هآرتس: ما أثر اقتراح ترامب بترحيل الغزيين على التسويات الاستراتيجية مع الدول العربية؟

حجم الخط
1

تسفي برئيل

  “الأردن لن يكون الوطن البديل للفلسطينيين ذات يوم”، هذا ما قاله الملك عبد الله، ملك الأردن، في خطاب ألقاه في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في أيلول الماضي. في حينه، كان على الملك مواجهة تهديدات اليمين المتطرف في إسرائيل فقط. أما في هذا الأسبوع، فقد أقلقه أن سمع على لسان الرئيس ترامب تحويل الأردن إلى وطن للفلسطينيين ويكون السياسة الرسمية للبيت الأبيض. الملك نفسه لم يرد بعد علناً، ولا نعرف ما الذي قاله ترامب، لكن اقتراح الرئيس “الإنساني” أثار عاصفة عامة شديدة. يبدو أن الأردن ومصر تنويان تجنيد السعودية ودول عربية أخرى تعتبر حليفة للولايات المتحدة لإنزال ترامب عن هذه الشجرة.

الأردن، الذي يستضيف على أراضيه الآن نحو مليون لاجئ سوري وعراقي وغيرهم، إضافة إلى أكثر من مليوني لاجئ فلسطيني، يقف الآن أمام تهديد تهجير الفلسطينيين في سنة 2019 عندما اقترح ترامب نفسه استيعاب مئات آلاف الفلسطينيين مقابل مساعدات مالية في إطار “صفقة القرن. في حينه، رفض الأردن هذا العرض. والآن يعود هذا التهديد، ويرى فيه الأردن مشكلة بالحفاظ على هويته خصوصاً في دولة ثلثا مواطنيها من أصل فلسطيني، الذين يهزون الدولة في كل مرة يكون فيها حدث مهم في “المناطق” [الضفة الغربية].

خلال عقدين فحص الأردن بتشكك وخوف الحوار في إسرائيل حول إقامة وطن بديل للفلسطينيين. وكان مطلوباً في كل مرة تصريحات تهدئة من قبل زعماء إسرائيليين للتوضيح بأن إسرائيل لا تنوي تغيير هوية المملكة الديمغرافية. في فترة الحرب في غزة، عندما ظهرت إمكانية طرد آلاف الغزيين إلى مصر ودول أخرى مرة أخرى، حصل الأردن ومصر على وعود من إسرائيل بأنه لا نية للبدء في عملية الترانسفير من القطاع. مصر لا تثق بتعهدات إسرائيل، وحتى إنها جربت في العام 2008 “اقتحام” مليون ونصف فلسطيني لحدودها بعد قيام حماس بتفجير جزء من الجدار الفاصل بين غزة وسيناء. في بداية الحرب في غزة، كثفت المنظومة العسكرية على طول الحدود وحذرت من أنها لن تسمح لأي فلسطيني باجتياز حدودها بدون تصريح. في الحقيقة، ليس للأردن حدود مشتركة مع غزة، لكنه أوضح لإدارة الرئيس بايدن، التي فحصت إمكانية نقل آلاف الفلسطينيين إلى شبه جزيرة سيناء، بأنه إذا حصلت هذه العملية على الشرعية فستستغلها إسرائيل لتنفيذ عملية ترحيل من الضفة إلى الأردن. خوف الأردن فعل فعله، فقد أوضح وزير الخارجية أنتوني بلينكن علناً في كانون الثاني الماضي بأن على “المواطنين الفلسطينيين العودة في اللحظة التي تسمح فيها الظروف بذلك. محظور الضغط عليهم للخروج من غزة. ووعد نتنياهو بأن سياسة إسرائيل ليست التشجيع على الهجرة الطوعية من القطاع”.

بايدن وبلينكن ذهبا ومعهما رفع “السور الدفاعي” الذي وفراه ضد هستيريا اليمين في إسرائيل، التي تحصل الآن على رياح داعمة من ترامب. ولكن الأردن يعتمد على المساعدات التي يحصل عليها من الولايات المتحدة. وقع الأردن معها في 2022 على اتفاق مساعدات سخي لعشر سنوات، بمبلغ 10 مليارات دولار. باستثناء ذلك، يبلغ حجم تجارة الأردن مع الولايات المتحدة 3 مليارات دولار في السنة. وبعد تجميد ترامب كل المساعدات الخارجية التي تعطيها الإدارة لدول العالم في الأسبوع الماضي، باستثناء مصر وإسرائيل، فمن غير الواضح ماذا سيكون مصير هذا الاتفاق الذي استهدف إنقاذ الأردن من الأزمة الاقتصادية الشديدة التي وجد نفسه فيها، بعجز يبلغ 2.2 مليار دولار في الميزانية، ونسبة بطالة 21 في المئة.

المطلوب من الأردن الآن السير على أطراف الأصابع لضمان سلامة المساعدات وعدم المس بالتسهيلات الضريبية التي يحصل عليها من الولايات المتحدة. ولكن في المقابل، كل إضافة للاجئين فيه تعني عبئاً اقتصادياً غير محتمل. تقدر تكلفة “استضافة” اللاجئين في الأردن الآن بنحو 2 مليار دولار في السنة، والمساعدات التي يحصل عليها مقابل ذلك آخذة في التناقص. في الفترة الأخيرة، قررت المملكة فرض رسوم على رخص العمل التي يحصل عليها الغزيون الذين لا يحملون الجنسية الأردنية، بعد أن ألغت هذا الاعفاء للاجئين آخرين من هذه الرسوم المرتفعة البالغة 500 دولار في السنة.

هنا يكمن التهديد الآخر الذي تضعه فكرة الترانسفير الفلسطيني على الأردن. استيعاب اللاجئين من سوريا والعراق لا يلقي فقط تكاليف زائدة على البنى التحتية المدنية مثل المياه والكهرباء والصحة والتعليم، بل يتسبب أيضاً بفقدان آلاف أماكن العمل للمواطنين الأردنيين – تم استبدالهم بقوة بشرية رخيصة وفرها اللاجئون. أجرة الشقة ارتفعت بشكل دراماتيكي ومعها غلاء المعيشة، إلى درجة أن جزءاً من الطبقة الوسطى هبط إلى ما تحت خط الفقر.

من ناحية نظرية، على فرض أن على الأردن استيعاب حوالي نصف مليون غزي من المليون ونصف مواطن الذين يقترح ترامب إخلاءهم، فربما يأتي هذا الترانسفير مع رزمة مساعدات حقيقية بمبلغ 2 مليار دولار في السنة على الأقل – بحساب تخصيص 3 آلاف دولار لكل لاجئ في السنة. هذا مبلغ الحد الأدنى، وهو كاف، ولكن بصعوبة لتغطية الاحتياجات الجارية. هل سيوافق ترامب على تمويل هذه الرزمة؟ ولأي فترة؟ لا يدور الحديث فقط عن الأردن؛ لأن مصر أيضاً التي -حسب الحسابات النظرية يتعين عليها استيعاب مليون غزي- ستطالب بمساعدات مشابهة؛ أي حوالي 4 مليارات دولار في السنة. هناك شك كبير إذا كان ترامب باستطاعته تجنيد الدول المصرفية المعتادة – السعودية والإمارات وقطر – لتوفير هذا التمويل، في الوقت الذي تنشغل فيه بتخطيط إعادة إعمار سوريا ولبنان، ولاحقاً سيطلب منها المساعدة في إقامة سنغافورة على شاطئ غزة، حسب رؤية ترامب.

في مصر، مثلما في الأردن، قضية ترحيل الفلسطينيين تهز المشاعر الوطنية، التي تطالب بإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وليس أقل من ذلك الخوف الأمني والاقتصادي. مصر، التي تواصل حرباً لا هوادة فيها ضد المنظمات الإرهابية الإسلامية في شبه جزيرة سيناء لا تحتاج إلى إضافة مليون فلسطيني، لأنه حتى لو تم وضعهم في سيناء فربما يقيمون قواعد لنشاطات إرهابية، ليس ضد إسرائيل فحسب، بل ضد مصر نفسها أيضاً. وإذا كان الأمر هكذا، فإن مصر التي يعيش فيها الآن 100 ألف لاجئ غزي، من بين الـ 9 ملايين لاجئ ومهاجر عمل يعيشون فيها، تبنت سياسة متشددة من خلال نية منع التمركز الفلسطيني فيها.

على سبيل المثال، يجب على معظم اللاجئين الفلسطينيين العيش في العريش، التي هي محبوسة داخل جدران وحواجز عسكرية. لا يسمح لهم بالعمل وتأشيرات المكوث مؤقتة، وفي معظمهم يعتبرون ماكثين غير قانونيين، الذين يمكن طردهم وحتى اعتقالهم في أي لحظة. مقارنة مع الأردن، فإن مصر لا تسمح للأونروا بالعمل في أراضيها، باستثناء ممثلية رمزية، وهي تضع قيوداً مشددة على نشاطات منظمات الإغاثة الأخرى. من ناحية رسمية، وافقت مصر على استيعاب 5500 مريض ومصاب من غزة، لكن المطلوب من هؤلاء تلبية شروط مكوث مشددة – محظور عليهم مغادرة حدود المستشفى إلا بمرافقة رجل أمن، ولا يمكنهم إدخال معدات خاصة أو حتى ألعاب للأطفال.

في الحقيقة، مصر تحصل من أمريكا على مساعدات أمنية بمبلغ 1.3 مليار دولار في السنة، مثلما جاء في اتفاق كامب ديفيد، وعلى مساعدات اقتصادية بمبلغ متغير. ولكن مقارنة مع الأردن، فإن المساعدات الأمريكية جزء صغير من إجمالي المساعدات التي تحصل عليها من الدول العربية مثل السعودية وقطر والإمارات. القيمة الحقيقية للمساعدات الأمريكية تكمن في حقيقة أنها تعطي لمصر الدعم المطلوب للحصول على القروض من مؤسسات التمويل الدولية. ولكن إذا كان ترامب ينوي التمسك باستيعاب القاهرة لمئات آلاف الغزيين، فربما يدفعها ذلك إلى مفترق طرق خطير قد يحدد مصير تعاونها مع الولايات المتحدة، وحتى وضع اتفاق السلام مع إسرائيل في الاختبار.

لكن حلم الترحيل لترامب لا يعتبر مشكلة أردنية أو مصرية فقط؛ لأنه قد يؤثر على شبكة العلاقات بين الدول العربية والولايات المتحدة، ويختبر قدرة الأنظمة العربية، منها الأنظمة التي تعتبر حليفة استراتيجية للولايات المتحدة، على التعامل مع الضغوط العامة التي قد تثيرها خطة كهذه. في هذا الوضع، فإن حلم التطبيع بين إسرائيل والسعودية قد يكون الضحية الهامشية لمشروع ترامب العقاري في قطاع غزة.

 هآرتس 27/1/2025

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية