“الشيخ جراح”، اسم حركي سيدخل صحائف التاريخ وسماً لملحمة صمود بليغة شهد عليها العالم أجمع حيّة على الهواء، قدّمها أهل مدينة السلام المقدسة. وهم لم يبقوا وحدهم بل هبّ لنجدتهم بقيّة الفلسطينيين في مختلف أقاليم احتلالهم، سواء في أراضي الـ1948، أو غزّة، كما بعض مناطق الضفّة الغربيّة. ونجح هذا الشعب الذي يقاتل بلحمه في إعاقة الخطط الإسرائيليّة الشّرهة لسرقة بيوت المواطنين الفلسطينيين في حي الشيخ جرّاح المجاور للحرم الشريف، وتصدوا ببسالة كونية بصدورهم للمستوطنين اليهود الذين كانوا يخططون لإقامة حفل استفزازي ضخم في ذكرى احتلال القدس (الغربيّة) قبل أن تمتد المواجهة في أشكال متفاوتة إلى مواقع أخرى عبر البلاد الفلسطينية المحتلّة: إطلاق نار وإحراق مخافر شرطة واقتحام وصواريخ تثخن المستوطنات من عسقلان إلى تل أبيب.
هذا الانتصار اكتسب قيمة أرفع بكثير من مجرّد الحسابات الفوريّة للأرباح والخسائر، وأعداد القتلى والجرحى، أو الفترة الزمنيّة المحددة التي انتهت قوات الاحتلال مضطرة إلى تأجيل تنفيذ قرارها بشأن مصادرة البيوت المستهدفة، وسعيها في الكواليس إلى ترتيب هدنة سريعة. إذ نجح الفلسطينيّون، رغم كل المناخ الكئيب الذي أغرق قضيتهم بعد سيئة الذّكر “صفقة القرن”، وتسابق أنظمة عربيّة كثيرة إلى تبني التطبيع الدافىء مع الدّولة العبريّة، والانقسامات المتعاظمة بين فصائلهم السياسيّة المتنافسة إلى استعادة مزاج الصمود والتصدّي، بل ونقل المعركة إلى خلف خطوط العدو. هذه القيمة الأثمن تجلّت في انتفاضة الشيخ جرّاح كشمس ملتهبة في فضاء القوّة الرّمزية (الناعمة) والتي رغم (نعومتها) الظاهرة تظلّ دائماً الأخطر والأفعل بما لا يقاس مقارنة بتمثلات القوّة الماديّة المحض، والتي حرصت (إسرائيل) منذ نشأتها دويلة لقيطة في الشرق العربيّ على أن كرستها أساطير تفوّق عسكريّ، وهيمنة عرقيّة، وتعالٍ أخلاقي على سكان المنطقة الأصليين.
عن القوّة الرّمزية أو الوعي الزائف
ربما كان فريدريش إنغلز – أوّل من وصف مفهوم القوة الرمزية وجبروت تأثيرها على الأفراد والمجموعات عندما تحدّث عن “الوعي الزائف”، وهو أمر توسّع في وصفه لاحقاً المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي في تناوله لديناميكيّات الهيمنة قبل أن يؤسس الفرنسي بيير بورديو نظريته حول رأس المال الرّمزي.
بورديو أشار إلى أنّ الرّموز الثّقافية أكثر هيمنة من القوى الماديّة في تحديد التسلسل الهرمي للسّلطة عبر المجتمعات وبينها، وأن الفئة المهيمنة في مجتمع ما – وفي حالة فلسطين القوّة العبريّة المحتلّة – تكرّس وعياً مزيفاً في أذهان الفئة المهيمن عليها ليتقبلوا مكاناً أدنى في المجتمع وكذلك في ذهن الفئة المهيمنة كي يكتسب أفرادها ثقة مضاعفة، مما ينعكس بشكل أو آخر على صيغة التعامل والسلوك اليوميّ بين الطرفين، ويقلل بالنتيجة من الحاجة لممارسة القهر بمطلق القوّة الماديّة، ويمنح كذلك تلك القوّة الماديّة أبعاداً وتأثيراً ردعيّاً أوسع بكثير من واقعها. ويطلق خبراء السياسة على الرّموز الثّقافيّة في سياق العلاقات الدّوليّة تسمية القوّة الناعمة، لكن الثيمة تبقى واحدة.
الإسرائيلي عمل طويلاً مسنوداً من القوى الغربيّة دائماً على بناء معالم هذه القوّة الرمزيّة لتمتين هيمنته على الفلسطينيين والجيران العرب، ومنح مواطنيه إحساساً زائفاً بالأمان والتفوّق في وسط محيط شعبيّ معاد، وبذَل جهوداً مؤسسيّة منظّمة رصدت لها ميزانيّات ضخمة عبر أدوات الإعلام وتزوير التاريخ ومواد الترفيه بغرض قبولها كأمر واقع وحس سليم لديهم، فيما شارك في نشرها وتفشيها بينهم بعض العرب، إمّا عن قلّة معرفة أو عن سوء نيّة أو كليهما.
معالم القوّة الرّمزيّة الإسرائيليّة
غالباً لا يلاحظ كثيرون تأثير الرّموز الثقافيّة عليهم، لكنّهم يكتشفون حضورها ساعة كسرها وتحديها، الأمر الذي يدفع إلى البحث عن رموز بديلة لملء الفراغ الذي تتركه تلك التي كسرت.
وفي انتفاضة الشّيخ جرّاح على قصر عمرها الزّمني كسر الفلسطينيون رموزاً ثقافيّة إسرائيليّة كانت تعمّقت عبر الأيّام:
– إن القوّة الإسرائيليّة العسكريّة والأمنيّة قاهرة ولا يمكن التصدي لها فعليّاً ومن الأفضل تقبّلها كواقع.
– وإن أوجه المقاومة الفلسطينية لا تحظى بالقبول دولياً وتصنّف – قبلنا أم لم نقبل – في إطار الإرهاب، وهي أقرب للعبث منها للعمل المؤثّر.
– وإن الفلسطينيين ما عادوا شعباً واحداً، فهم تفرقوا شيعاً وأحزاباً وقبائل وطوائف وفصائل، ولم يعد هناك الكثير مما يجمعهم سوى العواطف والأكلات الشعبيّة.
– وإن دور الفلسطيني في أيّ مواجهة بين الطرفين هو في تلقي الضربات والصفعات دون امتلاك القدرة لا على ردّ الفعل، وحكماً على استحالة امتلاك زمام المبادرة.
نحو منظومة رموز ثقافيّة جديدة للصرّاع
كل مصادر القوّة الرمزيّة الإسرائيليّة تلك والتي نُسجت عبر السنوات تبخّرت خلال أيّام وساعات قليلة:
-فتصدى الفلسطينيون بفعاليّة لكل المحاولات الإسرائيليّة للسيطرة على الأوضاع في المدينة القديمة وأبدى أهل القدس عناداً غير مسبوق في مواجهة عصابات المستوطنين، سواء التي استهدفت الحرم القدسي أو التي استهدفت حيّ الجراح لدرجة أن الإسرائيلي دُفع للتراجع عدة مرّات، وتسابق أغلبهم من نواب الكنيست وطلاب المدارس إلى الملاجىء، وألغيت أو أُجّلت الاحتفالات والمناورات والإجراءات جميعها ومعها وهم القوّة القاهرة.
وقدّم المقدسيّون بشجاعتهم نموذجاً للصّمود في المكان والزّمان دفعت عتاة مؤيدي إسرائيل عبر العالم إلى مراجعة تصريحاتهم الإعلامية حول تعريف الإرهاب ومسارعتهم اللاعقلانيّة إلى وصم كل عمل فلسطيني مقاوم بنغمة “الإرهابيّ” الثقيلة. هذه المرّة لم يعد هناك حتى مكان للوهم فيمن هو الإرهابي. هم مستوطنون رعاع، وجنود متوحشون في مواجهة أناس مدنيين، وشباب متسلحين بابتسامة تُفجِّر أجساد الصهاينة وتُفقدهم لذة الاحتلال وشهوة الاغتصاب وغريزة الامتلاك.
– وإن الفرقة والتشظي التي عمل الكيان العبري – بمساعدة أنظمة عربيّة أحياناً – على تعميقها بين (أنواع) الفلسطينيين تبعثرت رماداً في الهواء، وهوت قلوب الفلسطينيين وقبضاتهم الغاضبة على العدو في كل مكان وجدوا فيه فكأنهم على قلب رجل واحد: فلا فرق بين فلسطينيّ وفلسطينيّ إلا بمقدار المقاومة سواء في اللّد أو حيفا أو الناصرة أو القدس أو غزّة.
– وفوق ذلك كلّه، لم يعد الإسرائيلي بكل جبروته المادي بقادر على فرض جدول أعمال المواجهة وحيداً.
الفلسطينيون صاروا بقدرتهم الماديّة المحدودة يصدرون تهديدات للكيان، ويحددون للعدو ساعات صفر للالتزام، وينفذوا تهديداتهم على الوقت، ويوجعوا ويشغلوا ويرهقوا منظمة الدّفاع الأمتن في الشرق الأوسط، وينشروا الرّعب بين ملايين الإسرائيليين.
منظومة الرموز الثقافيّة الجديدة، وقد كتبها الفلسطينيون بدمائهم في الأيّام القليلة الماضية، لها ما بعدها في أجواء الصرّاع. هذا شعب لا يهزم ولا يمكن تحويله إلى هنود حمر شرق أوسطيين، ولربما حان للإسرائيليين الذين جُلبوا إلى هذه البلاد في لحظة تآمر استعماريّة قديمة التفكير مليّاً بالعودة إلى مسقط رؤوسهم في أمريكا أو أوروبا أو إفريقيا.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن