رغم إطلاق الصواريخ المضادة للدروع على مواقع للجيش الإسرائيلي خلال الأسبوع الماضي وفي اتجاه شتولة أمس، إلا أنه ذلك ليس من شأنه أن يُظهر الاستعداد للمشاركة بصورة كاملة وكبيرة في الحرب وتطبيق استراتيجية “وحدة الساحات” التي اتفقت عليها حماس والجهاد الإسلامي في اللقاءات التي عقدت بينهما في هذه السنة.
من غير المعروف ما هي التوجيهات التي جلبها معه من إيران وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان. ففي يوم الجمعة الماضي اكتفى بالتحذير. وبعد اللقاء مع حسن نصر الله ورئيس الحكومة اللبناني نجيب ميقاتي قال إن “فتح جبهات أخرى أمام إسرائيل هو امكانية قائمة”. ولكن في نفس الوقت أكد على أن “الموضوع المهم هو أمن لبنان والحفاظ على الهدوء في الدولة. هذا هو هدف زيارتي وأنا اقترح عقد للقاء لقادة المنطقة لمناقشة الموضوع”.
يجب عدم الاستنتاج من هذه الأقوال بأن الجبهة الشمالية يمكن أن تكون هادئة، وهي حقاً ليست كذلك. ولكن يجدر أيضاً أن نتذكر الفروق بين حماس وحزب الله.
حزب الله لم يذهب حتى الآن إلى حرب ضد إسرائيل باسم “القضية الفلسطينية”. ليس في حرب لبنان الأولى وفترة المكوث في المنطقة الأمنية. حينها دارت حرب طويلة استمرت 17 سنة من أجل “طرد الاحتلال الإسرائيلي وتحرير أراضي لبنان”، كذلك ليس في الفترة بين انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان وحرب لبنان الثانية، التي فيها تحول تحرير مزارع شبعا من سيطرة إسرائيل إلى ذريعة للمواجهات العنيفة. أما حرب لبنان الثانية بدأت بذريعة تسوية حسابات منفردة موجودة لهذه الحزب مع إسرائيل وبسبب التعهد بتحرير السجين سمير قنطار.
قرار شن حرب شاملة ضد حزب الله اتخذته في حينه إسرائيل، وبعد ذلك اعترف نصر الله بأنه أخطأ عندما لم يقدر الرد المتوقع على اختطاف الجنود الثلاثة.
إذا كان يمكن تسمية هجوم حماس “عملية انتحارية جماعية”، عملية لم تعرف مسبقاً بأن المقاومة الإسرائيلية ستكون صفراً، ومن خططوا لها كانوا مستعدين لأن يرسلوا إلى ساحة الموت مئات المقاتلين، فإن حزب الله الذي وضع المفهوم المضلل “انتحاريون شيعة”، لم يظهر حتى الآن أي استعداد لتضحية كهذه، وبالتأكيد ليس من أجل أهداف لآخرين.
رغم الخطاب الهجومي لحزب الله وتمسكه الأيديولوجي بتدمير إسرائيل فإنه فضل زيادة قوته العسكرية دون استخدامها إقليمياً من أجل الحفاظ على ميزان الردع بينه وبين إسرائيل. هذه قوة كبيرة تشمل عشرات آلاف الجنود المدربين، ومنظومة هجومية يمكنها شن معارك برية مثلما أثبت ذلك في سوريا، وعشرات آلاف الصواريخ الدقيقة التي يمكن أن تصل إلى عمق اراضي إسرائيل، أكثر بكثير من “ما بعد حيفا”، وأيضاً آلاف الصواريخ الأقل دقة، ومنظومة استخبارات متطورة ودعم ملزم من قبل إيران.
لكن خلافا لحماس فإنه يوجد لحزب الله دولة ليديرها ومكانة إقليمية تنبع من إستراتيجية إيران في الشرق الأوسط وليس فقط في لبنان. هو ليس فقط شريكاً له مكانة ثابتة في حكومة لبنان، بل هو يملي السياسة الداخلية والخارجية للبنان، يصادق على أو يرفض اتفاقات دولية، مثل اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل الذي صادق عليه كي يستطيع لبنان البدء في تنفيذ التنقيب عن الغاز في مياهه الإقليمية، والذي يبدو أنه لم يظهر منه أي شيء حتى الآن.
كما أن لديه أيضاً مكانة في المواجهات والحروب الإقليمية، ليس فقط في سوريا، كمشاركته في الحرب في اليمن وتعاونه مع المليشيات الشيعية في العراق.
الرؤية السائدة هي أن أي عملية يقررها حزب الله يتم تنسيقها مع إيران، التي أوجدته وبنته، لكن لا توجد هنا علاقات متبادلة كاملة. مثلاً استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية أغضب حزب الله الذي خشي من أن شبكة العلاقات الجديدة هذه يمكن أن تفرض قيود على نشاطاته في لبنان. في تصريحاته العلنية عبر نصر الله عن تقديره بأن هذه العلاقات لن تكون على حسابه، لكن على الأقل في بداية الطريق هو لم يكن واثقا من ذلك.
بيان السعودية بأنها قررت تجميد التطبيع مع إسرائيل اعتبر مكسباً فورياً لحماس ونتيجة مباشرة للحرب في غزة. ولكن حزب الله يمكنه أيضاً تنفس الصعداء بالأساس لأسباب سياسية.
حزب الله دفع نفسه قدما إلى مكانة “قوة دولية” في خدمة إيران. لكن، وتحديداً بسبب كونه ذخر إستراتيجي إيراني أكثر من المليشيا الشيعية في العراق والحوثيين في اليمن، فإن نشاطاته “كمبعوث” يُلزمه بأن يبقى محصوراً داخل المعايير التي تحددها إيران.
وأحد أهم هذه المعايير، وربما الأكثر أهمية في هذه الأثناء، هو الحفاظ على نظام الرئيس الأسد في سوريا.
إيران تخاف، وبحق كما يبدو، من أن مواجهة شاملة بين إسرائيل وحزب الله يمكن أن تحطم هذا الذخر الأكثر أهمية الذي يوجد لها في الشرق الأوسط، والذي حتى الآن امتنعت إسرائيل عن المس به.
لذلك توجد أسباب غير قليلة، لكن أهمها هو الاتفاق غير المكتوب الذي يوجد لها مع روسيا الذي بحسبه المجال الجوي في سوريا سيكون مفتوحا للعمل فيه شريطة أن يواصل الأسد التنفس.
لمن ما هو غير واضح ما إذا كان هذا الخطاب الشديد لروسيا تجاه إسرائيل ونشاطاتها في غزة سيغير أي شيء في هذه المعادلة. على أي حال، النتيجة هي أن الأسد ليس فقط ذخر إستراتيجي لإيران، بل هو أيضاً ذخر إستراتيجي لإسرائيل كجزء من الحفاظ على ميزان الردع بينها وبين حزب الله.
وحزب الله يعترف بذلك جيداً لأنه سمع هذا من إيران عدة مرات في السنوات الأخيرة.
من هنا فإن إستراتيجية “وحدة الساحات” طالما هي قائمة حالياً هي فقط مفهوم لم يجسد نفسه، وليست نوعاً من “تنظيم دفاع إقليمي”، الذي فيه الشريك ملزم بالعمل من أجل شريكه في حالة مهاجمته. اعتبارات حزب الله متسعة وشاملة أكثر من الاعتبارات التي تلزم حماس. وليس من نافل القول إن نذكر في هذا السياق بأنه في العام 2012 قطعت حماس علاقاتها مع سوريا وطرحت الدعم الكامل للعصيان المدني ضد نظام الأسد. هذه الخطوة أدت إلى قطيعة طويلة مع إيران، التي تم استئنافها فقط في السنة الماضية بعد استئناف العلاقات في تشرين الأول 2022 بين حماس والأسد بوساطة حزب الله. حتى الآن تعتبر حماس في سوريا “خائنة” أدارت الظهر للحليف. فهل إيران ستوافق الآن على استخدام حزب الله ضد إسرائيل من أجل حماس باسم استراتيجية “وحدة الساحات”؟. الجواب على ذلك غير معروف، لكن المنطق هو أنه إذا دخل حزب الله إلى المعركة فهذا سيكون باسم “مصالح لبنان” وردا على هجوم كبير لإسرائيل على أراضيه، أي إذا قررت إسرائيل توسيع حجم ساحة الحوار العنيف الجاري الآن بينها وبين حزب الله.
إسرائيل تبنت استراتيجية يمكن وصفها بـ “مرة واحدة وإلى الأبد”، أي تدمير حماس إلى درجة أن لا تقوم لها قائمة، والتخلص من قضية غزة بدون أن يكون لديها أي خطة للاستمرار والخروج من غزة. أصوات كثيرة تحاول الإقناع الآن بضرورة إنهاء قدرة حزب الله “مرة وإلى الأبد”.
الولايات المتحدة التي وضعت قرب إسرائيل حاملتي طائرات لردع تطور جبهات أخرى، تدرك هذا المناخ وهي تدير في موازاة ذلك حملة ضغوط كبيرة من أجل وقف تحول لبنان إلى جبهة.
هذه الضغوط لا تستخدم على إسرائيل فقط، بل تقوم واشنطن أيضاً بتجنيد قطر بسبب علاقاتها القريبة مع إيران وتحاول فحص إذا كانت السعودية ودولة الإمارات يمكنها الإسهام بأي شيء للتأثير على إيران من أجل منع هجمات حزب الله.
غير أنه لا يوجد أي يقين بأن هذه الجهود ستثمر. لكن إزاء هجوم حماس بنتائجه المخيفة والذي لم تتوقعه ولم تستعد له كان عليها الخروج إلى حرب شاملة، فإنه ما زال في إمكانها – فيما يتعلق بحزب الله – إدارة مواجهة متزنة بحيث لا تخرج عن السيطرة.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس – 16/10/2023