نينا وفاسيلي كاندينسكي
في عمر تسعة عشر عاماً وفي عيد الغطاس، حاولت نينا أندريفسكايا مع صديقاتها تجريب لعبة الحظ لمعرفة اسم زوج المستقبل، نزلنَ إلى الشارع وسألنَ عن اسم أول رجل قابلنهُن فكان نصيب نينا اسم فاسيلي، إلا أن الاسم لم يَرُق لها، لأنها دائماً ما كانت تحلم باسم جورجي، باعتباره أكثر الأسماء الذكورية «أناقة»! ومع ذلك لم يمر وقت طويل، ليؤكد لها الحظ تلك النبوءة عن طريق مكالمة هاتفية بسيطة، فتمضي ثمانية وعشرين عاماً من الحب والوئام، ودون كتابة أي رسالة عشق، لماذا؟ الأمر بسيط: لم يفترقا يوماً واحداً!
بعد الزيارة الأولى لها لمعرض جامع اللوحات الحداثي سيرجي شخوكين للتعرف على الفن الروسي المعاصر، ومن خلال نشاط مدرسي مجاني، حضرتْ الشابة الروسية معرضاً للفن، كان ذلك في مبنىً عام في Bolshaya Di-mitrivka. لم يعجبها المعرض على الإطلاق، فقد بدت اللوحات المعروضة مثيرةً للاشمئزاز، عدا استثناء واحدا: أسرت عينيها لوحة كانت مختلفةً عن اللوحات الأخرى بشكل مذهل! للوهلة الأولى، ومن بعيد اختبرت نينا سحر الألوان وطريقة توظيفها، صوتَ الألوان وموسيقاها، فالتقطت عيناها ناراً خافتة تستحضر ألسنتها باستمرار من خلال تأثيرات خيالية. مترددةً مع قليل من اليقين، اقتربتْ من الصورة الغريبة لتقف لأول مرة في حياتها أمام عمل فني تجريدي فيكون ذلك حدثاً مثيراً غيَّر كل حياتها! كانت مهتمةً باسم الفنان الذي اكتشفَتْهُ أخيراً في الزاوية السفلية اليمنى: Wassily Kandinsky.
التقيا عبر الهاتف: اتصلت نينا بكاندينسكي بناءً على طلب صديقاتها، وتحدثا، وفي النهاية طلب منها الفنان مقابلتها. كتبت نينا في كتابها «كاندينسكي وأنا»: «ذات يوم، في نهاية مايو/ أيار (1916) دعتْني صديقتي لتناول العشاء في منزلها، من بين الضيوف جذب انتباهي رجل نبيل وصل لتوه من الخارج، ليمضي بعض الوقت في موسكو. كان يريد إيصال رسالة إلى كاندينسكي تتعلق بأحد معارضه المخطط لها، كنت أعرف أناتولي شيمان، ابن أخت زوجته الأولى أنّا شيمياكين. فأخبرتُ الرجل بأنني أستطيع إيصال الرسالة. ملأتني المهمة الموكلة لي بإثارة غير عادية، اختلط فيها الفضول والتَرَقُّب معاً. في اليوم التالي التقيتُ بأناتولي شيمان وحصلتُ على رقم هاتف كاندينسكي ثم اتصلت به، أجاب كاندينسكي بنفسه، ولأنه لم يسمع باسمي مطلقاً، سألني أولاً، من أين حصلتُ على رقمه، عندما أخبرته أنني أعرف ابن أخت زوجته الأولى تَصَّرف معي بإيجابية، وقتها فقط تمكنتُ من إيصال الرسالة إليه. عندما كنتُ على وشك إنهاء المكالمة، وبعد بضع كلمات لطيفة، فاجأني بصوت منخفض: «أريد التعرف عليك شخصياً».
في وقت لاحق، اعترف كاندينسكي لنينا أنه وقع في حب صوتها، وذلك بسبب تمرُّسه في «رؤية» الأصوات وتَكسُّرِها في الأشكال والألوان، وذات اليوم، كتب بألوانه المائية «إلى الصوت المجهول» وهو المفهوم الذي وظَّفهُ في ما بعد، فألهم هيجو بال ليكتب «كرفانة» قصيدة الصوت. عندما التقيا كان في الخمسين، أما نينا فكانت في العشرين «لقد فوجئت بعينيه الزرقاوين المذهلتين، وقتها كنت في العشرين وأردتُ أن أبقى في العشرين إلى الأبد. ومنذ ذلك الحين، لم أحتفل بعيد ميلادي أبداً». تزوجا في الحادي عشر من فبراير/ شباط 1917 حينها ارتدت العروس فستاناً أبيضَ من تصميم كاندينسكي واعتقد الكثيرون أن نينا كانت متزوجةً من أحد المشاهير، لكنها كانت تقول عكس ذلك دائماً: «كان حباً من النظرة الأولى». سافرا بعد الزفاف لقضاء شهر العسل في فنلندا حيث الشلالات المحلية الساحرة تتذكر نينا: «أدهشنا جمال الشلالات المحلية في الريف الفنلندي، لقد كنا قريبين جداً من بعضنا، بعيدين كما لو أننا في صحراء، لم نقرأ الصحف ولم نعرف شيئاً عمّا كان يحدث في روسيا». بعد أسبوعين، وصلا إلى هلسنكي، وهناك فقط وصلتهما أخبار الثورة. في نهاية ذلك العام أنجبا طفلاً سمياه لوديا. بعد ولادة طفله الأول أصبح كاندينسكي مؤسساً مشاركاً للتيارات الجديدة للمشهد الفني في موسكو ومدافعاً عن مواضيع «الفن المطلق» لكن بعد حوالي سنتين، توقفت فرحة والديه ففي يونيو/حزيران 1920 مات لوديا، ليصاب كاندينسكي بالاكتئاب ويقرر التوقف عن الإنجاب. بعد الثورة البلشفية، أصبحت الحياة في روسيا الجديدة أكثر صعوبة، لذلك وفي عام 1921 قرر كاندينسكي مغادرة روسيا، إلا أن نينا رفضت ذلك فأقنعها بشراء بعض المجوهرات.
اعترف كاندينسكي لنينا أنه وقع في حب صوتها، وذلك بسبب تمرُّسه في «رؤية» الأصوات وتَكسُّرِها في الأشكال والألوان، وذات اليوم، كتب بألوانه المائية «إلى الصوت المجهول» وهو المفهوم الذي وظَّفهُ في ما بعد، فألهم هيجو بال ليكتب «كرفانة» قصيدة الصوت. عندما التقيا كان في الخمسين، أما نينا فكانت في العشرين «لقد فوجئت بعينيه الزرقاوين المذهلتين، وقتها كنت في العشرين وأردتُ أن أبقى في العشرين إلى الأبد.
في ليلة ذاك اليوم رأت نينا حُلماً غريباً: «كانت تلعب الشطرنج مع زوجها، وبدلاً من قطع الشطرنج كانت هناك ماسات كبيرة على السبورة تتلألأ بقطرات من الدم» بعد ذاك الحلم الغريب، أصبحت من عشاق المجوهرات باهظة الثمن، بما في ذلك الماس الأسود، حيث تُظهِر إحدى الصور الجميلة الملتقطة لها سنة 1931خاتمَ ماسٍ أسودَ معروفا بقدرته على جلب الحظ لمالكيه، خاصة لمن يلمسه. كما اشترى كاندينسكي في اليوم ذاته تذكرة قطار إلى برلين. لقد أراد الهرب من زملائه، من البرد وسوء الفهم في العمل، خصوصاً خلافه مع الفنان البنيوي والنحات والمصور الضوئي ألكسندر رودشينكو، بالإضافة إلى وفاة طفله ورفضه للنظام الشمولي القائم. عاشت نينا مع كاندينسكي في مكان قريب من برلين. وعلى الرغم من وجود العديد من الفنانين الروس، فقد تعمَّدَ الزوجان عدم التواصل معهم، لكنهما ذهبا بشكل شبه يومي إلى السينما لأنهما كانا مولعين بالفن السابع. سرعان ما عُرِضَتْ على كاندينسكي وظيفة تدريس الفن والتصميم في مدرسة باوهاوس، التي كانت قاطرةً للفن والتصميم الحديث. انتقلا لاحقاً إلى فايمار المدينة الريفية الصغيرة التي انعدمت فيها أي علامات لحياة راقية، إلا أن نينا المرأة الشابة النشيطة ذات الأصول الأرستقراطية، استخدمت كل الأسباب الممكنة لتنظيم حفل عائلي صغير على شرفهما وكانت تلك فرحة حياتها. عندما انتقلت المدرسة إلى مدينة ديساو شرق ألمانيا، اختارت نينا وكاندينسكي أصدقاءهما عائلة الفنان الألماني باول كلي ليكونوا جيرانهم، حيث حصل بول كلي وعائلته على الشقة رقم خمسة بينما حصلت نينا وكاندينسكي على (الشقة رقم ستة) في البناء ذاته بالقرب من بستان صغير من الصنوبر. عملت نينا وكاندينسكي كثيراً في الحديقة القريبة من المنزل، وزرعا الورود وسارا في جميع أنحاء الحي. في رسالة إلى صديقه مؤرخ الفن ويل جروهمان، كتب كاندينسكي: «إنه أمر رائع للغاية هنا، نحن نعيش في الطبيعة بعيداً عن المدينة، نسمع الديوك والطيور والكلاب، نستنشق رائحة القش وأشجار الزيزفون والغابات، أيامٌ قليلةٌ هنا غيَّرتنا تماماً». في الحقيقة كانت الحياة الإبداعية متواصلة هناك، وكانت أكثر فترات كاندينسكي إنتاجاً.

في عام 1927، حصلت نينا مع كاندينسكي على الجنسية الألمانية، وبهذه المناسبة استمرت فرحة الحرية المكتشفة حديثاً (ست سنوات فقط) حتى وصل هتلر إلى السلطة عام 1933. اعتبرت الحكومة الجديدة بأن أعمال كاندينسكي مثل العديد من أصدقائه الحداثيين «فن منحط» فأغلق النازيون باوهاوس. وبعد الكثير من المداولات، قررت نينا وزوجها المغادرة إلى باريس «مدينة الفنانين» فحصلا على إذنهما بالانتقال. رتبت نينا لوحات كاندينسكي وجهزت الأثاث للنقل، ثم بدأت بالتفكير في الحصول على الجنسية الفرنسية. وصلا باريس وعاشا هناك بالقرب من الضفة اليمنى لنهر السين Neuilly-sur-Seine في الطابق (السادس) البناء رقم 135، لكن العيش في فرنسا بمهنة فنان لم يكن سهلاً، فبالكاد بيعت اللوحات، وقد أثر ذلك في كاندينسكي وأصابه بالإحباط. مع بداية الحرب العالمية الثانية، لم يغادر الزوجان باريس ولم يؤثر احتلال المدينة في جدول عمل كاندينسكي، فقد أمضى وقت الحرب في العمل اليومي، والتمشي مع نينا في المساء. في صيف عام 1944، بدأ كاندينسكي يشعر بأن صحته بدأت تسوء وفي أغسطس/ آب تم تحرير باريس من النازيين. ومع ذلك، لم يعش كاندينسكي ليرى يوم النصر على النازية حيث توفي بجلطة دماغية في الثالث عشر من ديسمبر/كانون الأول 1944. في وقت لاحق، كتبت نينا «عندما مات كاندينسكي اعتقدتُ أن هذه نهاية كل شيء لأنه لا يمكن لأي رجل أن يقارن بكاندينسكي في عيني، لذلك، ركَّزتُ كل طاقتي على العمل لصالح إرثه، وهذا ما منحني قوةً جديدة، وصار لحياتي معنىً جديداً رائعا». بعد أن تعلَّمَتْ الكثير من كاندينسكي، كانت تدرك جيداً أن سعر لوحات زوجها سينمو قريباً، لذلك رفضَتْ بيع اللوحات دفعة واحدة، وبعد الحرب واصلتْ العيش في منزلهما الباريسي وباعت لوحات زوجها، بينما أهدت بعضها الآخر إلى متاحف مختلفة ونظَّمتْ معارض تذكارية. في أوائل السبعينيات، نشرت الطبعة الأولى من كتابها «كاندينسكي وأنا» واشترت شاليهاً في سويسرا وانتقلت إليه، وفي الثاني من سبتمبر/أيلول 1980 هوجم الشاليه الجبلي من قِبَل لصوص قتلوها وسرقوا كل مجوهراتها. لتنتهي حياتها بأربعة وثمانين عاماً حالفها الحظ خلالها بالرقم ستة، وخذلها الماس الأسود بتفسير حُلمها الغريب.
كاتب سوري