لندن- “القدس العربي”:
قالت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير لمراسلتها من القاهرة، فيفيان يي، إن الاحتجاجات في مصر تكتسب زخما مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية والتي ستعقد وسط أزمة اقتصادية خانقة.
وأشارت الكاتبة في البداية لمسيرة دعمتها الحكومة المصرية في مدينة مرسى مطروح، حيث صدحت الموسيقى ورُفعت اللافتات التي تحمل صورة عبد الفتاح السيسي، في وقت كان شاعر شعبي يحضّر لإلقاء قصيدة في مدح الرئيس. وعادة ما يلقي الشعراء قصائدهم في الأعراس، لكن الشاعر اختار مدح السيسي الذي أعلن عن ترشحه لانتخابات كانون الأول/ ديسمبر، ومن المؤكد فوزه بها.
وبعد عقد من اعتقال النقاد وتكميم الإعلام وخنق الاحتجاجات، لم يبق لدى الرئيس سوى وسائل قليلة للتعويض عن الدعم الضعيف الذي يحظى به. فقبل نهاية موعد 14 تشرين الأول/ أكتوبر للحصول على توكيلات من أجل الترشح في السباق المقبل، استخدم النظام الاعتقال والتخويف لمنع الرموز التي تمثل تحديا للرئيس من الحصول على ما يكفي من التوكيلات.
وفي الوقت نفسه، نظمت الحكومة مسيرات دعم للرئيس في كل أنحاء مصر. لكن مسيرة مرسى مطروح التي حضرها المسؤولون المحليون وتم نقل المشاركين فيها بالحافلات، حسبما قالت منظمات حقوقية، خرجت عن المسار المحدد لها.
وبحسب فيديوهات وأصحاب محلات في المنطقة شاهدوا المسيرة، قام الشبان برمي العبوات البلاستيكية على الشاعر الذي اعتلى المنصة وصرخوا: “ارحل يا سيسي”. وحاول بعضهم التدافع حول المنصة قبل أن تفرقهم قوات الأمن.
وأظهرت فيديوهات أخرى المحتجين وهم يمزقون اللافتات ويشعلون النار فيها. وهتف المحتجون الذين تفرقوا في شوارع جانبية باسم أشهر شخص يتحدى السيسي وهو أحمد الطنطاوي.
وقال صاحب محل تجاري، إن محتجين وعددهم تجاوز المئات هتفوا بشعار الربيع العربي في 2011، “الشعب يريد إسقاط النظام”. وهو الشعار الذي أسقط الرئيس حسني مبارك وقاد لانتخابات جاءت بالرئيس الراحل محمد مرسي. ولكن السيسي والجيش الذين دفعوا بالاحتجاجات الشعبية في 2013، سيطروا على السلطة.
ومنذ ذلك الوقت، كان السيسي هو المرشح والفائز، ففي 2014 فاز بنسبة 97%. وفي 2018، فاز بعد استبعاد معظم المرشحين، وسط تراجع في شعبيته، ولكن بنسبة لم تتغير وهي 97%. وفي 2019، أجرى استفتاء لكي يظل في السلطة حتى 2030، ومنح نفسه فرصة الترشح لمرة ثالثة في انتخابات كان من المقرر عقدها في العام المقبل.
إلا أن الحكومة أعلنت الأسبوع الماضي عقد الانتخابات نهاية العام الحالي، في تحرك رأى فيه المحللون والدبلوماسيون أنه إشارة عن الضغوط التي يعاني منها السيسي في عملية إعادة انتخابه، وسط أزمة اقتصادية مضى عليها عامان، ودفعت الاقتصاد المصري نحو التراجع المستمر.
ويقول الخبراء إن مصر لم تظهر أي خطوات جدية للتغيير الذي يحتاجه الاقتصاد، هذا رغم الوعود المتكررة. ومن المتوقع فوز السيسي في كانون الأول/ ديسمير، ليحكم بلدا بدون مال كي يسدد ديونه، أو يستورد الحاجيات الأساسية، وهو وضع قد يهدد موقعه في السلطة، كما يقول المحللون.
ونقلت الصحيفة عن المحلل السياسي المصري ماجد مندور، قوله: “الانتخابات المقبلة ليس نهاية، لكنها قد تكون بداية النهاية”.
وانطلقت أصوات محذرة حتى من المؤيدين للحكومة الذين تحدثوا عن تداعيات خطيرة واضطرابات لو لم يتحسن الوضع. وتم تخفيض سعر العملة المصرية مرتين، مما أفقد الجنيه المصري نصف قيمته، ودفع المستثمرين الأجانب للهروب فزعا في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، مما ترك مصر بدولارات قليلة لتسديد ديونها أو تغطية وارادت القمح والوقود المكلفة.
وارتفعت معدلات التضخم لأعلى من 30% مما دفع الأثرياء للاقتصاد في المصروفات، والطبقة المتوسطة لنقل أبنائها لمدارس أرخص والتوقف عن شراء اللحم. أما الطبقة الفقيرة فقد أُجبرت على التخلي عن وجبات طعام.
ويقول الاقتصاديون إن الأزمة الحقيقية نابعة من اقتصاد ضعيف، وأزمة ديون هائلة، وإن العوامل الخارجية هي مجرد محفز.
لكن الرئيس لديه رأي آخر، فهي يلقي باللوم على الحرب في أوكرانيا من بين أمور أخرى، ورفض المعاناة التي يعيشها المصريون، ووصفها بأنها أمر تافه مقارنة مع الإنجازات التي قام بها أثناء حكمه.
وأشارت الصحيفة إلى خطاب السيسي في العاصمة الجديدة الفارغة، ودعوته الشعب للجوع والعطش كثمن للتقدم والتنمية. كما دعا المصريين في نفس الخطاب للتبرع ببلازما الدم مرة أو مرتين في الأسبوع إن أرادوا الحصول على مزيد من المال.
وتعليقات كهذه أدت لتعكير المزاج الوطني الذي انقلب ضد الرئيس الذي افتُتن به الشعب مرة، لدرجة أن بعضهم أقام حفلات عسكرية في الأعراس وزينوا قطع الكعك بصورته.
وحتى بعد خفوت نجمه في الأزمة الاقتصادية السابقة عام 2016، ساهمت آلة القمع التي بناها السيسي في إسكات المعارضين وسجن المواطنين لأسباب تافهة مثل التشارك في منشورات على فيسبوك، إلا أن الكثير من المصريين اليوم يشتكون علنا ويعبرون عن ندمهم لمنحه أصواتهم.
وتدفق البعض لدعم أحمد الطنطاوي الذي قد يكون منافس السيسي. وردّ الطنطاوي على تصريحات الرئيس بشأن الجوع والعطش، بالقول: “في الحقيقة، جاع المصريون أثناء حكمك وبسبب إدارتك”.
ودعا الطنطاوي في مقابلة سابقة مع الصحيفة، السلطاتِ لاحترام المصريين وحقهم في الاختيار، قائلا: “لو كان هذا النظام يحظى بالشعبية التي يتحدث عنها، فما الذي يضر لو عرض نفسه لانتخابات أمام الشعب المصري وحماية ذلك الصوت”.
وعندما سُئل إن كان لديه أمل في الحصول على الترشح، قال إن قوات الأمن لم يبقَ لديها سوى خدع قليلة إذا تجاوز الناس الخوف.
وهناك إشارات أن الطنطاوي لن يصل إلى صندوق الاقتراع، حيث قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن 73 من أنصاره اعتُقلوا في محافظات مصر، بعضهم ملأ استمارات للتطوع في حملته الانتخابية، أما البعض الآخر، فلأنهم عبّروا عن إعجاب بحملته على صفحة فيسبوك.
وأمام المرشحين المحتملين حتى 14 تشرين الأول/ أكتوبر للحصول على توكيلات كافية أو ترشيحات من أعضاء البرلمان، وقد أنجز سياسيان هذا الأمر، إلا أن أنصار طنطاوي واجهوا عقبات لا تعد ولا تحصى عندما ذهبوا لكاتب العدل. وتعرض بعضهم للضرب أو الرش بالمياه، وقيل للبعض الآخر إن أجهزة الكمبيوتر معطلة.
وقال حمدين صباحي، الذي ترشح ضد السيسي في 2014، إن المصريين حُرموا من حق اختيار ممثليهم، محذرا من أن إغلاق الباب أمام التغيير الآمن، يعني دفع الشعب نحو الانفجار.