت الكبير لحزب العمال.
وهذه أسوا نتيجة للحزب الحاكم في اسكتلندا منذ 2010. وعموما، كان لافتا أيضا أن نسبة التصويت في هذه الانتخابات سجلت كذلك انخفاضا قياسيا وصوت فقط 60 في المئة من الناخبين بتراجع أكثر من سبع نقاط عن الانتخابات العامة في عام 2019.