وصل رئيس الأرجنتين، خافيير ميلي، أمس إلى إسرائيل في زيارة أولى في الدولة بصفته الجديدة. في الحقيقة، يعدّ ميلي زعيماً شعبوياً، ديكتاتورياً وطنياً متطرفاً، احتفل بفوزه زعماء اليمين المتطرف في أرجاء العالم، لكنه أعلن أكثر من مرة عن دعمه العميق لإسرائيل وعن نيته نقل سفارة بلاده إلى القدس وعن تقربه من اليهودية. بناء على ذلك، ستستقبله إسرائيل بأذرع مفتوحة، إلى درجة أنها قررت ألا تطلب منه تأجيل زيارته حتى لو كان ذلك يعني غياب الرئيس إسحق هيرتسوغ من احتفال الذكرى في باريس، الذي أقيم لذكرى الـ 42 مواطناً إسرائيلياً – فرنسياً، الذين قتلوا في 7 أكتوبر في هجوم حماس.
الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لن يكون الوحيد الذي سيرد باستياء على غياب هيرتسوغ بسبب زيارة ميلي. الرئيس الأوكراني، فولودومير زيلينسكي، كان رفع يده فيما يتعلق بزيارته هو نفسه لإسرائيل. على الفور، بعد 7 أكتوبر، طلب المجيء لزيارة تضامن مع وزير الخارجية الأمريكية. لم يخف زيلينسكي اليهودي يوماً ما تعاطفه مع إسرائيل. وإلى جانب رغبته في جلب دعم لبلاده في حربها ضد روسيا، هو يؤمن وبحق أن مكان إسرائيل هو في التحالف الغربي مع أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي ضد روسيا وإيران وشركائهما.
رغم تفسير زيلينسكي بأن مجيئه مع بلينكن سيبث للعالم رسالة دعم الغرب لإسرائيل، فقد رفضت تل أبيب هذا العرض في حينه. اعتقد رجال رئيس الحكومة أن زيلينسكي سيجذب إليه الأضواء وقد يعطل الدعم الأمريكي لإسرائيل بعد 7 أكتوبر. قالوا له إن الموعد والظروف غير مناسبة، وطلبوا منه القدوم لاحقاً. اضطر الرئيس الأوكراني للموافقة على التأجيل، لكن رغم جهود كييف لتنظيم زيارة فيما بعد، فإنه لم يحدد موعد جديد لها. وتسارع إسرائيل الآن إلى استقبال ميلي. أما زيلينسكي فسينتظر.
تعتقد إسرائيل أن بإمكانها الرقص على كل الحبال، وأن العالم سيستمر بالعفو عنها. بكلمات أخرى، ما زالت إسرائيل تعتقد خطأ أنها تستطيع توثيق علاقاتها مع الناتو دون أن تأخذ على عاتقها التزامات حقيقية وعميقة لصالح أوكرانيا. وتعتقد أنها تستطيع تأييد رئيس هنغاريا الوطني المتطرف فيكتور أوربان، وفي الوقت نفسه التمتع بما لدى الناتو والاتحاد الأوروبي من عروض. وتعتقد أن بإمكانها توثيق علاقاتها مع الدول العربية دون التقدم في القضية الفلسطينية، أو المطالبة بالسلاح والدعم الدبلوماسي من الولايات المتحدة دون الالتزام بالقانون الدولي الليبرالي.
حاولت إسرائيل في السنوات الأخيرة التقرب من الناتو من خلال رؤية أن شعب الريادة والابتكار يملك ما يقدمه للحلف. وهكذا، يجري الطرفان في الأشهر الأخيرة مفاوضات قبل اتفاق إطار محدث للسنوات الأربع القادمة، يحدد نطاق واسع من المواضيع التي يعتزم الناتو وإسرائيل التعاون بشأنها، وقد يعرض الاتفاق تعاوناً في مجال الابتكار والمناخ واستعداد الجبهة الداخلية ومواجهة تهديدات عالمية جديدة، وتكنولوجيا المسيرات، وطب الطوارئ وما شابه. ولكن في الوقت نفسه، تواصل الحكومة الإسرائيلية مغازلة أوربان المغطاة إعلامياً، الذي يلعب لعبة مزدوجة لصالح موسكو منذ غزو روسيا لأوكرانيا، ويضع العقبات أمام انضمام السويد للناتو، ويحاول ابتزاز المكاسب من الاتحاد ومن الولايات المتحدة مقابل موافقته على ذلك.
سارع أوربان لتهنئة ميلي على فوزه في الانتخابات، وكلف نفسه عناء القدوم شخصياً إلى بوينس ايريس لحضور احتفال أداء اليمين. كما أن الرئيس الأمريكي السابق ترامب، هنأ ميلي وقال إن رئيس الأرجنتين الجديد سيحول بلاده إلى دولة عظمى، بالضبط كما حول هو نفسه -حسب قوله- الولايات المتحدة إلى دولة كهذه. هؤلاء الزعماء، الذين يشجعون السياسة المناوئة للهجرة والتقوقع في الذات ورفض منظمات دولية وإنكار أزمة المناخ، قد نضيف إليهم أيضاً رئيس حكومة هولندا الجديد، حيرت فيلدرز، وحزب اليمين المتطرف في السويد.
هل تريد إسرائيل حقاً أن تكون عضو شرف في هذا النادي؟ ففي وقت تدير فيه ظهرها لزيلينسكي وتحتضن ميلي، فإنها بذلك تنقل رسالة خطيرة: من ناحيتها، رغم الحرب في أوكرانيا ورغم الاستقطاب العالمي، فالعالم لم يتغير. لم تستوعب إسرائيل بعد أن على دولة اليهود تحديد الجانب الذي ستقف فيه؛ إلى جانب ميلي وأوربان وأردوغان وترامب، أم إلى جانب زيلينسكي وماكرون وبايدن وزعماء الناتو؟
إن تجنب التوضيح بأنها تنتمي للعالم الغربي هو أكثر من خطأ تكتيكي لإسرائيل. إن اختيار العالم الغربي سيترجم إلى تعاون أمني وارتباط اقتصادي بالعالم المتقدم. هل تسمح إسرائيل لنفسها بالبقاء في الخارج؟ يبدو أنها لم تتخذ القرار بعد. رغم زيارة كبار قادة حماس لموسكو في نهاية تشرين الأول، ورغم العلاقات الوثيقة لموسكو مع طهران، ورغم تعاظم صداقة موسكو لجنوب إفريقيا في إطار “البريكس”، لكن إسرائيل لم تقتنع بعد بأن عليها اختيار جانبها؛ أي جانب الناتو وأوكرانيا والولايات المتحدة.
رينا بسيست
هآرتس 7/2/2024