بيروت-“القدس العربي”: سواء بضرب حجر يرتجّ منه حديد مدرعة صهيونية، أو بعزف نوتة موسيقية على أي من الآلات المتوافرة، فالفعل مقاومة، والهدف تحرير فلسطين. الملايين يذكرون صورة الطفل رمزي أبو رضوان، خلال انتفاضة الحجارة في فلسطين. صبي بسترة حمراء لا يتعدى الثامنة من العمر يشحذ الهمة ليصل حجره إلى أبعد مدى. حجر رمزي حمله إلى الكمان، صار عازفاً بارعاً، بعد أن كانت الموسيقى حلماً يتراءى له من بعيد. بحث في كيفية أن تكون الموسيقى في متناول أطفال المخيمات. وجد المساعدة وولدت جمعية الكمنجاتي في الضفة الغربية، وكان لها عدوى جميلة حين حلّت في مخيمي برج البراجنة وشاتيلا في بيروت.
تعمل جمعية الكمنجاتي في بيروت بالشراكة مع بيت أطفال الصمود منذ عام 2008 في حين بدأ تواجدها في المخيمات منذ عام 2005. تستقبل الأطفال واليافعين والشباب يومي الجمعة والأحد، وتقدم لهم تدريباً مجانياً.
وإن كانت الدراسات قد خلُصت بأن الموسيقى تُحفّز مشاعر السعادة، فأطفال المخيمات في أمس الحاجة لمثل تلك المشاعر، نظراً لحال مخيماتهم البائسة، ولمشاعرهم كلاجئين. وإن شكلت الموسيقى عاملاً مساعداً في تحفيز القدرات التعليمية والذهنية للأطفال، فأطفال المخيمات يسعون إليها. فهم يدركون مع ذويهم أن العلم سلاح أساسي في مسار تحرير وطنهم السليب.
عن جمعية الكمنجاتي في لبنان نتحدث بداية إلى منسقة المشروع نور أبو ريّا:
*كيف تعرّفت إلى الموسيقى؟ وكيف أصبحت منسقة؟
** بدأت دراسة العود في الكمنجاتي – برج البراجنة سنة 2010 وبعد أربع سنوات انتقلت إلى المعهد الموسيقي الوطني لمتابعة الدراسة في صفوف فردية. بالإضافة إلى متابعة العزف مع الفرقة السيمفونية للكمنجاتي. وتوليت كذلك مساعدة الأطفال لتعلم العزف على العود. ومع تلك الدراسة التي كانت طموحاً كامناً عندي شعرت بتبدل كلي في حياتي، وبشكل إيجابي جداً. وقبل سنتين خضعت للتدريب وعلى مدار سنة كاملة مع منسقة الكمنجاتي الفرنسية الجنسية التي أنهت عملها، وباتت منسقة المشروع.
*ما هي مهمات منسقة المشروع؟
** تتنوع المهمات بين لقاءات الداعمين للمشروع، والقضايا الإدارية، وتنظيم الحفلات، ومتابعة الطلاب ومشاركتهم في العزف والحفلات حين الضرورة. وكل ما يتعلق بتسيير العمل في هذا المشروع.
*أي من المخيمات يغطي مشروع الكمنجاتي؟
** نتواجد في مخيمي برج البراجنة وشاتيلا في بيروت، حيث يتراوح عدد الطلاب بين 65 و70. نعمل بالتعاون مع مؤسسة بيت أطفال الصمود، ونتبع لجمعية الكمنجاتي التي نشأت في فلسطين وفرنسا. نتواصل مع الكمنجاتي فلسطين حتى في أصغر تفاصيل عملنا. وهم يتقصدون زيارتنا للوقوف على سير العمل كلما سنحت الظروف.
*ماذا يعني هذا العمل لنور أبو ريّا؟
** في البدء وجدته صعباً. أصابتني مسؤولية الطلاب بالوهن لبعض الوقت، خاصة وأن زمناً محدوداً جداً فصل بين كوني واحدة منهم وبين تولّي المسؤولية. لم أعتد سريعاً على الفصل بينهما. ولاحقاً حصلت القناعة، ووجدت في المسؤولية ما هو جميل وخاصة تواصلي مع الأطفال، وتفهمي لحاجاتهم. حالياً أنا شديدة الإلتصاق بالمشروع، التعب كبير لأن المسؤوليات متعددة، لكن النتائج جميلة.
*كعازفة عود ما هي الفائدة التي تجنينها من كونك منسقة المشروع؟
** عزف العود شكل بالنسبة لي فسحة أمل في الحياة. معروف كم هي صعبة حياة المخيمات في لبنان، وكل من يسكنها يسعى لإيجاد خط مواز يشكل هدفاً لمستقبل أفضل، أو يرسم بعضاً من السعادة كما هو فعل الموسيقى في النفس. العمل مع المجموعة له مميزات جمالية كبيرة. وكان لمسؤولية المنسقة أن تضيف لحياتي علاقات اجتماعية ومهنية جمّة. وعلى الصعيد الشخصي بت أمتلك ثقة كبيرة في نفسي.
*في الدراسة يُستعمل تعبير التسرّب المدرسي. هل من تسرّب في صفوف الكمنجاتي وما هي نسبته؟
** التسرُّب واقع وبنسبة ملحوظة خاصة في مخيم شاتيلا حيث يغيب تماماً دعم الأهل لإنعدام الوعي. يقولون للطفل “لشو رايح تعزفلي موسيقى؟” وفي حال كان الطفل يرتاد درساً للدين يدفعونه ليعيش أزمة ضمير “دين وموسيقى ما بيظبط وحرام”.
*هل تعالجون بعض تلك المشكلات دعماً للأطفال؟
** نعم نحاول ومن خلال العاملين الاجتماعيين في بيت أطفال الصمود. يقومون بزيارات لعائلات التلامذة حين يمتنعون عن المتابعة ويتحاورون معهم. ويقدمون الإيجابيات الكامنة في تعلُم الموسيقى مدرسياً واجتماعياً. أحياناً كثيرة ننجح في إعادة عدد منهم للانتظام مع الكمنجاتي. لكن تسرُّبهم مجدداً وللأسباب نفسها يبقى وارداً. عندها نتوقف عن التدخل لأن الأهل هم السبب، ولسنا في وارد تقديم العلاج لهم.
*ماذا عن الذين أنهوا دراساتهم في الكمنجاتي؟ أين هم الآن؟
** الدفعة التي أنهيت دراستي معها في الكمنجاتي بكاملها تابعت الدراسة في المعهد الموسيقي الوطني اللبناني، وجميعهم يعمل في الموسيقى.
*وكيف يتعامل المعهد الموسيقي مع الطلاب الفلسطينيين؟
** كما الطلاب اللبنانيين بالتمام والكمال. أن يصبح للكمنجاتي فرع في لبنان أمر عاد بالفائدة على عشرات التلامذة في المخيمات، خاصة مع وجود الشراكة مع المعهد الموسيقي.
الراحة الداخلية
في بيت أطفال الصمود في مخيم برج البراجنة وخلال استقبال وفد طبي أمريكي أتى بمعية طبيب فلسطيني – أمريكي للوقوف على أوضاع سكان المخيمات، رحب طلاب الكمنجاتي على طريقتهم بالضيوف، وهم يرتدون الزي التراثي. عزفوا وغنوا ورقصوا الدبكة، وكان لهم الكثير من التصفيق. سألت “القدس العربي” مرام التي تنتظم في الكمنجاتي منذ عام كيف تعرّفت إلى الموسيقى؟ تقول:
** سمعت بفرقة موسيقية تتدرب في المخيم. بحثت وعلمت بأنها تقع قريباً من منزلي في المخيم. قصدتها وتسجلت وبدأت في تعلم العزف على العود رغم كوني كنت أرغب في تعلم الكمان. وحين لم أجد صفاً كان العود الخيار الثاني. وها أنا أحبه بالتأكيد. وأجد التشجيع والدعم من والديَ.
*وماذا بعد العود إلى أين يحملك طموحك؟
** أحب الغناء. وأتمنى لو أصبح مغنية منفردة ضمن فرقة الكمنجاتي. أحب تقديم أغنيات فيروز على المسرح.
*ماذا تغير في حياتك مع الموسيقى؟
** إحساسي. من شأن الموسيقى أن تنقل عازفها وسامعها إلى عالم مختلف عن عالمنا. في كل مرة أشعر بالضيق ألجأ إلى العود لتحقيق الراحة الداخلية.
*ما هو صدى وجود جمعية الكمنجاتي في برج البراجنة؟
** أسمع صدى إيجابيا جداً. كل من أعرفهم يقدرون وجود الموسيقى في حياة الشباب.
الفن موهبة شخصية
انتسب محمد علي أبو صالح لمؤسسة الكمنجاتي قبل سبع سنوات، وكان حينها في الـ16 من عمره. نسأله: هل هبطت جمعية الكمنجاتي من السماء؟
** منذ الصغر أحب الغناء، كما أملك موهبة تقليد الأصوات وأمارسها. بلغني أن دروساً في الموسيقى انتظمت في بيت أطفال الصمود مجاناً. وأنها كذلك تقدم الآلات للطلاب. زرت المؤسسة وبدأت تعلُم العزف على العود. ومنذ تلك اللحظة وأنا ازداد رغبة بالمزيد من التعلُم. كان الفن موهبة شخصية، وقد صارت أكثر روعة، لأنها باتت تتلازم بالنسبة لي مع التعبير عن قضيتي الوطنية. لمس المعنيون في الجمعية موهبتي، ومنحوني فرصة التعبير منفرداً في الغناء التراثي، والغناء الوطني. الفرص متاحة للجميع في المؤسسة، فمن شاهدتهم يعزفون معي خلال الحفل، بعضهم بات يمتلك ناصية آلته ببراعة، وبعضهم الآخر مبتدئ. أن يترافق المبتدئ مع المحترف في حفل واحد أسلوب محفز ومشجع.
*هل تمتهن الغناء والعزف؟
**عندما أُطلب إلى حفلات خاصة ألبيها. إنما لست من الطامحين لحفلات المطاعم. إلى ذلك أتعاون مع جمعية “رايت 2 بلاي” في تنفيذ مشروع يُعلم الموسيقى للأطفال. ومن خلال الموسيقى نعمل لتدريب هؤلاء الأطفال على سلوكيات الحياة كما الثقة بالنفس، مهارات القيادة، التواصل، وغيرها.
*كيف تعمل لتطوير نفسك؟
** أسعى للتواصل مع موسيقيين يعرفون موسيقى الشرق من السودان إلى إيران وتركيا، وكذلك تراث الموسيقى والغناء الشامي. أرغب في المزج بينها جميعها، وتقديمها للجمهور.
*ماذا تعني لك جمعية الكمنجاتي؟
** فتحت لي بابا لم أكن أتصوره سيفتح يوماً. أتاحت لي الكمنجاتي امكانية التفاعل مع غيري على صعيد الموسيقى، في المخيمات وخارجها.
*ما هو أثر الموسيقى على حياتك؟
** مدّت حياتي بالأمل رغم كافة الأوضاع السيئة التي يعيشها الفلسطيني في المخيمات على صعيد البنية التحتية والفوقية، وكذلك حصار العمل الذي يعيشه معظمنا. تحدثني الموسيقى وتقول لي بأن الغد سيكون أفضل دون شك. وأجد في عزفي للآخرين أني أمدهم بالأمل الذي وصلني، وأسعدني.
*كمغني منفرد أديت “نقيلي أحلى زهرة” كيف تقارن الأغنية مع البنية التحتية للمخيم؟
** من شأن الأغنية في حد ذاتها أن تُشكل سعياً لمقاومة الواقع المر بما هو جميل. الجمال والفرح يصبحان عدوى مع الوقت.
الحلم صار حقيقة
تتابع هبة الشامي سنتها الثانية في العزف على البيانو. نسألها عن هذا الاختيار:
** أحب هذه الآلة منذ زمن بعيد، أحببتها حين كانت والدتي تعزف الأورغ بطريقة جميلة. بحثت عن فرصة للتعلُم ولم أوفق. عندما بلغني وجود بيانو في الكمنجاتي طرت من الفرح. أعزف في المؤسسة على البيانو، وفي المنزل أتمرن على الأورغ. أنا الآن أكثر قناعة في اختيار البيانو لأنه قادر على الهارموني والميلودي. ويمكنه العزف منفرداً دون الحاجة لأي آلة أخرى.
*هل أصابك نغم البيانو بأحلام ليلية؟
** تضحك وتقول: بل الحلم صار حقيقة ولم يعد يراودني ليلاً. حلمي يكبر ويتوسع أرغب في أن احترف العزف على البيانو، وهو ليس هواية في حياتي. سأتابع الدراسة في المعهد الموسيقي الوطني اللبناني، طبعاً إلى جانب الدراسة الأكاديمية.
أتمرن يومياً
حسين حسين طفل في عمر التسع سنوات يدرس البيانو كذلك. لماذا البيانو؟ الجواب:
** كنت أسمع أحاديث تدور عن البيانو. كان أمراً مجهولاً بالنسبة لي. عندما قررت دراسة الموسيقى قلت مباشرة البيانو. بدأت العزف ولم أجد صعوبة.
*ما هي المعزوفات التي تتقنها منفرداً؟
** “طالعة من بيت أبوها”. وأحب كثيراً معزوفة “تلج تلج وليلة عيد” وغيرها الكثير.
*هل تتمرن في المنزل؟
** نعم. فقد أهدت عمتي أورغاً لأختي التي أحبت دراسة التشيللو، فآل الأورغ لي. أتمرن عليه يومياً.
*إلى متى ستستمر في العزف؟
** حتى أتقن البيانو تماماً كما مدربي الأستاذ علي.
أغنية “فدائي”
مجدي يوسف عبد الوهاب في عمر 13 سنة يعزف الطبلة منذ سنة في الكمنجاتي. نسأله:
*ما الذي تبدل في حياتك بعد سنة من التمارين في الكمنجاتي؟
** أشعر بالفرح وأنا أسمع الموسيقى من مختلف الآلات. وأفرح أيضاً لأنني تعرّفت إلى أصدقاء جدد. أفرح بالحوار مع استاذي الذي يدربني على الطبلة. وبكافة الأساتذة الذين يشجعون طلابهم على الدوام.
*ما هي أغنيتك المفضلة عزفاً وسماعاً؟
** “على بابي واقف قمرين” ومن أغنيات الثورة أحب “فدائي”.