نيقولا غريمالدي: المرء لم يعد يعيش لنفسه

يحتاجُ الإنسانُ، في لحظات إحساسه باليأس والعزلة، والهشاشة والخوفِ، إلى مَن يُعيد إليه أملَه في الحياة، ويكشف له أسرارَها، ويُقوّي رغبتَه فيها. وفي هذا الأمرِ ليس أحدٌ أفضلَ بالنسبة إلى الناس من طبيبٍ وفيلسوفٍ: الطبيب يُعالِجَ وَهَنَ الجسد، والفيلسوف يُعالج وَهَنَ العقل. ولأنّ البشريّة تعيش الآن لحظة رُعبٍ مُرٍّ، بسبب تفشيّ وباء كورونا، وجدنا من الأنسبِ للقارئ أن نعرِضَ عليه بعضَ آراءِ الفيلسوف الفرنسي نيقولا غريمالدي حول هذه الجائحة، وقد وردت في حوار أجرته معه فرانس كولتير.
وُلِد غريمالدي عام 1933، اشتغل أستاذا فخريا في جامعة باريس الرابعة ـ السوربون، وتولى رئاسة كرسيّ تاريخ الفلسفة الحديثة، وكرسيّ الميتافيزيقيا، وهو مفكِّرٌ حُرٌّ، خصّص جهدَه التأمّليّ، غير المنهجيّ، لموضوعات غفل عنها كثيرٌ من الفلاسفة على غرار الغيرة، والفراغ، واللعب، والتوقع، والحرمان، ومن أشهر كتبه «فورة الفراغ» و»مراعب الحبّ». كما اهتمّ بفلسفة ديكارت وباسكال، ناهيك من بحثه في علاقة الأدب بالفلسفة عبر دراساته لأعمال كلّ من بروست، وكافكا، وبودلير وتولستوي.
يذكر غريمالدي، في إجابة منه عن سؤال ماذا يمكن لتفشّي وباء كورونا أن يُلهمَ إيّاه من أفكارٍ، أنّ هذا الوضع الوبائي ينطوي في جانب منه على مُغَالطة في قراءتنا التاريخَ، وصورةُ ذلك أنّنا قد نسينا حقيقةَ أنّه يمكن أن تظهر أوبئة تكون عنيفة ومعدية تجعل الحياة هشة للغاية. ناهيك من أننا تناسينا السؤال عمّا صار عليه وَضْعُنا المجتمعيُّ: وهو أنّنا نأخذ كل شيء من الآخرين، بدون أن نُعطيهم من عندنا شيئا، وقد ارتضينا تقريبا بأن يكون هذا هو نظام التبادل الطبيعي بين النّاس. والآن، وعلى الفور، يبدو أن الوباء أدّى إلى إبطالِ نوعية ما كنّا ارتضيناه نظاما طبيعيّا للتبادل المجتمعيّ، إلاّ أنّ هناك حقيقةً واحدة لم يتمّ إبطالُها، وهي أننا لم نشهد من قبل كَمْ نحن نعتمد على بعضنا بعضا، وكم لدى هؤلاء الآخرين من إخلاص ومهارات وتضحيات وإيثار على النفس في تعاملهم معنا، وهي خصالٌ صارت اليوم ضرورية لاستمرار حياتنا، وأعني هنا ببساطة: خصال الإطار الطبّي بكفاياتهم العلمية وتفانيهم المهني.

إنّ ما يجعل الترفيه أمراً لا غنى عنه، هو على وجه التحديد أنه يَحُول بيننا وبين الاضطرار إلى التفكير في حياتنا الخاصة حتى لا نُضْطَرَّ إلى العزلة، ومن ثمة إلى التفكير في موتنا.

لقد وصف إيمانويل ماكرون وباء كورونا بالحربِ، أثناء خطابه الذي أعلن فيه الحَجْرَ الصحيّ. والحقيقة هي أنه يجوز لنا أن نقول معه إننا في حالة حرب، مع اختلاف جوهريّ في مفهوم الحرب، ذلك أننا في الحروب التقليدية ندافع عن القِيَمِ، وعن قوّتنا السياسيّة، في حين أننا في حرب الأوبئة ليس لدينا ما ندافع عنه سوى صحتنا. إن كلّ فردٍ منّا مهتمّ بالدفاع عن نفسه، وفي قليلٍ من الأحيان يدافع عن غيره. في الحرب نَهُبُّ جميعًا لدعم الجنودِ، ونوفّر لهم المؤونة والذخيرة. بينما في حالة كورونا صرنا على العكس من ذلك: صرنا نبحث الآن عن ملجأ لنهرب فيه من الناس، ولنتأمّل أنفسَنا منفردين، وباختصار صرنا نبحث عن مأوى لنا معزولٍ.
في الماضي، خاصّة في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، كان كلّ شيءٍ واضحا وطبيعيّا: فحتّى نتهيّأ للموت كنّا نتهيّأ للخلاص، وكي نتهيّأ للخلاص كنّا ندخل في عزلة تأمُّلٍ، وهي عزلة تضعنا وجهاً لوجه مع الله أثناء الصلاة. أمّا الآن فقد تآكلت صورة هذا الإله عند الإنسان الغربيّ، بحيث لم يعد هناك الكثير من الناس يُفكّرون في خلاصهم بالصلاة له.
ومع ذلك، فإن ما يجعل هذا الحَجْرَ المُطلق مؤلمًا جدا، وصعبًا جدا، ويكاد يكون بغيضًا جدا، هو بالضبط أننا اُخْتُزِلْنا إلى أنفسنا، وهذا أشبه بما قاله باسكال: «لا شيء لا يطاق بالنسبة إلى الإنسان، هو أن يكون في راحة تامة». وهذا صحيح، لأن الحياة هي حركة، وكما يقول باسكال أيضاً، «الراحة الكاملة هي الموت». بحيث عندما لا يكون لدينا علاقة بالآخرين، فإنّ كلّ شيء يحدث كما لو أنه ليس لنا أي علاقة بأنفسنا. من الواضح أن الراديو والتلفزيون ما يزالان وسيلتيْ ترفيه، ولكن لا صلة لنا في ذاك الترفيه إلا بالصور التي تُعْرَضُ علينا، ونتلقّاها بسلبيّة، ذلك لأنّنا لا نستطيعُ أن ننجز تفاعلا جدليّا مع التلفزيون والراديو.
وعن سؤال كيف ندير قلقنا ومخاوفنا من الموت بسبب هذا الوباء، يجيب غريمالدي بقوله، إنّ ما يجعل الترفيه أمراً لا غنى عنه، هو على وجه التحديد أنه يَحُول بيننا وبين الاضطرار إلى التفكير في حياتنا الخاصة حتى لا نُضْطَرَّ إلى العزلة، ومن ثمة إلى التفكير في موتنا. الترفيه يُنسينا تعديلَ وقتنا على وقت الموتِ والجنائز. ولعلّ الاكتشاف العظيم الذي أظهره هذا الوباء هو أنّ المرء لم يعد يعيش لنفسه، بدون صلة له بالآخرين، لقد اكتشف أن حياته لا معنى لها تقريبًا بعيدا عن النّاسِ. إنّ هذا الحَجْرَ جعل الواحد منّا يكتشف رغبته في التضامن مع الآخرين، إلى حدِّ إيمانه بأنه موجود فقط لنقلِ حياته إلى حياة هؤلاء، وإذن فقد نشأ الآن عالَم من الوضوح والثقة والواقعية، وهو ما يؤكّد لنا أن المرء لا يعيش بنفسه ولنفسه. إن حياة أي فرد منّا إنّما هي تكمن في إعطاء الحياة للآخرين، لأن جوهر الحياة يكمن في أن يكون تواصلنا فيها ديناميكيا، فالحياة مثل الضوء، إنها إشعاع وعطاء. وهي إلى ذلك أخطر ما نملك، لأنّها هشّة إلى حدّ أنّ أصغر فيروس يستطيع أن يُفقدنا إيّاها. وهذا درس وجب تعلّمه من وباء كورونا.

٭ كاتب تونسي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية