نقاش مفتوح مع الرئيس الفلسطيني

حجم الخط
3

المقابلة الصحافية التي أجرتها صحيفة ‘نيويورك تايمز’ مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس ونشرتها (الاثنين 3 فبراير/شباط الحالي) تضمنت سلسلة مقترحات له حول التسوية. المقترحات هي رسالة موجهة إلى وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، وهي أيضاً رسالة إلى إسرائيل. في المقابلة يقترح عباس نشر قوة من حلف شمال الأطلسي بقيادة أمريكية في أراضي الدولة الفلسطينية. من وجهة نظره، فإن هذه القوة من حلف الناتو سيكون بإمكانها الانتشار في مختلف أراضي الدولة الفلسطينية، وعلى جميع المعابر الحدودية وكذلك داخل القدس. حول هذا الاقتراح الذي يتقدم به عباس يمكن القول، ان قوات حلف الناتو هي عملياً بإمرة أمريكية وكلا الجهتين، الولايات المتحدة ودول حلف الناتو حليفان لإسرائيل! قد يتصور الرئيس الفلسطيني ان هذه القوات تقف محايدة في الصراع الفلسطيني العربي – الصهيوني، كلا فلا يمكن لهذه القوات أن تكون محايدة تماماً مثل مواقف بلادها من عملية الصراع في الشرق الأوسط، فهي تصطف إلى جانب إسرائيل. من زاوية ثانية فقد جرى اختبار الحراسة البريطانية والإشراف الأمريكي لسجن أريحا. لا الاتفاق ولا الدولتان منعتا إسرائيل من الهجوم على سجن أريحا واختطاف المناضلين أحمد سعدات وفؤاد الشوبكي ورفاقهما من سجن أريحا في 14 مارس/اذار 2006. رغم كل اقتراحات عباس فإن إسرائيل ترفض وجود اي قوات سوى قواتها، فما الداعي لمثل هذا الاقتراح الذي أيضاً لم ولن يشفع للفلسطينيين لا أمام الولايات المتحدة ولا أمام دول حلف الناتو؟
في المقابلة أضاف الرئيس الفلسطيني، ان القوات الإسرائيلية سيمكنها البقاء في الضفة الغربية لمدة أقصاها خمس سنوات وليس ثلاث سنوات، كما اقترح في الماضي، على أن تتم إزالة المستوطنات خلال فترة مماثلة. وحول هذا الاقتراح نقول ونتساءل، أين هو استقلال دولة فلسطين إذا كانت القوات الإسرائيلية ستوجد مدة خمس سنوات؟ ثم ما هي الضمانات لعدم بقاء هذه القوات لخمس سنوات أخرى وأخرى غيرها، فيما لو ارتأت تحت مبرر حماية الأمن الإسرئيلي؟ ومن ذا الذي سيجبرها على الرحيل وفقاً للاتفاق؟ أهي القوات الفلسطينية؟ وعباس يقترح دولة فلسطينية منزوعة السلاح إلا من قوة شرطية، حيث تتولى القــوة الدولية حسب اقتراحه مهمة منع تهريب الأسلحة ومواجهـــــة (الأعمال الإرهابية). هنا فإن الرئيس الفلسطيني يعترف بأن عمليات المقاومة التي قامت بها الفصائل الفلسطينية ليست اكثر من عمليات’إرهابية’! هذا في الوقت الذي أتاحت فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة للشعوب المحتلة أراضيها والمغتصبة إرادتها، الحــــق في مقاومة الاحتلال (القرار الذي يحمل الرقم 3034 بتاريخ 18 ديسمبر/كانون الاول 1972) بما في ذلك الحق في المقاومة المسلحة (القرار الذي يحمل الرقم 3314 بتاريخ 14 فبراير/شباط 1974). غريب أمر الرئيس الفلسطيني فهو يطلق على مقاومة شعبه لفعل الاحتلال الإسرائيلي لأراضي وطنه (إرهاباً)!
لقد أشار عباس في ذات المقابلة إلى أنه يرفض مطالب العديد من الجهات الفلسطينية بإعلان انضمام السلطة الفلسطينية إلى هيئات الأمم المتحدة، أو اللجوء إلى المحكمة الدولية وأضاف انه يريد استنفاد عملية التفاوض مع إسرائيل قبل اتخاذ أي خطوة من هذا النوع. نسأل الرئيس: وماذا ينتظر بعد مضي ما ينوف على ثلثي مدة التفاوض (المقدرة بتسعة أشهر) من دون اعتراف إسرائيلي بأي حقوق فلسطينية، إضافة إلى أن الاستيطان تتسارع وتائره، وهدم البيوت والاعتقالات والاغتيالات من قبل إسرائيل للفلسطينيين بلغت مستويات عالية، ونتنياهو يطالب بالمزيد من الاشتراطات على الفلسطينيين والعرب ومنها، بقاء قوات الاحتلال في منطقة الغور على الحدود مع الأردن، والاعتراف بيهودية إسرائيل.
نذّكر الرئيس الفلسطيني أيضاً، بأنه من قبل جرى تجريب أسلوب التفاوض مع إسرائيل، ولم ينتج عن ذلك أي إيجابية تُذكر، بل العكس من ذلك فان إسرائيل تزداد تعنتاً في رفض الحقوق الفلسطينية جملة وتفصيلاً، فما الذي ينتظره أبو مازن ليقوم بالمزيد من التأخير في طلبات انضمام السلطة الفلسطينية إلى هيئات الأمم المتحدة، خاصة إلى المحكمة الدولية؟ ليسمح لنا الرئيس الفلسطيني القول بأن انضمام دولة فلسطين (المراقب في الجمعية العامة) لهذه الجمعيات وللمحكمة الدولية هو وسيلة ضغط على إسرائيل من أجل الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وليس العكس. لقد لمح أبو مازن أيضاً الى أنه سيوافق على تمديد الفترة الزمنية المحددة للمفاوضات إذا حصل في نهايتها على شيء واعد، على حد تعبيره! الذي نود قوله للرئيس الفلسطيني، لو أن إسرائيل تعترف بأيٍّ من الحقوق الفلسطينية لاعترفت بها منذ زمن طويل. لكن استراتيجية إسرائيل قائمة على رفض هذه الحقوق رفضاً قاطعاً، ولذلك فإنه رغم مضي ما ينوف على العقدين، وبدل أن تعترف بالحقوق الفلسطينية فإنها تزداد اشتراطاتٍ على الفلسطينيين، وتجاهر علناً بأنها ترفض هذه الحقوق. ستة أشهر من جولات كيري العديدة لم تحل دون تعنت إسرائيل. أطراف الائتلاف الإسرائيلي الحاكم في معظمهم لا يعترفون بوجود شعب فلسطيني من الأساس، فكيف بالقبول لإعطاء الفلسطينيين دولةً؟ على صعيد آخر فقد ثبت بالملموس أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري هو وسيط غير محايد وغير نزيه، إنه الناقل لوجهات النظر الإسرائيلية، هو يسعى لاتفاق إطار وليس لاعتراف إسرائيلي بالحقوق الفلسطينية، ورغم ذلك تجري مهاجمة كيري من قبل وزراء وقادة سياسيين وعسكريين كثيرين، إنها الوسيلة الصهيونية من قبل والإسرائيلية في ما بعد لابتزاز المسؤولين في دول العالم من أجل إثبات المزيد من الولاء لإسرائيل ولطروحاتها للتسوية. لا فائدة من إطالة أمد المفاوضات. إنه هروب إلى الأمام ليس إلا، وهو عدم إعطاء القضية الفلسطينية استحقاقاتها المفروضة بفعل حقائق التسوية الإسرائيلية الواضحة والمكشوفة تماماً، التي يعلنها الإسرائيليون صباح مساء.
أبو مازن في نفس المقابلة اعلن مرة أخرى أنه لن يوافق أبداً على العودة إلى الكفاح المسلح! الرئيس محمود عباس يحرّم على شعبه اتباع الوسيلة الأساسية في مقاومة المحتلين، وهذه هي الوسيلة التي أعلنت صحتها وكفاءتها في كل تجارب حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، باستعمالها وصلت كافة حركات التحرر إلى أهدافها في انتزاع حرية شعوبها وحقوق هذه الشعوب. ومثلما قلنا فإن هذا الحق أجازته الأمم المتحدة للشعوب المحتلة أراضيها. الشعب الفلسطيني ليس استثناء بين هذه الشعوب، وما انطبق على نضالها هو مشروع أيضاً للشعب الفلسطيني وينطبق على قضيته وعلى نضاله المشروع من أجل انتزاع حقوقه الوطنية ‘فما أُخذ بالقوة لا يُسترد بغير القوة’ هذه مقولة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، وهي من الثوابت في نضالات الشعوب. رفض الكفاح المسلح وانتهاج أسلوب المفاوضات لمدة طويلة لم تفعل شيئاً للفلسطينيين سوى العودة إلى الوراء بقضيتهم وبمشروعهم الوطني التحرري. الرئيس عباس يريد مقاومة شعبية فقط غير مسلحة حتى بالحجارة، بالتالي فما هو الضاغط على إسرائيل والحالة هذه للانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967؟ إسرائيل التي أطالت المفاوضات مع الفلسطينيين عقوداً طويلة قادرة على إطالة أمد هذه المفاوضات عقوداُ طويلة أخرى.
لا يريد الرئيس الفلسطيني إدراك هذه الحقيقة، فرغم عقم المفاوضات ما زال متمسكاً بها. الظروف لم تنضج بعد بالاستراتيجية الفلسطينية المتبعة للحصول على دولة ولا بد من تغيير هذه الاستراتيجية.

‘ كاتب فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية