فاز العراق في منافسته مع لبنان. نجحت الحركات السياسية والدينية في التوصل إلى اتفاق بعد سنة على الانتخابات البرلمانية وجولات لا تحصى من الجهود من أجل تشكيل حكومة وانتخاب رئيس. في تشرين الأول، تم انتخاب رئيس هو عبد اللطيف رشيد، وعين على الفور محمد السوداني رئيساً للحكومة، الذي عرض حكومته على البرلمان خلال أسبوعين وحصل على مصادقته. في لبنان كانت هناك انتخابات في أيار، ولم يظهر في الأفق أي حل سياسي.
هاتان الدولتان تعانيان من بلاء مشابه: مجتمع طائفي؛ ينقسم في العراق بين السنة والشيعة والأكراد، وفي لبنان بين السنة والشيعة والدروز والمسيحيين. يستند توزيع الحقائب الوزارية في الدولتين إلى حصص طائفية. الرئيس في العراق يكون كردياً، وفي لبنان مسيحياً. يكون رئيس الحكومة في العراق شيعياً، ورئيس البرلمان سنياً. ويكون رئيس الحكومة في لبنان مسلماً سنياً، ورئيس البرلمان شيعياً. الدولتان تتنافسان على لقب الدولة الأكثر فساداً في العالم. ولإيران فيهما دور كبير في توجيه العملية السياسية. “حزب الله” مندوب مصالح إسرائيل في لبنان، وعدد من الأحزاب والمليشيات الشيعية في العراق هي ركيزة لإيران.
الفرق الرئيسي بين الدولتين يكمن في الأرض؛ فالعراق لديه احتياطي النفط الثالث من حيث حجمه في العالم، ولديه كميات مجهولة من الغاز. ثمة صندوق فارغ بدون مصادر دخل في لبنان، وقد يمتلئ قليلاً بفضل اتفاق الغاز. لكن في العراق، رغم المخزون الطبيعي فيه فإنه بعيد أن يوفر احتياجات السكان هناك، ويضطر لشراء الغاز والكهرباء من إيران ويعيش ثلث المواطنين تقريباً حت خط الفقر.
مثلما هي الحال في لبنان، فإن تشكيل حكومة متفق عليها وتعيين رئيس للعراق لا يعتبر ضمانة للاستقرار السياسي وإعادة ترميم الاقتصاد. تم تشكيل الحكومة العراقية باختطاف سياسي، استغل انسحاب رئيس الكتلة السياسية الأكبر، مقتدى الصدر، من الحياة السياسية وخروج حركته من البرلمان. وهكذا تحولت الكتلة المناوئة، “الإطار التنسيقي”، التي لديها 140 عضواً في البرلمان من بين الـ 329 عضواً، إلى الكتلة السياسية الأكبر. هو الذي عين الرئيس وقدم المباركة للحكومة ورئيسها.
ينتمي السوداني (52 سنة) لجيل السياسيين الوسط. تم إعدام والده وخمسة من أبناء عائلته في عهد صدام حسين. وعندما كان في جيل العشرين، شارك في التمرد الشيعي الفاشل ضد النظام. بعد احتلال العراق في 2003 شغل مناصب في الحكومة المؤقتة، وبعد ذلك أصبح وزيراً لعدة وزارات. وقد انسحب من حزب الدعوة المؤيد لإيران من أجل التنافس في الانتخابات كمرشح مستقل. وسعى بجهد، ولكن بدون نجاح، ليثبت أنه ليس رجل إيران في بغداد، أو رجل الولايات المتحدة كما يتهمونه.
عرض خطته على البرلمان في وثيقة مطولة لإعادة إعمار الدولة وتطويرها، وحصل على تصفيق وهتافات. وثمة شك بأن أحداً هناك قرأ هذه الخطة، لأن وثائق مشابهة يعلوها الغبار، إذا لم يكن العفن، في جوارير رؤساء حكومات سابقين. لا يمكن رؤية حلم آخر الزمان أفضل من ذلك، في وثيقة للإصلاح الاقتصادي ومحاربة الفساد، وسياسة خارجية لتحسين العلاقات مع جميع الدول، وبناء مصادر محلية لتزويد الكهرباء، وتسويات جديدة لتوفير المياه، وإيجاد أماكن عمل كثيرة وقانون انتخابات جديد.
لكن خارطة الطرق المشجعة لها موعد صلاحية قصير. تعهد السوداني بإجراء انتخابات مبكرة خلال سنة من تعيينه، وصياغة قانون جديد للانتخابات خلال تسعين يوماً. وهي طلبات وضعها خصمه مقتدى الصدر لوقف الاحتجاج الذي قتل فيه نحو 30 شخصاً، عندما عُرفت النية من وراء تعيين السوداني. ورغم أن الصدر ليس عضواً في البرلمان ولا يشغل رجاله مناصب في الحكومة، فإن الأفضل للسوداني وللكتلة السياسية التي يستند إليها الاستجابة لطلباته إذا أرادوا مرور سنة على الأقل لولايته الأولى بهدوء نسبي. من الواضح أن سنة لن تكون كافية لإعادة إعمار دمار عشرات السنين أو الحصول على نتائج اقتصادية مهمة. ومشكوك فيه إذا كان البرلمان سينجح في صياغة قانون جديد للانتخابات، الذي يعني إعادة تحديد مناطق الانتخابات بصورة قد تضر بقوة تقليدية لزعماء محليين وطوائف وأحزاب، عرفوا كيفية استغلال التركيبة الديمغرافية للمحافظات.
احتاج الأمر في لبنان أربع سنوات لصياغة قانون جديد للانتخابات. وعندما صودق عليه نهائياً في 2017 تبين أن تعديلات طفيفة في أساسها، وأنه لا يمكنها إلغاء طريقة الانتخابات الطائفية، التي تملي قواعد اللعب السياسية وتقسيم الموارد. لا يتوقع العراقيون نتائج مختلفة.
لكن إخفاقات النظام في العراق تثير الاهتمام عندما تُخرج الجمهور إلى الشوارع وتثير مواجهات عنيفة وتهز “استقرار الدولة”. القضية الأكثر إقلاقاً، خاصة للغرب، هي: هل ستكون الحكومة العراقية مؤيدة لإيران أكثر من سابقتها إذا وثقت علاقاتها مع الولايات المتحدة؟ وكيف ستندمج في النسيج الاستراتيجي الإقليمي؟ الإجابة أن أي حكومة في العراق، مرتبطة اقتصادياً بإيران وهي قريبة منها من ناحية دينية، لكنها ليست أسيرة حرب لديها.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 7/11/2022