نوال السعداوي: موقع المرأة من المرأة

حجم الخط
11

لم تتوان نوال السعداوي من تكرار القول إن النسوية لن تكون قوة سياسية منظمة وواعية بحقوقها وأهدافها، ولها قدرتها على الفعل واتخاذ القرارات الكبرى؛ إلا إذا حررت المرأة مثيلتها المرأة، فالنساء لن يحررهن إلا النساء أنفسهن. والأنثى الحقيقية هي المتحررة العقل، والمرأة إنسانة كالرجل تماما، ولها أهليتها التي هي أعظم نعم الله التي ينبغي ألا تهدر؛ بل توظف وأهمها التفكر العقلي بحرية وصدق. وهذا ما حاولت السعداوي فعله وهي تؤلف وتنشر وتحاضر وتناظر وترفض وتؤيد.
وحين استرجعت السعداوي بواكير النهضة النسوية العربية، بدأت بالرجال الذين دعوا إلى تحرير المرأة من الجهل والحجاب فذكرت أحمد فارس الشدياق ورافع الطهطاوي وعبد الله النديم ومحمد عبده وقاسم أمين ومحمد حسين هيكل مؤلف رواية «زينب».
ولعل المعيار الذي اتبعته السعداوي في تقديم هؤلاء المصلحين الرجال على النسويات، تأكيدها على التأثير الفعلي لآرائهم في مرحلة البواكير على النسوية العربية، التي لم يكن دورها سوى دور المكمل لدورهم، وفي مقدمة هؤلاء المصلحين رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين، وكأن النهضة النسوية التي انطلقت مع منتصف القرن التاسع عشر، لم تحقق تبكيرا ولا جرأة، ولم تقدم شيئا ذا قيمة يترك أثراً في معركة تحرير النساء.
وبسبب ذلك مرّت السعداوي مرورا عابرا على عائشة التيمورية، وزينب فواز، وملك حفني ناصف، فلم تقف مليا عند منجزاتهن الأدبية والتأليفية المناصرة لقضية المرأة.. لكن وقوفها عند مي زيادة، الذي جاء تحت عنوان (المرأة العربية الثائرة) كان وقوفا مطولا بعض الشيء، لا لعرض أفكار مي التحررية، وكفاحها الاجتماعي من أجل ترسيخ قيم مدنية فيها للنسوية موقع ومكانة؛ وإنما لتقدم صورة للمرأة الذكية، مركّزة على حياتها الشخصية، لبيان المصير المأساوي الذي انتهت إليه، واجدة أنها في هذا المصير لا تختلف عن مصير أي رائدة من الرائدات اللائي اتهمن في العصور الوسطى بالجنون والفسق والسحر.
ومن الغريب أنها لم تعط هدى شعراوي المؤسسة للاتحاد النسائي العربي عام 1923 وقفة مناسبة، زاعمة أن مكاسب الحركة النسوية التي شاركت في ثورة 1919 ذهبت للطبقة العالية، وصارت في خدمة القصر والأحزاب الرجعية. وإذا كانت ترى الحركة النسوية آنذاك قد اتسمت بالابتعاد عن مجال العمل السياسي، فلم يحقق الاتحاد النسائي تغييرا في قانون الأحوال الشخصية، ولا منح المرأة حق الانتخاب، فلأن الاتحاد ما زال في طور التأسيس ولم يثبت دعائم فعله بعد، لكنه في ما بعد سيتمكن من تحقيق بعض المطالب، لاسيما حين أُسست له فروع في بعض من البلدان العربية.
ولم تشر السعداوي إلى نبوية موسى مؤلفة كتاب «المرأة والعمل» وفيه تناولت الفرق بين الرجل والمرأة، واستعداد كل منهما للعمل، ولم تذكر درية شفيق التي استُبعدت من الحياة المدنية، وهي التي حاربت طواحين الهواء حتى وفاتها 1975. كما لم تذكر نسويات غير مصريات مثل صبيحة الشيخ داود مؤلفة كتاب «أول الطريق في النهضة النسوية» ونظيرة زين الدين وكتابيها «الفتاة والشيوخ» و»السفور والحجاب».
وإذا كانت نوال السعداوي قد قصَّرت في تصوير بواكير النهضة النسوية العربية؛ فإنها أجادت في تصوير الواقع النسوي، وما فيه من صور حسنة كاستيزار أول مصرية عام 1962، علما أن العراق هو أول بلد عربي استوزرت فيه امرأة هي الدكتورة نزيهة الدليمي عام 1959. وما جعل نوال السعداوي تركز على خيبات النهضة النسوية، وتنسى إنجازاتها على الصعيدين المصري والعربي، هو طوباوية الطموح الذي فيه شيء من الذاتية والتفرد، على حساب النماذج النسوية السابقة التي قدمت الكثير من التضحيات وهي تجابه المجتمع الذكوري وتتصدى لمواضعاته.
وهذا التركيز على إخفاق المرأة المناضلة وسلبية أدوارها، كانت قد مارسته نوال السعداوي بحق نفسها أيضا، حين تناست أن تركز على جوانب نجاحها الفكري والإبداعي على المستويين العربي والعالمي، وهي تتبنى الدفاع عن القضية النسوية حتى صارت المرأة رقم واحد الممثلة للنسوية العربية المعاصرة.. وإنما ركزت بدل ذلك على الإخفاقات والخيبات التي تعرضت لها خلال مراحل حياتها. ومن يعد إلى مذكراتها كطبيبة وسجينة ويقرأ سيرتها الذاتية «أوراقي حياتي» سيجد ذاك التناسي وهذا التركيز واضحين، وهي تسخر قلمها لعرض تجاربها المؤلمة والتراجيدية.
وانطلاقا من وعيها الثوري، ونزعتها النضالية ذكرت صورا مؤلمة لحياة المرأة العاملة، مؤكدة على أن انتزاع حقوق المرأة لن يكون إلا بأن تصبح النساء قوة سياسية، وحصرت تحرير المرأة في البلدان التي تسير نحو الاشتراكية، أما المجتمعات الرأسمالية فتنخفض فيها مكانة المرأة.

لم يكن ليميز نوال السعداوي كما ميزها الميدانان الفكري والإبداعي اللذان كانا مهمين في ما كسبته من تأييد الرأي العام، ولاسيما حين أهدرت بعض الجماعات المتشددة دمها، مع اشتداد نزعة التطرف والتكفير في المجتمع المصري مطلع القرن الواحد والعشرين.

وانحياز السعداوي إلى الجانب الثوري في العمل النسوي ونقمتها على بورجوازية بعض ممثلات النهضة النسوية و(صالونيتها) جعلها ترى أن فاعلية المرأة العربية لا تكون حقيقية إلا في الميدان الواقعي السياسي والاجتماعي. وأوجبت نوال السعداوي على المرأة العربية أن تدعم هذا الميدان الواقعي، بالوعي الثقافي، فتحرص على قراءة التاريخ والأساطير والاقتصاد والسياسة، مع التعرف على حركات التحرير العربية، والأديان من ناحية التشابه والاختلاف.. وبالشكل الذي يعطيها الشجاعة على اتخاذ مواقف جريئة في حياتها الخاصة والعامة.
وثورية نوال السعداوي جعلتها تحنق على المرأة العربية التي تزيف نفسها فلا تظهر على حقيقتها، من خلال نظرتها القاصرة للجمال. ولا عجب إذا قلنا إن الميدان الواقعي كمظاهرات ومسيرات وانخراط في العمل السياسي، لم يكن ليميز نوال السعداوي كما ميزها الميدانان الفكري والإبداعي اللذان كانا مهمين في ما كسبته من تأييد الرأي العام، ولاسيما حين أهدرت بعض الجماعات المتشددة دمها، مع اشتداد نزعة التطرف والتكفير في المجتمع المصري مطلع القرن الواحد والعشرين.
وإذا كانت نوال السعداوي قد تعاملت مع المرأة العربية عموما، والمرأة المصرية تحديدا؛ فإن هناك امرأة غير معروفة كثيرا ما تحدثت عنها في كتبها بوصفها الرفيقة التي كانت تلازمها في كل كتاباتها، فتبدو لها تارة طيعة وسهلة، وتارة أخرى تظهر عصية ومتناقضة، في إشارة إلى أن هناك تلاقيا حتميا بين عالم المرأة الداخلي وعالمها الخارجي، فكيفما يكن أحد العالمين يكن الآخر مثله.
وهذا يذكرنا برواية «وجهان لحواء» المنشورة بالإنكليزية عام 1971 للكاتبة الهندية المعروفة أمريتا بريتام، وفيها البطلة أنيتا تتحدث في شكل تناوب قصصي عن صورتين لها: صورة تبدو فيها امرأة لا يستطيع أحد أن يراها، هاربة بشعرها المنفوش الذي يتطاير عند ركضها، والصورة الأخرى تبدو فيها أنيتا امرأة جالسة إلى جانب زوجها تقليدية ليس لها أن تتحدى أو تقاوم أو ترفض. وقد اعتادت المرأة الأولى أن تصطدم بالثانية لتنهمكا في شجار طويل وجدال لا ينتهي.
وقد عكست نوال السعداوي في انحيازها لرفيقتها، أو في التصادم معها، نظرتها الواقعية للمرأة التي هي أنثى حقيقية، متحررة العقل وإنسانة ترى نفسها كالرجل لا تختلف عنه، ولها أهليتها، التي هي أعظم نعم الله التي ينبغي إلا تهدر، بل توظف وأهمها التفكر العقلي بحرية وصدق، وهي تعمل وتؤلف وتنشر وتحاضر وتناظر، وترفض وتؤيد. وعدد الإناث اللائي تتوفر فيهن هذه المميزات قليل يكشف عنه اعتراف السعداوي أن أغلب النساء لا يؤيدن رؤاها، في قولها: «انقضت ستة وثلاثون عاما حتى يسقط قانون الزواج القديم، كنت أتمرد عليه وحدي، كنت أعرف أنه بقايا العصر العبودي، لكن أغلب النساء لم يكن معي حتى صديقاتي الثلاث بطة وصفية وسامية، لم يملكن شجاعة الطلاق، أو الاعتراض على القانون».. «أوراقي حياتي، ج3».
ولا شك في أن الفعل النسوي العربي يظل دون الطموح لمحدودية هذا الفعل وخصوصيته، ومن ثم لا مناص من العمومية التي هي السمة التي ينبغي للنسوية العربية أن تحملها. وما جعل كثيرا من المشاريع النسوية الثورية تتلكأ، وربما تفشل في تحقيق تطلعاتها المصيرية، أنها اقتصرت على الأبعاد الوطنية والسياسية فقط، فلم تغير الواقع المعيشي للنساء.. وبذلك تظل الأهداف الكبيرة غير متحققة بالإصلاح الجزئي والتغيير المحدود والخصوصي؛ وإنما بالثورة الجذرية الشاملة التي فيها النسوية تنظر إلى نفسها بوصفها عمومية.

كاتبة عراقية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية