قبل ما يوصف بـ’الربيع العربي’ كانت اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة (الإيباك) سعيدة بنمط الحكم العلماني غير الليبرالي الديمقراطي في البلاد العربية والإسلامية، الذي لم يُعطِ لا هامشا للتحرر والديمقراطية، أي ‘الليبرالية الديمقراطية’، ولا هامشا للإسلام والأديان عموما، إلا بقدر استفادته منها لدعم حكمه الديكتاتوري أو الانفرادي في إطار علاقة مكيافيلية انتهازية مصلحية. وقد انعكست تلك السعادة تلقائيا على الإدارات الأمريكية والأوروبية المتعاقبة، لأن (الإيباك) وفقاً لكثيرين هي من تتحكم في قراراتها في ما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني اليهودي الإسرائيلي، كما أكدت ذلك كثير من الكتب و الدراسات في أمريكا والغرب عموما، ككتاب ‘السياسة الأمريكية الخارجية في الشرق الأوسط واللوبي الإسرائيلي’ لجون ميرشيمار وستيفن وُلت المفكرين والأكاديميين الأمريكيين عام 2006. بَيْدَ أنه على إثر مجيء حكومات في تونس ومصر، وقبلهما في تركيا، انتهجت نظام الحكم الليبرالي الديمقراطي مع وجود دور للإسلام والأديان الأخرى في الحياة العامة، لوحظ أن الأجندات الخارجية، فرنسية تحديدا في تونس وأمريكية في مصر، بدأت تعمل بنشاط شديد من خلال رموز سياسية وفكرية وإعلامية للإطاحة بنمط الحكم الجديد، بهدف علمنة الحياة العامة وتفريغها من أي دور للإسلام بصورة خاصة. ومما لم يعد خافيا أن (الجامعة العربية) وحزبي البعث في كل من العراق وسورية تاريخيا، كما تورد كثير من المراجع العلمية البريطانية، مثل مرجع ‘نهاية الإمبراطورية’، أوعزت بها جميعا بريطانيا للحيلولة دون تسرب أي دور للإسلام فيها وحصرها في الشعارات القومية.
معروف أن كل حركات التحرر في العالمين العربي والإسلامي من غير أدنى استثناء من الاستعمارات أو الاستخرابات البريطانية والفرنسية وغيرها، كان الإسلام هو المحرك الأساس فيها، وهذا باعتراف الفرنسيين في الجزائر والمغرب وسورية، واعتراف البريطانيين في مصر وفلسطين وغيرهما. ولعل المثال الباكستاني خير دليل، إذ كانت الفكرة الأساسية من فصل باكستان عن الهند العام 1947، هو إنشاء دولة إسلامية للمسلمين. و(منذ محمد علي جناح) مرورا بكل رؤساء باكستان لم تسمح بريطانيا بالذات، تساندها أمريكا ودول الغرب الأخرى بدرجات متفاوتة، بإقامة حكومة واحدة إسلامية، وخلقت بريطانيا عند انسحابها قنبلة موقوتة بين
الهند وباكستان وهي أزمة (جامو وكشمير)، ولذلك إلى هذا اليوم توالت على باكستان حكومات علمانية تحارب الإسلام السياسي المحفز للتخلص من التبعية للغرب.
في تركيا مؤخراً استغل المعادون لفكرة وجود دور للإسلام في الحياة العامة التركية داخل نمط الحكم الليبرالي الذي يقوده حزب العدالة والتنمية منذ 2002، خطة الحكومة إعادة تنمية (ميدان تقسيم) وسط إسطنبول لتصفية حساباتهم معها بنشر الاحتجاجات التي تجاوزت مجرد الحرص على بيئة المتنزه، إلى أعمال شغب بهدف تعطيل سياحة هذا العام شديد الحرارة، لاسيما أن تركيا تستقبل 30 مليون سائح تقريبا سنويا، للإضرار بالإقتصاد التركي، وبالتالي التأثير على شعبية الحزب من خارج التيار الليبرالي الإسلامي تحديداً. ولا شك ولا مراء أن (الإيباك) من خلال عملائه في الجيش والأحزاب العلمانية الأتاتوركية استهدف حزب (العدالة والتنمية)، الذي حقق منذ وصوله لسدة الحكم معدلات نمو عالية، وبالتالي شعبية كبيرة أبقته في الحكم لمرة ثالثة، وسيظل ملاحقا بالدسائس والمؤامرات التي يبدو أنه هذه المرة أيضاً انتصرعليها. ولعله ليس مستبعداً حسب محللين فرنسيين واتراك مستقلين أن يكون (الإيباك) وراء تعنت فرنسا بالتحديد دونا عن بقية دول الاتحاد الأوروبي، في منع تركيا من الانضمام للاتحاد الأوروبي، بسبب وجود (العدالة والتنمية) في الحكم الذي وإنْ كان ليبراليا ديمقراطيا من وجهة النظر الفرنسية، إلا أنه يسمح بهامش إسلامي في الحياة العامة. والغاية من كل هذا وذاك إلغاء أي دور للإسلام في الحياة العامة، لأن (الإيباك) ومن خلاله الغرب وإسرائيل تعلم تماماً أن الإسلام وليست القوميات العربية والإسلامية، هو الخطر على مصالحهم في العالمين العربي والإسلامي.
‘ أستاذ جامعي وكاتب قطري