نقد الاستعمارية في ضوء المفاهيم التنويرية

سعى عبد الفتاح كيليطو إلى نشر كتاباته وأبحاثه النقدية حول السرد القديم باللغة الفرنسية لغة المتروبول الاستشراقي الأوروبي، ولكنه في نهاية المطاف خرج خالي الوفاض، واعترف بـ(الندم الفكري). ولاقت مفاهيم إدوارد سعيد في نقد الاستشراق القديم آذانا صاغية، ثم راح يعقب بعد عشر سنوات على هذا الاستشراق فكتب مقالته الموسومة (إعادة النظر في الاستشراق) 1988 وألف كتابين عن العلاقة بين الثقافة والإمبريالية والمثقف والسلطة، مدللا بشكل غير مباشر أن لا شيء تغير، ولا شيء سيتغير مع الاستشراق أيا كان أوروبيا قديما أو أمريكيا جديدا.
ووقع أغلب النقاد الغربيين تحت تأثير العقدة الاستشراقية، فاغتروا بتقدمهم ولم يعترفوا للحضارات الأخرى وآدابها بأية قيمة. ومن هؤلاء آشكروفت الذي فخر بأن بلاده (الولايات المتحدة أول مجتمع ما بعد كولونيالي يعمل على تطوير أدب وطني). وبسبب هذه العقدة الاستشراقية صرنا نتداول مفردة (الاستعمار) على وفق المنظور الغربي الذي تم تصديره إلينا – لا على وفق تجربتنا المريرة مع هذا الاستعمار – ونوظفه في ممارساتنا النقدية ازاء أدبنا العربي، ونقيس بمقاساته المتعالية تابعين ومسايرين. ولعل للدراسات الثقافية العربية الناقدة للاستشراق والاستعمارية أو الكولونيالية والإمبريالية حصة الأسد في تمرير هذا الفهم والمداومة عليه أو على ملحقاته أو المسميات المندرجة تحت يافطاته البرّاقة التي معها تتفتت الشمولية والخصوصية وبأطر تخدم وتنعش الإمبريالية وتجعلها في حالة نمو مستمر أي هيمنة دائمة.
ومن التصورات الخاطئة عند بعض المتثاقفين، أن الاستعمارية هي الإمبريالية معتمدين تعريف آشكروفت أن الإمبريالية (اغتراب لغوي عميق يمثل بوضوح حالة الثقافات التي تتعرض فيها ثقافة ما قبل الكولونيالية للقمع نتيجة الفتح العسكري أو الاسترقاق) (كتابه: الرد بالكتابة، ص29). ومن التصورات أيضا أن استعمارية الأمس هي غير استعمارية اليوم من منطلق أن الاستعمارية تعني أرتال الجنود وثكناتهم ومعداتهم وما تركوه في البلدان التي استعمروها من آلات عسكرية ومبان وآثار مادية تدل عليهم من قبيل المتاحف أو القصور أو المقابر أو المعسكرات.. إلى آخره من التصورات الخاطئة التي تكشف عن مدى تغلغل الفهم الغربي للاستعمار في كل ما هو حيوي من أمور حياتنا.
وتختصر مفردة «الإمبريالية» هذه الهيمنة وبصورها المتنوعة التي يسعى النقد الأمريكي إلى ترسيخها من خلال القول بالعالمية والانفتاحية والتعدد والتنوع والكوزموبوليتانية بينما الحقيقة هي غير ذلك تماما؛ فالقوة الإمبريالية مكفولة قطبيتها لدولة واحدة لها الهيمنة على العالم كله. وبعبارة أخرى نقول إن ما تبشر به اليوم مدرسة النقد الانكلو أمريكية من تعددية وتداخل ودراسات ثقافية ليس من أجل العالم الثالث والرابع، بل من أجل تلبية مقتضيات العقدة الاستشراقية فكريا وماديا.
ولقد كان أنور عبد الملك أكثر إحساسا من إدوارد سعيد بوطأة هذه العقدة، وما تؤدي إليه من سياسات ثقافية واجتماعية ومعرفية، فشخَّص في الاستشراق أزمة، تتأتى من واقع المناطق المستبعدة من المشاركة في آسيا أو أفريقيا أو أمريكا اللاتينية. وطرح عام 1970 مشروعه المستقبلي في النظرية الاجتماعية والمتمثل بالخصوصية. وتعني الأصالة التي هي ليست العرقية Ethnicity، بل هي العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية والاخلاقية والنماذج التقليدية، لا بمعنى المحاكاة وإنما بمعنى التأصيل. وينطبق مفهوم الخصوصية على كل المناطق المهيمنة والمناطق التابعة، إذ أن في الخصوصية تجتمع العالمية (ويمكن النظر إلى المناطق الثقافية باعتبارها مجموعات مجتمعية تشترك في رؤية واحدة للعالم) (كتابه: الجدلية الاجتماعية، ص137). وبالخصوصية يكون ممكنا ومهما التمييز بين ما هو باق أو ما يسمح بالبقاء وما يبقى على وفق نموذج معين وبين ما يطرأ من جديد وما هو قائم ويزول.
وليست المجتمعات الصناعية المتقدمة بحاجة إلى دراسات الخصوصية لأن أصالتها ليست منفية أو مخفية، بل المجتمعات الأقل تقدما والفقيرة هي التي تحتاج الخصوصية؛ فهي الوطنية وهي المحلية التي تتلفع بالإقليمية وهي الإقليمية التي تتلفع بالكلية، وهي الكلية المتمثلة بالعالمية وبهذا تكون الخصوصية أداة لنقد التبعية وكذلك الرؤية الجزئية للعالم والمتمركزة حول الذات الغربية وتضخيم صورتها.
إن التحدي إذن هو في الربط بين قطبي الخصوصية والعالمية من خلال الإقليمية التي بها يجد أدبنا ونقدنا طريقهما إلى العالمية؛ وإلا فإن كتّابنا مهما كتبوا ونقادنا مهما حللوا واجترحوا، فلن يتغير أي شيء؛ فالايديولوجيا هي المستحكمة بنموذج إمبريالي أوحد احتكاري رأسمالي أمريكي وهذه هي الظاهرة الجديرة بالدراسة، أما الخصوصية فهي المشروع المستقبلي الذي ينبغي أن نضعه نصب أعيننا كي نخرج من دوامة الما قبل والما بعد الاستعمارية.
وليس الأديب العربي بغافل عما تعنيه الاستعمارية وويلاتها وبكل صورها العسكرية والمدنية المادية وغير المادية، وهو الذي شخّص منذ القرن التاسع عشر مظاهر سلبية خلَّفها المستعمر؛ فانتقد المنفلوطي الفرد العربي الذي يقلِّد الأجنبي في مظاهره التي لا تلائم واقعنا العربي، وكتب المويلحي كتابه «فترة من الزمان» منتقدا ما صارت عليه أحوال مصر في المرحلة الانتقالية من الاحتلال العثماني إلى الاستعمار الفرنسي.
وإذا وصلنا إلى القرن العشرين وجدنا معروف الرصافي وعلي الشرقي ومحمود أحمد السيد يتصدون للمستعمر، وينادون بأهمية الحفاظ على خيرات البلاد من الاستعمار. وقبلهم في مصر كان محمود سامي البارودي وأحمد شوقي وغيرهما. ولا نعدم أيضا أدبا شعبيا مناهضا للاستعمار في أغلب البلدان العربية، وله منازلات كثيرة على مدى القرنين التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وهو أمر يحتاج إلى تفصيلات أخرى كثيرة. ولن ننسى رواية «النخلة والجيران» التي فيها تناول غائب طعمة فرمان ما تركه الاستعمار من تأثير على الحياة الاجتماعية والقيم الأخلاقية داخل المجتمع العراقي. ومثل ذلك نجده في كثير من الروايات العربية الأخرى.
إذن التسميات تتعدد (ما بعد كونيالية وما بعد حداثية وما بعد بنيوية وما بعد تاريخية) ولكن المحصلة واحدة وهي أن الإمبريالية تفرض هيمنتها علينا. وبالإجمال فإن الخصوصية التي نادى بها أنور عبد الملك هي الجديرة بالتبني، لتكون حجر الأساس لنقد أدبي عربي يطرح نماذجه في مناهضة كل ما هو إتباعي، جاعلا من اللغة العربية منافسا لسواها.
*كاتبة من العراق

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية