نِسْوَةٌ في مدينة يُوسف

التعريف والتنكير في العربية مبحث قديم قال فيه النحاة ما قالوا، وأضاف إلى جهودهم اللسانيون المعاصرون أشياء لم يقولوها ولعلهم أثبتوا في قولهم أشياء ونفوا أخرى، المهم أن المباحث اللغوية هي مباحث متطورة لا يمكن لعلم من العلوم، قديما أكان أم حديثا أن يقول فيها القول الفصل الذي لا ينقض أو يرد عليه بعد ذلك.
في البحوث اللسانية العرفانية، التي نركز فيها على علاقة اللغة بالإدراك، فإن الأسماء المعرفة أو النكرة لها علاقة بتصور المتكلم والمستمع لما يتخاطبان فيه. في هذا الضرب من المباحث اللسانية، تبدأ اللغة قبل أن ننطق بها: إنها تبدأ في الذهن وهي في شكل صور ذهنية، فنحن نفكر بضرب من الصور ولنا ملكة بشرية تعيننا على فعل ذلك اسمها التصورية، وبها نختلف في بناء تصوراتنا عن وضعية مشتركة أو في وصف مشهد اشتركنا في رؤيته.
لأفترض أني أستمع إلى جلبة وأنا في غرفتي في الطابق الرابع في مدينة ما، فأطل من الشرفة لأتبين لفضول أو لغيره ما الأمر، فأرى نسوة لا أعرفهن يتحاورن مع صاحب العمارة الذي أعرفه؛ فمن الممكن أن أقول لمن يسألني ما الذي يجري؟ (نسوة يتجادلن مع يوسف) ومن الممكن أن يصف الوضعية نفسها رجل آخر يجلس في المقهى القريب من مكان الجلبة يعرف النسوة ولا يعرف صاحب العمارة فيقول لمن يسأله: (نادية وصالحة وليلي يتخاصمن مع رجل غريب).
لقد بنينا وضعية واحدة بناءين مختلفين، حسب تصورنا للمشهد وعناصره، بناه عارف بالنسوة جاهل بصاحب العمارة، وبنيته غير عارف لأسمائهن، عارفا باسم صاحب العمارة، لكن أيضا اعتبرت جلبتهن جدلا واعتبرها خصومة.
ومن جهة أخرى، فإن من سألني عما يجري في الخارج بات يعرف ما اسم صاحب العمارة، ومن سأل جليس المقهى بات يعرف اسم النسوة، لكن هذه المعرفة بالأسماء ليست فورية، بل هي عهدية: فمن المفترض أن يكون سائله عارفا بالنسوة وأسمائهن قبل أن يخبره محدثه بذلك. وهذا ينطبق على سائلي أنا إذ من المفروض أن يعرف من يكون يونس وما صفته فاستعمالنا التعريف (باستعمال الاسم العلم) كان بناء على معرفة مشتركة بيننا متكلميْن ومستمعيْن بمن سميناهم بأسمائهم، فبناء على المعرفة المخزنة في أذهاننا بهذه الشخصيات بنينا الوضعية. لكن في كلامي أنا وفي كلام جليس المقهى أشياء مشتركة من بينها، أننا نصف المشهد بناء على التمييز بين جمع ومفرد ومؤنث ومذكر ووصف لما دار بينهما من حديث.
دعنا الآن ممن تكلم: أنا وجليس المقهى؛ ولنركز على السائلين: من يشاركني غرفة العمارة ومن يشاركه الطاولة في المقهى. حين أقول (نسوة يتجادلن مع يوسف) فإن من يستمع إليّ وقتها سيبني أثناء فك شيفرات كلامي صورا في ذهنه تجعله يفهم ما قلته له. فمثلا سيسمع (نسوة) ويبني هذا التصور في ذهنه، ولا يمكن أن يفهمه إلا إذا كان يعرف ما المقصود بهذه العبارة، لكنه لن يبني في ذهنه دلالة فيها ترادف بين نسوة ونساء وسيدات وفتيات، بل سيبني في ذهنه تصورا يختلف عن التصور الذي تفيده هذه الكلمات، وسيبنيها وفق المعطيات الثقافية التي حصلت لديه عن «نسوة» سيكون من يستمع إليّ عارفا ولا شك بأن وراء عدم قولي (نساء) أو (سيدات) أمرا ما ينبغي فهمه ثقافيا؛ وإلا لن يكون مستمعا مثاليا يفهم دقائق الفروق في لغتي، أي الخصوصيات الدلالية في عبارة» نسوة» التي تميزها من «نساء» مثلا، وأن هذه شائعة في الجمع كله بينما تكون تلك مختصة بجمع القلة. وسيفهم بناء على الثقافة التي لديه، أني بنيْت المشهدَ بناء يرتكز على التفريق بين المتجادلين بجنس كل منهما. فأنا ميزت بين (نسوة) ورجل اسمه (يوسف) وسيفهم سامعي مثلا وبناء على ذلك أن المتحدثات متشاركات في الجنس، وأنهن عصبة واحدة من جنس واحد غير أنهن جمع قليل العدد.

قد يسمي الراغبون في الضبط الدقيق والصارم ذلك استطرادا من وضعية إلى أخرى، نحن لا يهمنا هنا غير أن المستمع يمكن بثقافته أن يؤثر في المشهد المنطلَق، ويمكن ونحن نسمع غيرنا وهو يحدثنا عن وضعيات مختلفة أن يتذكر وضعيات متشابهة وذلك بواسطة الكلمات القوادح أو المقامات المتراسلة.

ومع هذا كله سوف يعرف المستمع أني بنيت المشهد وفق وجهة نظري أيضا، وأنه وهو يعيد بناء المشهد عند تلقيه لكلامي سوف يبنيه بتمثيله الخاص. فلو كان السامع مثلا، والدي أبقاه الله، لكان لديه تمثيلاته الثقافية العامة والخاصة عن «نسوة»؛ وأن تمثل والدي لـ»نسوة» تصنعها في ذاكرته الحافظة معطيات خاصة به، ليست هي نفسها المعطيات التي يخزنها أخي مثلا عن «نسوة» لو كان هو من سألني ومن أخبرته بما يقع. لكل مستمع من هؤلاء مشترك وهو يسمع «نسوة» وهذا ما يبني التفاهم، لكن لكل منهما خصوصيات في التصور تشبه خصوصيات من يطل مثلي على المشهد من النافذة فيرى ما يشترك فيه مع غيره وما لا يراه إلا هو.
«نسوة» كلمة قديمة ضاربة في التاريخ، لكنها من جهة التصور متجددة بتجدد العصور. في النسوة المرجعيات أشياء ثابتة عبر التاريخ لكن فيهن أشياء متغيرة أيضا بمر العصور وباختلاف الأماكن. لو كنت أنا أطل من عمارة في نيويورك، فلربما كانت النسوة غير النسوة وأنا أطل من عمارة في جزر القمر، ولكانت طريقة الحديث مختلفة ولربما كان لاسم يوسف أكثر من رمزية ونحن في هذا البلد أو ذاك.
لأعد إلى سامعي الذي ربما كان أبي أو غيره ممن يعرف ذاك المقطع من سورة يوسف في قوله تعالى ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ في المَدِينَةِ امْرَأَةُ العَزيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا..﴾ (يوسف 30) وقرن بين يوسف ونسوة قرنا لفظيا، وبين مدينة النسوة وقتها ومدينتنا الحالية قرنا مقاميا، لذهب ذهنه وهو يستمع إليّ إلى عالم يوسف النبي ونسوته ومدينته. ستكون له تمثيلات أخرى تؤثر في فهمه الجملة التي قلتها له، وأنا أصف جدلا بين النسوة ويوسف صاحب العمارة. ستكون جملتي دخْلا أو مثيرا لسياق الآية وسيقرن بين نسوة يوسف النبي ونسوة يوسف صاحب العمارة، وربما فهم ما فهم وأنا خالي الذهن تماما مما أحدثته فيه جملتي.
قد يسمي الراغبون في الضبط الدقيق والصارم ذلك استطرادا من وضعية إلى أخرى، نحن لا يهمنا هنا غير أن المستمع يمكن بثقافته أن يؤثر في المشهد المنطلَق، ويمكن ونحن نسمع غيرنا وهو يحدثنا عن وضعيات مختلفة أن يتذكر وضعيات متشابهة وذلك بواسطة الكلمات القوادح أو المقامات المتراسلة. ما يحدث في هذا السياق يدل على أن النصوص التي نخزنها في ذاكرتنا ذات المدى الطويل عبر الحفظ، أو عبر الانطباع يمكن أن تمثل قوادح تتدخل في توجيه فهمنا، أو في توجيه سيرورة حديث بسيط. فنسوة المدينة في سورة يوسف هن عند المفسرين لسن نسوة المدينة في هذه الوضعية التي أصف فيها جدلا بين نسوة قد يكن قاطنات في العمارة وصاحب عمارة، لكن حفظ والدي المستمع لمعطيات من نص القرآن جعله يطلق العنان وهو يفك شيفرات جملتي لما خزنه من معلومات نصية ومعطيات نفسية، تتجاوز نسوة يوسف في مصر ونسوة يوسف في هذه المدينة إلى نسوة عابرات للتاريخ وللوقائع والنصوص، ما زلن يلتقين بيوسف الذي يُبعث لهن كل مرة في دور جديد في مدينة جديدة.
إن ملكة التصور هي ما يفعل كل هذا عند إنتاجنا اللغة أو فهمها، لتصور أن تدقق باعتبارك متكلما ما أردته من كلام بالرجوع إلى ملكتك التصويرية، وتبحث له عما يناسبه من وحدات معجمية ومن علاقات نحوية. والتصور هو عند المستمع أن تخصص في ذهنك معاني الكلمات التي استمعت إليها في كلامي، وبين عبارة «نسوة» التي بنيت بها جملتي وأنا أصف مشهدا و»نسوة مستمعي فرق كبير: بين نسوة كن في مصر يتحدثن عن جمال يوسف وما فعل في امرأة العزيز، ونسوة أخريات ربما أزعجهن ضيق المسكن في مدينة رحبة ذات أوْسَاع كثيرة أوجاع.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية