نيسم جلال: أسعى لموسيقى صادقة وفي ألبوم «عالم آخر» أبحث عن مزيد من الحرية

زهرة مرعي
حجم الخط
0

فنانة حرّة لا تعترف بحدود الأرض ولا الفن

بيروت ـ «القدس العربي»:  بدأت مسيرتها مع الموسيقى وآلة الفلوت في عمر السادسة. نيسم جلال الآن فنانة لها حضورها في عالم الموسيقى، ولها فرقتها الخاصة التي جمعتها المحبة والمهارة منذ 10 سنوات ولا تزال.

نيسم جلال سورية الجذور فرنسية المولد، تتقن التحدث بلغة آبائها وأجداها، وفي حفلاتها التي لا تهدأ العنصر الموسيقي الشرقي حاضر، وكذلك الهم والألم. في مسيرتها حتى الآن ثمانية ألبومات آخرها «عالم آخر». وفي سنة 2016 عبّرت عن عذابات الشعب السوري من خلال عمل اسمته «الموت ولا المذلة». وهي تواصل عزف هذا التراك في كافة حفلاتها لأن عذابات الشعب السوري مستمرة. وفيه ينطلق صوتها وحيداً كآلة موسيقية تئن وحتى تبكي وتنهمر دموعها تحت وطأة الألم. تراك يتلقاه الجمهور بصمت وخشوع، لينفجر بعده التصفيق كما تابعت في إحدى حفلاتها في باريس.
مشاعر نيسم حيال ناس وطنها، تقابلها مشاعر مماثلة حيال البيئة التي تئن أيضاً في موسيقاها وتصرخ غضباً من ممارسات البشر، ووحشية رأسمال يهتم بالثروات ولا يلتفت لاستمرارية الحياة على كوكبنا.
نيسم جلال فنانة تآلفت مع الفلوت الآلة التي صارت عنصراً مضافاً إلى جسدها، أو صوتاً يصدر منها ويعبّر عنها. وترى في آلة الناي القديمة جداً والتي تحسن العزف عليها أيضاً بأنها تشكل صلتها مع أجدادها، أما الفلوت فهو وجه الحداثة بالنسبة لها.
معها هذا الحوار:
○ »عالم آخر» رقم 8 في أعمال نيسم جلال هل ترين أن الموسيقى لها قدرة التعبير عن الثورة وعن التغيير والإنسان؟
• الموسيقى وسيلة تعبير، ومن خلالها أعبّر عن نفسي، وعن أحلامي، وعن ألمي والعالم الذي أعيش فيه. وهذا التعبير يتجلّى بالأحاسيس والأفكار والمشاعر العامة في الموسيقى. فأنا على يقين أن الموسيقى هي عبارة.
○ جولاتك لهذا العام تخطت 20 حفلاً للفرقة خلال هذا الصيف. كم وصلت الرسالة التي قررت قولها عبر الموسيقى و«عالم آخر» تحديداً؟
• لا شك ستصل الرسالة لكل من يحضر حفلاً. لا أقول بأني قادرة على تغيير أي شيء في المجتمع الذي أعيش فيه، وإن قلت غير ذلك فأنا أكذب على نفسي. ما يمكنني قوله أني أعبّر عن نفسي من خلال الموسيقى التي أكتبها. أنا لا أتألم لوحدي، ولا أحلم لوحدي فكل من يقصدون حضور حفلاتي يعيشون معي المشاعر نفسها، وهذا في رأيي مهم جداً. إن لم تكن لدينا قدرة تغيير العالم من خلال الموسيقى أقله نتمكن من الاجتماع معاً، وأن نتكلّم ونتحاور معاً. وجودنا معاً من خلال مشاعر موحدة يمدنا بالقوة.
○ الجاز في ألبوم «عالم آخر» كان بطعم شرقي وآخر أندلسي. كم ترين الجاز موسيقى عابرة للأنظمة والأكاديمية والتأطير ضمن قوالب؟
• لا قوالب جاهزة في الموسيقى ولا حدود. لا أعترف بالحدود المرسومة على الكرة الأرضية، ويستحيل أن أعترف بحدود في الفن. لا أصنّف موسيقاي في خانة الجاز أو الشرقي، فقط أقدم موسيقاي الخاصة. أحاول أن أكون صادقة، وفي الوقت نفسه أقول بأني لم اخترع شيئاً. أستلهم من الأجيال والموسيقى التي سبقتني شرقاً وغرباً. نعم موسيقاي لي، لكنها أيضاً آتية من أماكن متعددة.
○ في الألبوم مقطوعة صرخت فيها الأرض وتألمت من أفعال الرأسمالية بحقها. هل لديك أمل بأن كوكبنا سينجوا من القصاص العظيم الناتج عن الجشع والأنانية؟
• سؤال صعب. أحياناً أعيش مع الأمل، وأحياناً أعيش اليأس رسمياً. في رأيي أن علاقة حميمة جداً تصل بين حرية البشر وحماية البيئة. الديكتاتورية تواجه الحرية والبيئة. على سبيل المثال في سوريا ديكتاتورية تمنع حرية التعبير والفكر والحركة والحُلم، وذلك بإسم قوة النظام. لا يمكن المقارنة بين حال فرنسا وسوريا لجهة الحرية الشخصية فالقمع أقل. لكن في فرنسا ثمة قمع شديد على حريات وأحلام الناس، ليس باسم قوة النظام بل باسم قوة المال. وفي أماكن أخرى من العالم يتمّ القمع بإسم قوة الله. فلكل نظام ديكتاتوري حجته في تخريب حياة الناس، وهذا مرتبط بالاقتصاد والجشع، سواء كان جشعاً مالياً أو من الإيغو المرتفعة أي الأنانية. في طريقنا للتخلّص من الأنظمة الديكتاتورية المالية والفكرية، فنحن كذلك سنحرر ذاتنا وسنحمي البيئة، فنحن بكل تأكيد لا نملك مصالح مادية مؤذية للبيئة. ننشد من البيئة فقط الحصول على مأكولاتنا من الخضار والبقوليات، وليس لدينا طمع بمزيد من الاستغلال للأرض. إنها أمور مترابطة، فعندما ضرب بشّار الأسد شعبه بالسلاح الكيميائي وقتله، فهو أيضاً قتل كلّ حياة على الأرض.

○ في حفلك الأخير في باريس جسدت موسيقاك المترافقة مع صوتك أنين وآلام الشعب السوري. فهل رسالة الحرية عبر الموسيقى بليغة كما الاحتجاج في الشارع؟
• إنها مقطوعة «الموت ولا المذلّة». إن لم أعبِّر عن نفسي من خلال الموسيقى أنهار كإنسان. ألّفتُ هذا التراك سنة 2012 عندما بدأت الثورة، وكانت المقطوعة الرئيسية في الألبوم الذي حمل هذا العنوان والذي صدر سنة 2016. ما زلت حتى الآن أعزف هذه المقطوعة، وسأستمر طالما لم تتحقق أهداف الثورة. وطالما بقي هذا النظام قائماً ويقمع الشعب السوري ويجلس على قلبه سأستمر بعزف «الموت ولا المذلّة» ولأسباب عدّة. أولها أني لن أنسى الشعب السوري. وثانياً لكون عزفها يشكل لي مدخلاً خلال الحفلات لشرح معاناة الشعب السوري ونضاله المستمر من أجل الحرية.
○ ما هو الـ«عالم آخر» الذي تبحثين عنه؟
• نعم أبحث عن عالم فيه حرية أكبر، ونظام، واحترام لحياة البشر والشجر. أي احترام فكرة وجود الحياة. وأن لا تكون حياة البعض أغلى من حياة آخرين.
○ عشر سنوات وأنت تتعاونين مع فريق من أربعة عازفين ما سر استمرار الود والإلفة برأيك؟
• إنها المحبة، بعيداً عنها لن تسلك الأمور في الطريق الصحيح. نعم هم موسيقيون في غاية المهارة، لكن بعيداً عن وجود المحبة لن يستمر العمل.
○ ماذا عن تعاونك مع الفنان الفلسطيني أسلوب في ألبوم «الآخرين»؟ وهل هي المرّة الأولى التي تتشاركين العمل مع فنان آخر؟
• بل سبق وتشاركت مع عازف غيتار وعود فرنسي في التأليف وهو ين غيتا، ومعه كانت لي جولة من الحفلات في سوريا. كانت حفلات جميلة للغاية وهي المرة الأولى التي شاهدني فيها أهلي في سوريا في حفلات مباشرة على المسرح. مع أسلوب اختلف الموضوع، فهو من كان يدعوني إلى مشاريعه في بيروت. لم نكن نؤلّف سوية، بل نفكر معاً في كيفية بناء العمل. عندما أتى إلى فرنسا اختلف الوضع. أسلوب فنّان فضولي جداً. يقدم موسيقى الراب لكنه يسمع كافة أنواع الموسيقى، من التقليد والفولكلور والجاز، إلى جانب الموسيقى الأفريقية والهندية. نحن نتشابه في الانفتاح لمعرفة وسماع كافة أنواع الموسيقى، ولهذا كان الاتفاق بيننا صعبا جداً. والسبب في رأيي أن كل منا له عاداته في العمل. والمثل العربي يقول «إذا في اتنين طباخين بتحترق الطبخة». لكننا معاً حرصنا قدر المستطاع لعدم حرق الطبخة.
○ وبرأيك نجحت الطبخة؟
• أعتقد ذلك، لكن لم يكن بالأمر السهل الوصول إلى مساحة مشتركة في العمل. أسلوب آت من موسيقى الراب حيث الماكينات والموسيقى الإلكترونية، بيما عملي معاكس تماماً وخياري هو العمل مع آلات تقليدية. كنا حيال تركيبة موسيقية صعبة. شعرت بأني أبتعد عن الآلات، وهو يبتعد عن الكمبيوتر. كنا في بحث دائم عن المساحة المشتركة، وبدون احترام أحدنا لفن الآخر لما كنا وجدنا تلك المساحة.
○ بماذا تُعرّف نيسم جلال نفسها؟
• موسيقية وعازفة فلوت، مؤلفة وانثى.
○ بماذا يختلف الفلوت عن الناي؟
• الفلوت آلة حديثة جداً. بعض معابد الفراعنة تحمل منحوتات للناي. الناي فيما يبدو قديم للغاية. تقنياً هما آلتان مختلفتان. وكذلك تختلف علاقتي بالآلتين، فالفلوت يشكل جزءاً مني كأنه يد مضافة، أو صوتاً مضافاً. إنه فعلاً جزء من جسدي، بدأت عزفه في عمر الست سنوات، ولا أذكر يوماً مرّ ولم يكن الفلوت حاضراً في حياتي. تختلف علاقتي مع الناي الذي بدأت عزفه في عمر 19 سنة. مشاعري حيال الفلوت وكأنه صوتي، ومع الناي وكأنه صوت أجدادي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية