لجأ المخرج الإسباني خابيير فيسر إلى أسلوب إبداعي جديد ليطرح رؤية مغايرة لما يجري هناك في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث قدم فيلما قصيرا يجعل من رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، داعية سلام ويرصد التعاطف الدولي معه في لحظات يصعب تصديقها.
ويشكل فيلم «أنا أيضا أحلم بالسلام» ومدته دقيقتان وثلاثون ثانية، تجربة جديدة لخابيير فيسر استخدم فيها برنامج الذكاء الاصطناعي ليقدم نتنياهو في ثوب مسؤول نادم على ما وقع في غزة ما بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
الفيلم مبني على عنصر المفاجأة، إذ يجد المشاهد نفسه مباشرة أمام خطاب بنيامين نتنياهو يعلن فيه عن قيامه بإصدار أوامر لقواته العسكرية بإيقاف فوري للحرب، معربا عن ندمه الشديد لما وقع في غزة، مشيرا إلى عدد الضحايا منذ بداية الاجتياح العسكري.
وحاول الحائز جائزة غويا عن فيلميه كامينو (2009) وكامبيونيس (2019) أنسنة رئيس حكومة الاحتلال وجعله يستعيد قيم الانتماء الإنساني، التي سعى إلى نزعها عن الفلسطينيين، بل كان يدعو إلى تجريدهم من وطنهم. ووظف المخرج الإسباني أسلوب المخالفة التي تجعل من زعيم دموي في لحظة زمنية يعترف بأنه لا يمكننا أن نستمر في خداع الشعب الإسرائيلي والعالم.
دقيقتان ونصف الدقيقة تجعل من خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلي في قلب الجمعية العامة للأمم المتحدة يبدو خطابا حقيقيا لا يتردد في إعلان القيم الإنسانية، وتجعله يطلب الصفح ويختتم كلامه بأن السلام ممكن، وبأن الأوان لم يفت بعد، وسط تصفيق الحاضرين، قبل أن يفاجئنا، عند نهاية الفيلم، بتعليقات تذكرنا بأن ذلك الخطاب لم يلق بعد، وأنه حلم فقط والحلم حق من حقوق الإنسان.
وعن إخراجه فيلما قصيرا يشكل صدمة لكل من يشاهده للمرة الأولى، اعتبر خابيير فيسر في تصريح له على «قناة 24 ساعة» الإخبارية الإسبانية قائلا: «أنا من بين الملايين الذين يحاولون فعل شيء لوقف تلك المجازر الوحشية، لكننا لم نستطع لكون أولئك الذين يمثلوننا لم يأخذوا موقفا من هذه المذابح… لهذا ارتأى كل منا أن يعبر بالأداة التي يتقنها».
وتابع خابيير فيسر، وهو كاتب السيناريو أيضا، «لقد اختار كل بطريقته إدانة تلك الأعمال اللاإنسانية وأننا لن نطبع ولن ننسى ما يجري هناك». وأضاف ابن مدريد (1964) أن استعمال الذكاء الاصطناعي سمح له بشكل كبير بإعادة تركيب الصوت والحركات الجسدية لبنيامين نتنياهو بعد أن اختار إحدى خطبه في الجمعية العامة للأمم المتحدة المتمحورة حول السلام في الشرق الأوسط.
وعند سؤاله من قبل مقدم البرنامج شابيير فورتيس حول مقارنة ما فعله هتلر مع اليهود الأوروبيين، مع ما تقوم به إسرائيل اليوم من نزع للصفة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني، أكد المخرج الإسباني «أن إسرائيل قامت بذلك منذ عقود خلت، مشددا على أنه ليس محللا أيديولوجيا وأن ما يهمه هو الدفاع عن الانتماء الإنساني ومواجهة أكبر مصنع لإنتاج الكذب في العالم».
وأثار الفنان الإسباني انتباه أولئك الذين يثقون في سردية تبعات السابع من أكتوبر، وأعلن صراحة تصديه لها قائلا: «من يعتقد أن كل هذا الذي يحدث هو نتيجة لهجمات السابع من أكتوبر فمن السهل أن يتقبل كل الأكاذيب الأخرى، فنحن أمام دولة تعتبر رائدة عالميا في إنتاج الكذب، في فبركة خطابات ووقائع غير حقيقية تصب في مصلحتها دائما، حتى تتمكن من تغذية تلك الكذبة الهائلة التي تتمثل في ذلك المحتل الذي يصور نفسه ضحية». ولم يخف خابيير فيسر مواقفه النقدية تجاه رئيس الحكومة الإسرائيلية قائلا: «الحكومة الإسرائيلية الآن يرأسها يهودي نازي». ولم يفت صاحب غويا للفيلم القصير التخييلي عن «أكيل ريتمييو» (1994) تأكيد أن «كل ما تقوم به إسرائيل ما كان ليحدث لو لم تجد تعاونا وتواطؤا من طرف الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا… لذلك علينا أن لا نقف صامتين».
كما نبه السينمائي الإسباني إلى ضرورة تجاوز الخوف الذي يتم زرعه في كل أنحاء العالم، قائلا: «الخوف ينقل عدواه والشجاعة كذلك وما يقع في إسرائيل وأمريكا يحدث لأننا نشعر بالخوف، وهذا ما يتلاعب به هؤلاء الديكتاتوريون والمختلون عقليا، حيث يثيرون فينا الخوف، لديهم الوسائل الكفيلة لجعلك تعيش مشاكل حقيقية.. لكن عندما تنتصر على خوفك وتعبر بصوت عال لأن هناك ظلما يفرض عليك أن لا تبقى صامتا وهذه الشجاعة تنقل عدواها أيضا».
أنسنة الذكاء الاصطناعي
ويمكن اعتبار استخدام برنامج الذكاء الاصطناعي في إبداع فيلم قصير دعوة لاستخدام التكنولوجيا الحديثة في شقها الإيجابي الذي ينتصر لإنسانية الإنسان لا لتلك الذي تنزعها منه وتجعله تماما كما بنيامين نتنياهو لا يمكن تصديقه حتى وهو يحلم.
نهج الفيلم أسلوب المخالفة/المعاكسة والسخرية التي تأمل في الوصول إلى ضدية الخطاب وتجعل من مرتكب المجازر حالما بالسلام، ونادما على فظاعاته ليتحول مشهد التصفيق إلى إدانة ضمنية لكل أولئك الذين يقفون خلف المشهد.
* كاتب مغربي