لندن- “القدس العربي”: هل حزمت إدارة دونالد ترامب أمرها وقررت الوقوف إلى جانب ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؟ رغم ما بات يلاحقه من سوء سمعة بسبب مقتل الصحافي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في اسطنبول. وتجيب صحيفة “نيويورك تايمز” أن موقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يبدو آمنا.
وتقول الصحيفة في تقرير أعده كل من بن هبارد وديفيد كبرباتريك إن حصانة موقع ولي العهد نابعة من طبيعة السلطة في السعودية والملكية المطلقة ووحشيته. إلا أنه مدين للبقاء في السلطة لإدارة دونالد ترامب التي قررت الوقوف إلى جانبه حسب ثلاثة أشخاص مطلعين على المناقشات داخل الإدارة. وباستثناء تدخل من والده الملك سلمان فكل التوقعات هي أن بن سلمان البالغ من العمر 33 سيخلف والده ويحكم السعودية لمدة طويلة.
فقد علم مسؤولون في البيت الأبيض من مكالمة أجروها في 9 أكتوبر/ تشرين الأول مع ولي العهد أنه وصف خاشقجي، المقيم في فرجينيا والكاتب في صحيفة “واشنطن بوست” بالإسلامي الخطير، وذلك حسب شخصين مطلعين على المكالمة، ولهذا علم المسؤولون أن لديه دافعا محتملا لقتله.
علم مسؤولون في البيت الأبيض من مكالمة أجروها في 9 أكتوبر/ تشرين الأول مع بن سلمان أنه اعتبر خاشقجي “إسلاميا خطيرا” ولهذا علم المسؤولون أن لديه دافعا محتملا لقتله
وتقول الصحيفة إن الإدارة التي استثمرت كثيرا في بن سلمان كدافع مهم في أجندة الإدارة في المنطقة وتتعرض لضغوط من حلفائها في المنطقة- خاصة قادة إسرائيل ومصر– فقد توصلت لنتيجة أنها لا تستطيع الحد من سلطاته. وبدلا من ذلك انضم البيت الأبيض لحكومات المنطقة لتقييم آثار الوصمة التي تلاحق ولي العهد السعودي وقدرته على مواصلة الحكم. وما هي المنافع التي يمكن استخراجها من ملامح ضعفه. وتقول مها يحيى، مديرة مركز كارنيغي الشرق الأوسط في بيروت “كل واحد يحاول حلب هذه الفكرة”. وقالت إن الأمير محمد بحاجة إلى دعم خارجي لإعادة تأهيل نفسه “فكل واحد يحاول تحويل هذا إلى صالحه والحصول على ما يمكنهم الحصول عليه”.
وبالنسبة للولايات المتحدة والعارفين بتفكيرها فهذا يعني الضغط عليه لحل الحصار الذي قاده ضد قطر ووقف القصف على اليمن. فقد دعا وزير الدفاع جيمس ماتيس ووزير الخارجية إلى وقف الأعمال العدوانية في اليمن كجزء من خطة سلام.
وتقول الصحيفة إن المسؤولين في إدارة ترامب ناقشوا مقترحات مثل حث الملك سلمان على تعيين رئيس وزراء قوي أو مسؤول آخر لكي يشرف على الأمور اليومية والسياسة الخارجية، وذلك حسب أشخاص على معرفة بالنقاشات. وتم التخلي عن الفكرة لأن لا أحد يمكن أن يتسلم هذا المنصب أو يظهر بمظهر المنافس لولي العهد الذي يسيطر على الأمن والاستخبارات ويحظى بثقة الملك.
ويقول الخبراء والدبلوماسيون إنه من غير المحتمل موافقته التخلي عن مسؤولياته بالطريقة التي تريدها الحكومات الغربية وقبوله دورا منخفضا أو مشاركة في المسؤوليات. فالملكية المطلقة في السعودية تعتمد على أفراد وليس مكتب. ويقول برنارد هيكل، الباحث في جامعة برنستون “كل السلطات تنبع من الملك” و “يقوم الملك بتفويض السلطة إلى شخص وتظل في يده حتى يأخذها الملك منه”.
مقتل خاشقجي أعطى محمد بن سلمان الفرصة لكي يستفز ويخيف من هم في المملكة حتى من أفراد العائلة الحاكمة، إذ خسر الكثير من الأمراء السلطة والمال بسبب صعود الأمير السريع خلال السنوات الثلاث الماضية، وزاد مقتل خاشقجي مخاوفهم
وتقول الصحيفة إن مقتل خاشقجي أعطى محمد بن سلمان الفرصة لكي يستفز ويخيف من هم في المملكة حتى من أفراد العائلة الحاكمة. وخسر الكثير من الأمراء السلطة والمال بسبب صعود الأمير السريع خلال السنوات الثلاث الماضية. وزاد مقتل خاشقجي مخاوفهم. وهناك من همس بوجود مؤامرة لعودة الأمير أحمد بن عبد العزيز، هذا الأسبوع، والذي عارض تعيين الأمير محمد وليا للعهد وبدا ينتقد النظام الذي يديره الملك وابنه. وربما عاد الأمير أحمد الذي كان مقيما في لندن كلفتة تضامن مع العائلة. ولهذا فلا يوجد هناك بديل لهيمنة الأمير محمد، حسبما قال أحد أفراد فرع من العائلة تلاشت قوته بسبب صعوده. وقال: “إنهم يكرهونه ولكن ماذا يفعلون؟” وأضاف: “لو تحدثت فسيضعونك في السجن، في الوقت الذي تريد الدول الأخرى بيع السلاح وشراء السلاح، وسأكون حزينا لو أفلت من” قضية مقتل خاشقجي.
وتقول إن ولي العهد المعروف بـ “م ب س” أهان وسجن أي منافس له داخل العائلة المالكة. وبدا مبتسما في مؤتمر الاستثمار، الأسبوع الماضي، وغير آبه بردة الفعل الدولية على القتل. ويعتقد مسؤولون غربيون أنه من السذاجة الحديث عن مستشارين يمكن أن يقوموا باحتوائه. ويقول دبلوماسي غربي يعرفه “لو تم ضبط م ب س فسيحاول الخروج من القيد” و”سيصبح تهديدا لمن يعتقد انهم فعلوا هذا له”. ورغم نجاحه داخليا إلا أن مغامراته الخارجية مثار تساؤل وقاد مقتل خاشقجي الدول لإعادة تقييم سياسات أخرى. مثل الحرب في اليمن التي خلقت كارثة إنسانية. كما أخافت حملته اعتقال 200 أمير ورجل أعمال بتهم فساد غامضة المستثمرين من الخارج. وكانت الأغرب هي اختطاف وإجبار سعد الحريري رئيس الوزراء اللبناني على الاستقالة. وكان حاضرا في مؤتمر الأسبوع الماضي حيث قال ولي العهد مازحا إن الحريري يمكنه العودة بحرية.
ويؤكد المسؤولون السابقون والحاليون في الدول الغربية أن مقتل خاشقجي يؤكد على تهور وخطورة وقوة تهدد الاستقرار. ويقول ديفيد راندل، السفير الأمريكي السابق في الرياض والذي عمل فيها 15 عاما إن ولي العهد تضرر “لأن المؤسسات والحكومات في الخارج لم تعد راغبة في التعامل معه”. وقال راندل إن الولايات المتحدة والحكومات الغربية تقيم علاقات واسعة مع السعودية ولن تتخلى عنها وتتوقع “حذرا جديدا واستعدادا للتنازل” من ولي العهد. ويرى أندرو ميلر، نائب مدير السياسة في برنامج الديمقراطية للشرق الأوسط والمسؤول السابق في الخارجية إن الوصمة التي يحملها بن سلمان ستعرقل جهوده للتعامل مع الحكومات الغربية حيث دعا لاتخاذ موقف متشدد من إيران و”أعتقد ان هذا سيعقد من مهمته للتركيز على إيران لأن الأعمال التي يشجبها هناك يقوم باقترافها”. وقال مسؤول مطلع على مناقشات الكونغرس إنه يعتقد فرض الكونغرس نوع من العقوبات، إلا ان البيت الأبيض يريد أن يبقي العقوبات في الحد الأدنى حتى لا تتأثر العلاقات مع ولي العهد. ولا يزال مركزيا في خطة جارد كوشنر، صهر ومستشار الرئيس الأمريكي للسلام في المنطقة ولبناء تحالف ضد إيران. ويأمل كوشنر قيام محمد بن سلمان بالضغط على الفلسطينيين لقبول الخطة.
وفي البداية قال بن سلمان إن خاشقجي “إسلامي خطير” وذلك في مكالمة جرت في 9 أكتوبر/ تشرين الأول مع كوشنر ومستشار الأمن القومي جون بولتون. أي بعد سبعة أيام من اختفاء الصحافي وقبل أسبوع من اعتراف السعودية داخل القنصلية. وقال شخصان مطلعان على المكالمة إن ولي العهد وصف خاشقجي بأنه عضو في جامعة الإخوان المسلمين، أي أنه اعتبره راديكاليا خطيرا. ولم يكن خاشقجي عضوا في جماعة الإخوان مع أنه انضم إليها في شبابه وحافظ على صلات مع عدد من أفرادها وكتب مقالات ناقش فيها أن حظر الإخوان غير متوافق مع الديمقراطية في المنطقة.
لم يكن خاشقجي عضوا في جماعة الإخوان المسلمين مع أنه انضم إليها في شبابه وحافظ على صلات مع عدد من أفرادها وكتب مقالات ناقش فيها أن حظر الإخوان غير متوافق مع الديمقراطية في المنطقة
ويقول شخصان على إطلاع بخطط الأمير أنه سيقوم بتخفيف مخاوف الدول الغربية التي ظهرت بعد مقتل خاشقجي حيث سيقوم بتعديل طريقة اتخاذ القرار وسيحاول تجنب حدوث حوادث كهذه. وبدلا من التحول نحو المستشارين الكبار يبدو أنه يحرك الإجراءات نحو الشباب مثل شقيقه الأمير خالد بن سلمان، الذي كان سفيرا في واشنطن ومن المتوقع أن يعين مستشارا للأمن القومي. وربما بدأ وضع ولي العهد بالإستقرار في واشنطن. وقال جوزيف فوتيل، قائد القوات المركزية في الشرق الأوسط “لا يوجد تغير في علاقاتنا مع السعودية”.
وأظهر عدد من رموز المال إنهم سيحاولون تجاوز مقتل خاشقجي. وقال جون فلينت، مدير مصرف أتش أس بي سي “أتفهم المشاعر حول القصة” مضيفا أنه من الصعب فك العلاقة مع السعودية نظرا لأهميتها للسوق العالمي. وكذا مدير جي بي مورغان تشيس جيمي ديمون الذي قال إنه لم يحقق شيء من عدم مشاركته في مؤتمر الاستثمار ولكنه يخطط التعاون “التعامل مع السعودية ليس شيئا سيئا ولا يعني أنك توافق على كل شيء”. وتقول يحيى إن ردودا كهذه ترسل رسائل قوية للرجال العرب الأقوياء. وقالت: يمكن أن تكون أكثر وحشية من السابق ولكن كن ذكيا في المرة الثانية ولا تقتل صحافيا معروفا داخل السفارة”.