نظرية المؤامرة والتآمر على الذات

حجم الخط
0

هنالك كلمات لها إيقاع خاص. كلامات براقة تجعل سامعها يترنح بين عالم المنطق والخيال. كلمات تطرق العقل بقوة لما لها من رنين وصدى. قواميس اللغة مليئة بمثل هذه الكلمات، التي فعلاً تحدث مثل هذه الحالة النفسية الغريبة. هذه الكلمات ليست حصرية على ثقافة أو شعب بعينه، وإنما لها تأثير على الجميع وبدون استثناء. هذه الكلمات توحد الشعوب وجدانياً وفكرياً، فتجعلها أمة كونية مشتركة، على الأقل في أساليب الوعي. كلمات مثل التسامح، الكرامة، الحكمة، الشهامة، الكبرياء، هي كلمات تحمل في طياتها مفاهيم، قيما ومبادئ إنسانية عامة. ليس هنالك شخص يفهم هذه الكلمات بشكل يختلف كلياً عن الآخر، وإن كان هنالك اختلاف حقاً فهو في الشكليات أكثر مما هو في جوهر الأحاسيس وطرق استيعابها أو التعبير عنها.
في المجال السياسي، كما في مجالات أخرى من الحياة، كلمة مؤامرة لها رنين وصدى خاص يهز المشاعر والعواطف، لدرجة أن وقوعها القوي على السمع يمكن أن يشل حركة القلب ومقدرة العقل على الإدراك الفكري. في المجال المذكور بالتحديد، لهذه الكلمة تأثير لا تحدثه أي كلمات أخرى، لما لها من جاذبية ولما تخلق من انفعالات وردود أفعال سريعة. سر قوة وفاعلية هذه الكلمة يكمن في ما تحمله من خفايا واسرار يتمنى الجميع معرفتها بطريقه ما، كان أم لم يكن لهذه الكلمة نتائج مباشرة أو غير مباشرة. فقط سماع لفظ كلمة مؤامرة تجعل الإنسان يشعر بأنه يعيش في عالم آخر، عالم المجهول، الارتباك والحيرة.
كلمة مؤامرة متجذرة في عمق التاريخ والنفس البشرية، لدرجة يمكن أن تجد من يفسر كليهما على اساسها أكثر من سواها. دائماً سيكون هنالك من يحلل ويفهم كل ما يحدث على شكل مؤامرة تحبك من قبل هذا ضد ذاك، بل ويمكن أن يذهب بعيداً ويعتبر أن أول فعل كوني تم على شكل مؤامرة، بمعنى عندما أُغريت حواء لكي تأكل من شجرة التفاح بعد أن كان قد حذرها الخالق من عدم الاقتراب منها، وأن عدم طاعتها للأمر الالهي أدى لهبوطها وآدم إلى الأرض بعد أن كانا يسكنان جنة النعيم، هنالك شيطان دفعها لفعل ذلك. السلوك التآمري استمر بقتل قابيل أخاه هابيل، هذا الفعل يمكن أن يعتبر كذلك أول تآمر اجرامي ارتكب بتاريخ الإنسانية، ما حصل بعده من تآمر لم يختلف جذرياً عما سبقه، على هذا الضرب أسس جزء مهم من علاقة البشر والمجتمعات في ما بينها. كل مجموعة تحاول التآمر بهدف الانفراد بالمزايا ونيل المزيد من المكاسب.
أهمية دور ومفعول المؤامرة دفع البعض الى التعامل معها بجدية فائقة تتجاوز كل المفاهيم والحدود، فبدل أن تكون مجرد كلمة عابرة مثلها مثل الكثير من الكلمات التي لها تأثير، فقد تمت احاطتها بأطر هيكلية خاصة، فأصبحت أكثر من مجرد كلمة، لتتحول إلى نواة لنظرية متكاملة (نظرية المؤامرة). نظرية يحاول الكثير تفكيك مضمونها ومعرفة محتواها.
المشكلة تكمن في ما بعد في محاولة البعض فهم معظم مجريات الأمور على هذا الأساس دون غيره. مثل هذا التصرف يمنع من اكتشاف كافة أبعاد الحقيقة والفهم الصحيح لكافة المعطيات والأسباب التي تكمن خلف كل حدث في حد ذاته. مثل هذا الفعل لا يؤدي سوى إلى تشويه الحقائق والنتائج، كما يحدث احياناً كثيرة في ما يتعلق بالقضايا العربية. بلا شك، ليس كل الأمور تحدث بطريقة اوتوماتكية، لكن كذلك ليس كل أمر يفبرك في غرف مظلمة لا يدخلها النور والهواء. عربياً يعتقد دائماً عكس ذلك. يعتقد دائماً بأن هنالك أيادي خفية تريد النيل من الأوطان، الثقافة، الخيرات، المعتقدات وحتى الكرامة. التعصب الزائد في هذا الاعتقاد افقد الكثير المقدرة على تحليل ومواجهة الحقيقة من الداخل، وفضل إدراكها واستيعابها فقط من منطلقات ومنطق الخارج.
صيغة المؤامرة تحتل مكانة مرموقة في الوعي العربي، الرسمي، الشعبي وحتى العلمي. هنالك من يعتقد، أحياناً بحق وأحياناً بدون حق، أن كثيراً مما يحدث سياسياً، عسكرياً، اقتصادياً، اجتماعياً وثقافياً ليس محض الصدفة، وإنما هو ناتج عن أسباب وقرارات واضحة المعالم للبعض وغامضة للبعض الآخر. بمعنى، أن كل ما يحدث تكمن خلفه أياد خفية وشريرة، وأن هذه الأيادي تنسج كل شيء كما ينسج العنكبوت بيوته. بدون أدنى شك، العالم العربي كان ومازال وسيبقى هدفا أساسيا في أجندة الدول الآخرى، إقليمية كانت أم دولية. هذه الدول لها أطماع ومصالح فيه، خاصة لما يحتوي من ثروات طبيعية، سعة أسواقه التجارية، موقع جغرافي ولما تمثل حضارته من قيم ومعتقدات تنافس غيرها. هذه حقيقة بديهية تفرض فعل أي شيء، بما فيها التحالف مع الشيطان، من أجل الوصول لما يراد. لكن مواجهة ذلك لا يتم من خلال الاعتقاد والقول فقط بأن هنالك مؤامرة، وإنما من خلال فعل مباشر مضاد يحيد كافة الأسباب التي سهلت على الغير نسج خيوط عملية التآمر الفعلي أو الافتراضي. في الوقت الذي يتعمق البعض في الاعتقاد بأن الغير يتآمر عليه، تراه مكرسا وقته في تطوير أفاق الواقع.
كثير من الأمور تفسر محلياً على شكل مؤامرة، لأن مثل هذا التفسير هو أسهل الحلول وأسرعها، بل وأحياناً يمكن من خلاله خداع العامة وتجييشها رسمياً حسبما يراد. مثال بسيط عملي يمكن أن يوضح ما سبق، شائعة مقولة أن العالم العربي مقسم لدويلات نتيجة واحده من أكبر المؤامرات التي حبكت ضده، اتفاقية سايكس- بيكو (1915-1916). فعلاً هذه الاتفاقية رسخت مفهوم الحدود البغيض بعالمنا العربي، لكن وبعد عبور قرن من الزمن، مازالت هذه الحدود قائمة وليست هنالك إرادة وفعل حقيقى يدل على نية رفع هذه الحدود والعمل في طريق الوحدة، هذا هو قمة التناقض والتآمر.
يقال بأن المستعمر قسم الشرق لدويلات وفي نفس الوقت تثبت وتقنن هذه الحدود وطنياً، كما رسمها هذا، مكرسين بذلك فكرة تقسيم المقسم. هنالك امكانيات فعلية لإبطال مفعول هذه المؤامرة الافتراضية، ولكن لم يتصرف أحد رسمياً لفعل عكس ذلك. أليس ذلك هو تثبيت التآمر والتآمر في حد ذاته. وأن مثل هذا هو أشد أنواع التآمر وطأة. تشخيص التآمر ليس بالأمر الكافي. وإنما يجب فعل شيء ما يبطل مفعوله فعلاً لا قولاً. المستفيد من هذا التآمر حقاً هو من يكتفي بالنقد فقط.
هنالك من يحمل الغير المسؤولية لما يحدث من سوء وضرر. بهذا الشكل يريح نفسه ويخدع الآخرين، بل ويحاول تبرئة نفسه ونفي كونه شريكا في التآمر نوعاً ما. رغم ذلك، المؤكد هو أن هنالك دائماً دورا خاصا في المؤامرة التي يعتقد بأن الغير حبكها. هذا الدور يجب فضحه باستمرار. خاصة عندما لا يكون هنالك أي فعل يدل على نية الخروج من دوامة المؤامرة المعتقد بوجودها. حالياً غائبة كلياً البوادر العملية التي يمكن أن تدل حسب القول على وجود نية جلية لافشال المخططات التآمرية ضد كل ما هو عربي وإسلامي. والصحيح أن كل ما يفعل هو لترسيخ مثل هذه المخططات، هذا إن كانت حقاً موجودة. كل ما يتم القيام به يدل على أن هنالك شراكة محلية في بقاء المؤامرة قائمة. بوعي أو بدون وعي هنالك من يتآمر على وطنه وأمته من خلال سلوكه الاعتباطي وقراراته التعسفية. هذا النوع من الناس ليس في حاجة للغير من أجل أن يتآمر عليه أو على وطنه أحد، أو أن يدله على طرق وكيفية التآمر. يمكن أن يكون هو القادر على اعطاء الدروس في فن التآمر. الإنسان العربي دائماً في حاجة لوقفة صادقة مع نفسه وتحليل مشاكله من منطلق واقعي داخلي بعيد عن نسيج الخيال الأزلي ذي الأفاق الخارجية البحتة. من خلال ذلك يمكن أن يتجاوز دوامة المؤامرة التي يعتقد دائماً أنها حبكت من حوله.

‘ كاتب فلسطيني – إسبانيا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية