نشوة الفوز الكروي: فرحة عابرة وحزن غزة مستمر!

بدأ التنازل التدريجي عن شعارات التضامن مع غزة، وبدأنا ننسى، بل نسينا وبدأ وهج الغضب والثورة يتلاشيان أمام «هيجان» الجماهير إزاء الأحداث الكروية، التي تشغل القارة الافريقية بشمالها وجنوبها، وانشغلت الشعوب بفوز موريتانيا غير المنتظر، وانسحاب المنتخب الجزائري غير المتوقع أيضا.
وبين فرح النصر ومرارة الانسحاب، لا مكان لما يسمى بالروح الرياضية بين الشعوب الشقيقة وذات المصير المشترك، فتشتعل حروب أخرى الكل في غنى عنها، حرب شماتة في المنهزم، وحرب ضد مدرب الفريق المنهزم. وعاد المدرب بلماضي للواجهة بعد الأداء الهزيل للمنتخب الجزائري أمام المنتخب الموريتاني، واشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي غضبا، من أداء الفريق الوطني وأرجعوا السبب للمدرب، وطالبوه بالرحيل وباستبداله، بالرغم من عدم انتهاء عقده.
وانقسمت الآراء بين معترف بـ«جميل بلماضي» في إنعاش الكرة الجزائرية، ومن حملوه الأوزار، التي كانت على الحكم قاسية، وأنه سبب إقصاء الفريق في الثمن نهائي من كأس افريقيا. هكذا استحق المرابطون الفوز بعد أداء متميز، حسب المتابعين للمباراة، واستحقوا التهنئة من الأقارب والأباعد، ويبقى الوطن فوق كل الاعتبارات.
على صفحة «ملاعب افريقيا العربية» نقرأ منشورا، جاء فيه: «الوطن أولا، صحيح أن الجزائر بلد شقيق وصديق وجار غال علينا، وله أفضال كثيرة على بلادنا، قديما وحديثا، وهم في خانة خاصة لدى كل موريتاني حر «غير ناكر للجميل، ومنتخبهم هو منتخب عزيز يستحق التشجيع، لكن ليس على حساب المنتخب الوطني. ممثل الوطن أولا، وهذا أمر طبيعي ولا نقاش فيه، ولا يمكن لأي مشجع موريتاني أن يشجع الجزائر أو أي بلد آخر على حساب وطنه، والأمر نفسه بالنسبة للجزائري. في مواجهة الجزائر المرتقبة، كل جمهور سيشجع منتخب بلاده، على حساب المنافس، لكن لا يعني ذلك أننا لسنا إخوة وأشقاء ونحب بعضنا! «لا» أبدا مجرد 90 دقيقة من التشجيع الرياضي، وبعدها نبارك للفائز».
التدوينة كانت قبيل المباراة وبالفعل لم تكن ردود الأفعال الموريتانية سوى فرحة لما حققه فريقهم، لكن دخول المشجعين المغاربة على الخط، خلط الأوراق، كالعادة، عندما تسنح الفرص، لتظهر التشنجات، وتبادل السباب والتهم، إلا القليل ممن يتحكمون في النفس، الشيء الذي نحن بحاجة ماسة له.
كتب عبد اللطيف بناني: « طبعا فوز موريتانيا أمام الجزائر يسعد الأشقاء الموريتانيين، أما نحن كمغاربة نتمنى الفوز للأفضل لسبب واحد هو أن لنا أحبة من الجزائريين الأشقاء يحبوننا، كما نحبهم ويحترمون مقدساتنا ووحدتنا الترابية، ولا حسد ولا كره ولا عصبية بيننا وبينهم». وبقية تدوينة البناني تناقض ديباجة المودة بين الشعبين وتدخل النعرات السياسية و»التفوق»، وهذا كرد على منشور حفيظ دراجي، الذي أيضا كانت فيه إشارة ضمنية عن «المغرب»، بقوله: «الجزائر تلعب من أجل الفوز بمبارياتها في كأس أمم افريقيا، والبعض يترقب خسارتها». وأيضا قوله: «خروجنا من البطولة لا يحزننا أبدا، خاصة إذا كان يسعد البعض ويرفع عنهم قليلا من الهم والغم، ويجعلهم يشعرون بالتفوق على الأقل في الكرة.»

البطولة الافريقية وفتاوى أهل الدين

أثارت تدوينة الدكتور «الشيخ الزين»، أستاذ علم الأصول جدلا على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما وعد طلبته بهدية في حال فوز موريتانيا: «إذا فازت موريتانيا هذا المساء فليبشر طلبتي في مادة أصول الفقه بهدية شاملة وعامة يصل مقدارها خمس نقاط تعم الجميع زيادة على ما تحصلوا عليه من جهدهم في الامتحان».
هذه التدوينة جعلته مجبرا أن يقدم مبررات فقهية أمام الرأي العام، لذلك صرح لصحيفة «الصدى» الموريتانية على اليوتيوب، وأعطى تبريره لما قاله ومما جاء على لسانه: «صحيح أنني دونت قبل يومين في ما يتعلق بمباراة فريق المرابطين والفريق الجزائري، وكتبت أنني سأشجع طلبتي بنقاط معينة عامة وشاملة إذا فازت بلادنا. وبالنسبة للدليل وهو ما يحتاجه الناس، هو أن التنقيط اعتباري ويتعلق بالأستاذ في المقام الأول، وعليه مطلوب العدل فيه، لكن باعتباراته الخاصة هو الذي يقسمها ويعطيها لفلان أو مشجع لعمر بحسب أدائه».
وأضاف أنه لا علاقة له بكرة القدم، لكنه يشجع الوطنية وكل ما يهم الوطن ويشجع اهتمام الشباب بالوطن، في ظل العلاقات الدولية المفتوحة والمغريات المادية المنتشرة، والوطن يعني قيم الدين والمجتمع وقيم المواطنة».
عودة إلى النقطة التي تحدث عنها الناس، كما قال «ما علاقة الفقيه بكرة القدم»؟ أجاب أن «الفقيه ليس رهبانا، ولا رهبانية في الدين، وأنه واحد من أبناء هذا الوطن يهتم بشؤونه وليس خارجا عن السياق، ويرفض أن يكون الفقيه منعزلا في كهف، كما يريد البعض. ومن يعترضون على منح النقاط مقابل فوز فريق كرة القدم، رد على الأمر بمسألتين، أولا، أن للأستاذ حق التقييم، وهذا التقييم اعتباري، ذاتي داخلي وليس خارجيا، واستشهد بأمر الله للنبي محمد (ص) بالعدل بين أزواجه: «اللهم هذا قسمي في ما أملك، فلا تلمني في ما تملك ولا أملك».
ويختم حججه وفتواه بالقول: «أنا لست وحدي، وأن بعض كبار العلماء من السعودية وغيرهم قد أفتوا بجواز إعطاء الأستاذ نقاطا من عنده لطلبة أجادوا ويستحقون ذلك».
يبقى الشيخ مسؤولا عن فتواه. أما الأئمة في الجزائر والأساتذة المختصون في الشؤون الدينية، فلم يكترثوا للكأس الافريقية ونتائجها، بل غضبوا من لهونا بالكرة وتركنا للمجازر في غزة اليومية، مثلما ذكر ذلك الامام «الشيخ رشيد»، الذي بث مقطعا من درسه على قناة «الاستقامة» على اليوتيوب، قائلا: «البلاد كلها محاصرة ونسينا، أقصد اخوتنا في غزة، في الأيام الأولى كانت على كل منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، وعندما أتى «الجلد المنفوخ» نسينا كل شيء، وكما قال «نسينا الداعي والمدعي».
أما الدكتور «الهادي الحسني» فرأى في الأمر «سفاهة»، لأن الرجل يترك أهله جميعا للذهاب إلى كأس افريقيا، ولا يمكنه التبرع ببعض النقود للمدارس القرآنية، ولام الدولة التي تدفع لمثل هؤلاء ثمن نصف التذكرة، مستشهدا بالقرآن: «لا تؤتوا السفهاء أموالكم». وكما دون «حمزة برالي» على صفحته على فيسبوك: «تم إلهاء الشعوب العربية وبنجاح، ليس صدفة كأس افريقيا وكأس آسيا وحرب على غزة مفتوحة حتى النهاية والعرب في غفلة».

٭ كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية