لندن ـ «القدس العربي»: قبل عامين فقط، وبالتحديد في موسم 2018/2019 ذهب نادي العاصمة الهولندية أياكس أمستردام إلى رحلة أوروبية مشتعلة سطرت تفاصيلها في كتب التاريخ إلى الأبد. فباستخدام عناصر شابة ترعرعت في أزقة نادٍ تاريخي يعبق برائحة الأسطورة التاريخية يوهان كرويف، تمكن المدرب الشاب إيريك تن هاغ من رسمِ ملامح فريقٍ عالمي بامتياز. إذ أصبحت أندية العالم مجتمعة تتصارع على الظفر بخدمات ذلك الجيل الذهبي الذي سيطر محلياً وقارياً، فلولا حظ فريق العاصمة الإنكليزية توتنهام في الدقائق الأخيرة في مباراة نصف نهائي دوري أبطال أوروبا في ذات الموسم لذهب أياكس إلى النهائي عن جدارةٍ واستحقاق.
فالعامل الأكبر في نجاح أياكس المستمر الى اليوم ليس العناصر، إنما المدرب. فمنذ وصول ايريك تن هاغ إلى النادي في شتاء 2018، عمل المدرب الهولندي على تشكيل مصنعٍ بشري للضغط والهجوم. فبعد شهوره الستة الأولى، لم يتمكن تن هاغ من منع الغريم المحلي التاريخي بي أس في آيندهوفن من الفوز بلقب الدوري. ليفوز أياكس بعد تلك الفترة بكل الجوائز والألقاب المحلية المتاحة تقريبا. فمنذ تعيينه، وصل فريق أمستردام إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا لأول مرة منذ 23 عاما، وسجل 504 أهداف في 185 مباراة إلى حد الآن. وبسبب جبروته تمكن تين هاغ من تحقيق أكبر فوز على الإطلاق في الدوري الهولندي 13-0 ضد فينلو. إذ لا يوجد مدرب في تاريخ كرة القدم الهولندية ترك تأثيراً أكبر من تن هاغ في أول 100 مباراة له.
اليوم، وبعد ثلاثة مواسم من حقبة الجيل الذهبي الذي انتقلت عناصره الى أندية أوروبية مختلفة، يعود المدرب ذاته إيريك تن هاغ ليصنع المجد مجدداً. فعند التطرق للاحصائيات لا يبدو لي أن هنالك فريقاً أقوى من أياكس أمستردام حتى الآن. إذ حول تن هاغ فريقه إلى آلة ضغط تهدف الى استعادة الكرة بأسرع ما يمكن وعلى أعلى مستوى ممكن في الملعب. حتى على مستوى دوري أبطال أوروبا، لا يلين أياكس في الضغط على خصومه. فخلال الموسم المنصرم لا يوجد غير ليفربول وتشلسي سمحوا لخصومهم بإنجاز تمريرات أقل لكل إجراء دفاعي، بحسب الاحصائيات. وعاد مجهود تين هاغ بالفائدة على كتيبته، فالانتصارات المتتالية على سبورتينغ لشبونة البرتغالي (5-1) وبشكتاش التركي (2-0) وبوروسيا دورتموند الالماني (4-0 و3-1) تضع حداً للشكوك بأن أياكس من طينة الكبار ويشكل تهديداً خطيراً مستمراً على الساحة الأوروبية. فعند الحديث عن الأهداف المتوقعة، يمكن لمانشستر سيتي (13.8) وبايرن ميونيخ (13.7) فقط أن يتفوقا على أياكس (10.8) في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم. إذ تمكن إيريك تن هاغ من جعل أياكس آلة تهديفية فعالة وحيوية. إذ يبدو أنه بعد عام 2019، وجد الهولندي أطفاله الجدد.
ومقارنةً بعام 2019، لا يبدو أن فريق العاصمة الهولندية الحالي أكثر نضجا فحسب، بل يبدو أنه أكثر اتساقا وفعالية من المواسم السابقة. فبصرف النظر عن لاعبي الدوري الإنكليزي السابقين والشبان الواعدين، تمكن لاعبو أمريكا اللاتينية مثل قلب الدفاع ليساندرو مارتينز ولاعب الوسط إيدسون ألفاريز من إضافة حافز ودافع وروح الفريق الانتصاري في شرايين النادي. كما تجاوز الحارس ريمكو باسفير البالغ من العمر 38 عاما التوقعات. فكانت نقطة تحول باسفير إلى الأفضل في مباراة أياكس على أرضه أمام دورتموند، حيث أصبح أول حارس مرمى ينقذ ثلاث تسديدات على المرمى من النجم العالمي إيرلنغ هالاند في دوري أبطال أوروبا. فبعد تعرضه لانتقادات بسبب تقدمه في السن وبطئه، يعد الآن بديلاً لائقا للغاية حتى بعد عودة الحارس الاساسي أندريه أونانا من عقوبة ايقافه.
فما هي الخطوة القادمة لكتيبة المدرب تن هاغ؟ وهل تكف الصحف العالمية مثل»لاكيب» الفرنسية، و«لا غازيتا ديلو سبورت» الايطالية عن الاحتفاء بأياكس وتحذير بقية النخبة في أوروبا من الهولنديين الخطرين؟ إذ لن يتم التقليل من شأن تن هاغ بعد اليوم. فاعتمادا على قرعة دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا، قد يكون أياكس هو المرشح الأبرز للفوز بمباراة ثمن النهائي في فبراير/شباط المقبل ضد أي منافس.
ما نعرفه اليوم أن تن هاغ لا يخشى أحداً بعد اليوم. لأنه على يقينٍ تام بقدرات شبانه الجدد وهو على قدر التحدي. فبعد دقائق من وصوله إلى الدور التالي قال: «نريد المضي قدما في دوري أبطال أوروبا، ونريد إزعاج أندية النخبة في القارة». والواقع يقول أنهم قد يفعلون ذلك.