نص في الصداقة: المرآة التي اخترعتُها لتطردني من البيت

حجم الخط
0

وحـــدَه صاحبي كان يـدخلُ مثل نهارٍ قديـــمٍ :
عصاهُ ، وضجّتهُ
الهادئــة ْ..
وحــدَه صاحبي
كلما مــرّ تحزنني شــمسهُ
الواطئــة
علي جعفر العلاق
لقد أهلكتنا يا أخي. أليس لديك سواها؟
لا. لم يعد لديها سواي.
ليس لدي وقت للضجر ولا للامل. يقترح علي نهرها أن أعوم وسط وحوشه النائمة. مترعة تلك الوحوش بالتعاسة. الفقر صار يتخيل جناحين للديناصور. كانت الملائكة تنظر من وراء الغيم بخجل. تلك مدينة يتقاتل ابناؤها على التنك، تاركين للغزاة ذهب حناجرهم. هل صارت رؤاهم مباخر للغزاة؟ كانت مطابخنا مفتوحة للوافدين. بعد ذلك صارت صحوننا تضيق بأيدينا. صرت أكرر جملي، لكي أسمعها. أكرر جملي لكي تسمعني. كمن ينظر إلى المرآة كل صباح لكي يتأكد من أن وجهه لا يزال موجودا كما هو. ما معنى أن يكون المرء كما هو؟ كانت أنوثتها تعبث بي. أقصد المرآة. المرآة التي تراني وأراها. يغمز حاجبها ليضحك شاربي. صارت بغداد مدينة هامشية. صارت سوقا للبلاهة. مستودعا للحناجر الخاوية. إن جئتني بلا صوت فستكون أغنيتي. سيقال ان البكاء يجدد القنوات الدمعية. لكن عيني لا ترى بالمقلوب. عيني مثل ثقب في الباب. لنجرب الميزان مرة أخرى لنعرف كم كيلوغراما تزن العاطفة. قال لي صاحبي ‘الدموع قوارب’ واقترح علي أن نجلس خارج الخيمة. كان لديه ما يهمس به في أذن الليل. تذكر ثوب التقوى وزادها. كلمته، كل كلمة يقولها تحن إلى أن تضع رأسها على مخدته. ريش نعامة يحلم. ما هذا المكان الغريب؟ ستكون الكلمة عزيزة كما لوانها تفارق مادتها. قرطاس صاحبي يفتح حديقته لمجرى حبر خيالي. أعرف أنه يقبض على عجين الفكرة بيد الطفل الريفي الذي كان ينتظر على الغراف ظهور الأم الذي تتشبه بها عشتار. كانت عشتار نسختها القديمة. ‘شيء منك سيذهب إلى لاشيء’ لم أخبره. ‘فيك من الهواء والنور ما لا يمكن التنبؤ ببقائه’ لم أخبره. ‘سأعترف بأن الشعر مثلك. انت مثل الشعر. انتما بلا ماض ولا مستقبل. كلاكما تقيمان في حاضر قد لا يبقي منه البرد شيئا’ سأبكي قبل أن اعترف.
لم يخبرني أن هناك ما يزعجه في اللغة. اعرف أنه يضيق باللغة. أخبرني نادل مصري يعمل في مطعم ايطالي بنابولي، انه صار يكره اللغة الايطالية منذ أن احتكرت المعجنات والنبيذ لسانه. لم يعد قادرا على الغرام لان لغته صارت ضيقة. ‘أنا لستُ البابا’ قال لي ضاحكا. تمنيت أن أضيف ذلك النادل إلى قائمة أقليتنا. نحن المهجورين، المطرودين خارج اللغة. يشبهنا نلسن مانديلا في سجنه العبثي. كانت هناك امة تتكلم الهولندية القديمة وقبائل تتكلم الزولو. كان الشاعر يبحث عن لغة ثالثة. لغة لم يتكلم بها أحد من قبل. سيقول إنها لغتي ويعرف أنه يلعب. يعرف أنه كان بصاصا قديما. منذ أن خرج من القارورة وهو ينتظر فرصته لكي يكون واحدا من الأربعين. ‘لبغداد أمسها ولي غدها’ يقول بيأس. يقع صاحبي في الاسطورة لكي لا يكون شيئا. يهمه أن يكون ذائبا في الشاي مثل مكعب سكر. يا حلو يا أسمرُ. الجمال كله هناك. أذوب مثل روح عاشقة في اليد التي تلقي النرد من غير أن تنظر إليه. مربع، مربعان، ثلاثة ونصل إلى الهدف. كان الساحر يقف في انتظارنا على ضفة النهر. كانت القلعة مفتوحة الأبواب ورضوان يعرف اسماءنا كلها. كنا الأبقار التي تستعيد اشكالها التي لا تُمحى. هي ذي المعجزة التي تتثاءب من خلال ثغاء خروف. سأقول أحبك للخروف من غير أن أفكر في أن أقتله. كنا خروفين في مزارع الله.
يقول لي الثعلب ‘ارسم ديكا’ حين أكمل رسم الديك يأكله الثعلب ويترك لي الورقة بيضاء. هناك حقول من الحبر تمتد وراء الكثيب الرملي.
استلقى خيال صاحبي في ظل نخلة وهمية استعار صورتها من عملة ورقية كان قد أخرجها من جيبه. كنا نعبر جسر الخر مشيا، وكان الربيع يتنفس لاهثا. ‘لقد نسيت خيالي نائما على السرير في المستشفى’ قال لي وصار يضحك. ‘سيأخذونه بدلا مني إلى صالة العمليات ويزيلون زائدته الدودية’ قلت له ‘سيشفى خيالك ويعود إليك منتعشا ونضرا وبريئا’ لم يسمعني. أوتار الكمنجة في صدره صارت تطلق أنغاما حادة. بسببها صار الجسر يهتز تحت أقدامنا. ‘لا أظنني سأعبر الجسر معك’ وقف وصار يغني ‘يا جسرا خشبيا’ أعرف أن ضمير خياله يؤنبه. سيعود إليه ليرقد إلى جانبه في السرير. سيستعيد صورته زائرا طارئا تعذبه اللغة. يخبر الحجر بشفقة أن الماء يرمم العشب بزئبق الوقت. ينحني مع القوس ليحمل صيحته إلى الجبل. لم يعد الاي. لم يعد الاك. ما بيننا الجذر التكعيبي لالهة من الزقزقة. لا يصلح ولد لأبيه ولا والد لابنه. أنصحك في أن تكون لاجئا. في الارض الضيقة يكون الصدع ملاذا لطيور الجنة. ‘هل رأيتني من قبل؟’ سألني صاحبي بعد أن فوجئ بي وأنا أقطع عليه الطريق. جلب لنا النادل المصري كأسين وزجاجة نبيذ واختفى. صرنا نشرب نخب الكراهية. يلتقي الغرباء ليتبادلوا الانتقام. قال ‘الايطاليون يحبون الطعام. النبيذ أعز عليهم من نسوانهم. هل أنت ايطالي؟’ لم يكن النادل يسمعه. أردت أن اسأله ‘متى غادر المستشفى؟’ غير أنه أخرج منديلا من جيبه وصار يُرقصه أمام عيني ‘هل يذكرك عطره بشيء؟ كائن لا ترغب في أن تنساه، تعرف أنك نسيته. صيحة ديك كانت تسبق المؤذن إلى الفجر’، ضعتُ وأنا أتأمل المنديل. أنا جائع وعطشان ومشرد وضائع ومسكين ومريض ومهدم وأعمى. أنا لا أرى. أهبك حواسي من أجل أن تطلق الحمامة من قفصها. تلك الحمامة كانت أمي. يداك ساحرتان وهواء منديلك يحلق بي.
أمشي من غير أن يلحق بي ماض. أنا ماضيك. أقول ‘يا اخي’ وأنا أقصد يا عدوي. صار علي أن أغلق دفتري المدرسي على آخرتك وأدرب الفراشات على المشي على الحبل. مثلي تماما. كانت ليلة هانئة. ليلة المناديل التي تلوح من بين قضبان النافذة. كان الأفق أشبه بحبل غسيل. رأيت ثيابك هناك. هل ذهبت إلى الصليب عاريا؟ أسبق اربعاءك إلى الجمعة مستعيدا صفاتك. يا حلو ستكذب علي. تمر يداك. فلا أصدق. تضرب قدماك الباب فلا أصدق. تنعس قطتك فيبتسم الريش في مخدتي. تلك واحدة من ضحاياك. أنا ضحيتك التي تهذي بأحلامك. تقول المخدة. صديقي ليس أنا. إنه عدوي. أخي الذي يصنع من رماد جثتي تمثالا. أنا مرآته قبل أن يخذلني الزئبق لأصبح أعمى. اليك واحدة من حكايات شروري.
كان النادل المصري قد ترك لي عنوانه. قال لي ‘صارت اللغة تخونني. لو زرتني لربما ستحل جلستنا عقدة من لساني. صارت الكلمات تتعثر في فمي’ اتفقت معه على موعد. ساعة في المساء. في الطريق إلى بيته رأيت محلا للزهور. حينها خطرت لي فكرة. اشتريت باقة زهور وطلبت من عامل المحل أن يرسلها إلى بيت صاحبي بعد أن ارفقت بها بطاقة كتبت عليها ما يشير إلى أن مرسلتها ستصل بعد نصف ساعة من وصول الباقة. كان صاحبي في انتظاري وقد أعد مائدة كريمة. وما أن جلست حتى رن جرس الباب. ‘هذا الجرس لا يرن’ قال ومشى مضطربا. لقد وصلت باقة الزهور. استل البطاقة المرفقة. صار يقرأ ويضحك. ‘سأغادر قبل أن تأتي تلك المرأة’ قلت له بعد أن تأكدت من أنه لن يطردني. وضع يده على ركبتي وهو يقول ‘يا رجل ابق في مكانك. واحد من احتمالين، إما أن يكون مرسلها مجنونا وإما أنها وصلت إلي عن طريق الخطأ. يا رجل أنا منسي مثلك تماما’ حينها بالضبط اكتشفت أنني أكلم نفسي. كنت قد أرسلت باقة الزهور إلى عنوان بيتي واعددت مائدة لاستقبل نفسي ومن ثم أطردها، غير أن صاحبي المصري كان قد أفسد علي خطتي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية