تفاعل المثقفون العرب مع خبر رفض يورغن هابرماس جائزة الشيخ زايد تفاعلاً إيجابياً، دلل على أنّ هناك وعياً بما يجري وراء التمظهر المغالي بدعم الثقافة والمثقفين، وما يرافقه من اختلاقات ومضاربات. وقد تفاوتت صور هذا التفاعل الإيجابي وتنوعت حدته، كما تباينت طرائقه عند الكتّاب العرب، فمنهم من ذهب إلى التاريخ، مذكرا بوقائع مماثلة لكتاب رفضوا بشجاعة مغريات جوائز مشابهة.
ومنهم من اتخذ طريق النصح وضرورة أخذ الدرس والعظة، اعتبارا بما في الحاضر من صور نهتدي بها لمستقبل أفضل. ومنهم من وجد فرصة للحديث عن مسيرة هذا الفيلسوف وإنجازاته، معرِّفاً بمشروعه الفرانكفورتي النقدي، ونظريته في الفعل التواصلي، معرِّجاً على موقفه المؤيد لإسرائيل، والداعم للتطبيع ضاربا بذلك عصفورين بحجر واحد.
ومنهم من كان شامتا ومتشفيا مطالبا المثقفين العرب جميعا بشرف الموقف ونقاء الضمير، وكأنه لا مثقفون عرب كانوا مبدئيين، رفضوا الترشح لتلك الجائزة، ومنهم من ذهب إلى التذكير بسلطة الصحافة، ضارباً المثل بمجلة «دير شبيغل» الألمانية التي دلّت الفيلسوف هابرماس على طريق الحق حين كتبت تقول: «قبول واحد من أهم الفلاسفة الألمان جائزة دولة تشتهر بالقمع، وتنعدم فيها الحياة الديمقراطية، مؤشر يبعث على الإحباط.. هل يمكن أن يتحول هابرماس إلى أداة دعاية إماراتية يتم توظيفها لإخفاء وحشية نظام الحكم، وراء ستار دخان من المفردات السامية والتأنق الثقافي» وانتهت بجملة تعبر عن خيبة أمل متوارية (عندما يلتقي العقل والقوة، تفوز القوة).
وكثيرون هم المثقفون العرب وكثيرات هن المثقفات العربيات من ذوي الوعي الأصيل، والإدراك الصميم بالطبيعة المسرحية والدعائية لهذه المسابقات ولا أقول الجوائز، لأن الجائزة تمنح للمبدعين مباشرة، ولا تُرشح لها الكتب بمعنى أن الأديب لا يبادر بشكل شخصي، ويرسل نتاجه إلى الجائزة أو ينوب عنه الناشر بذلك.. إلى جانب أن الجوائز عندنا غير مستقلة وأغلبها بلا تقاليد، سواء تلك التي تحمل اسم حاكم عربي أو تلك التي تمثل سياسة المؤسسة أو البلد الذي يمنحها. وقد لا تتوافق هذه السياسة مع ما يؤمن به المثقف، وما يسعى إليه من أهداف وما يحمله من مبادئ.
وما زال بعض الأدباء والمفكرين العرب يرفضون مبدأ الدخول في سباق مع آخرين مرشحين يختلفون كل الاختلاف عنهم في مواهبهم وقدراتهم، وقد لا يعرفون من الكتابة الأدبية التزاما بقضايا، بل إن منهم من رشح نفسه ولم يمارس كتابة هذا اللون من الإبداع قبل ذلك أصلاً، أي ليس له نتاج إلا هذا الواحد يتيم الدهر، الذي يشارك به، والذي كتبه ربما طمعا بقيمة الجائزة الدسمة، التي غالبا ما تكون وراء اندفاع بعض حديثي العهد بالكتابة الأدبية من طلاب جامعات أو كسبة أو موظفين للمشاركة بحثا عن الحظ..
ولأن بعض الأدباء والمفكرين العرب كانوا يعلنون قبولهم بالجوائز مبدئياً، ثم يرفضونها حينما تمنح لهم فعلياً، لذا لجأ أصحاب تلك الجوائز إلى استحصال إقرارات ممن يشكون بنواياه سلفا، ويترتب على هذا الإقرار دفع الغرامة عند رفض الجائزة. وقد بدأت المؤسسة الثقافية زمن صدام حسين بابتداع هذا الإجراء في تسعينيات القرن الماضي.
وما كان لنجيب محفوظ أن ينال جائزة نوبل العالمية المعروفة بتقاليدها إلا لأنها هي التي اختارته، بناء على ما قدّمه للأدب الإنساني من روائع قصصية وروائية، بينما نال غيره من المبدعين العرب جوائز هي ليست عينية، بل معنوية في شكل ألقاب منحتها لهم أوساطهم الثقافية، تكريما لإنجازاتهم، وما أضافوه من عطاءات، فكان لقب عميد الأدب العربي مخصوصا بطه حسين، ولقب شاعر العرب الأكبر تكريما للجواهري، ولقب عميد المسرح العربي ليوسف وهبي، ولقب شيخ عميد المسرح العربي والافريقي للفنان يوسف العاني وغير ذلك. وما زلنا في الحقيقة بحاجة إلى تعميق هذه الثقافة التي تجعل معيار الفوز والامتياز هو التكريم من لدن الوسط الثقافي العام نفسه، وليس من جهة محددة، أو تشكيل مؤسس له ما له وعليه ما عليه. وعند ذاك فقط يتحقق التميز باستقلال وإجماع ليس فيه ترشحات مسبقة، وتدخلات خاصة وعلاقات مريبة.
وهنا يأتي السؤال المهم: من الذي له الحق في أن يصف هذا المرشح بأنه الروائي الأبرز، وذاك بأنه الشاعر الأبرع، وهذا بالمثقف الأفضل، وتلك بالكاتبة الأروع؟
إن المثقفين العرب واعون ومتيقظون لهذا المنزلق الخطير، فلا ينجرف إليه منهم إلا من أغواه المال، ولم تحصنه مبدئياته من المغريات ليقع في مصائد الترغيب ومكائد التغرير، التي بها يراد إفراغ الثقافة من فواعلها وإظهارها بمظهر راكد.
بالطبع هذا التفضيل هو نتاج تقييم لجنة التحكيم المؤلفة من أعضاء، وبعض هؤلاء الأعضاء ليسوا عربا وقد ينطقون بالعربية الفصيحة، لكنهم يجهلون دارجها المتنوع، وغير عارفين بأن في ثقافتنا بعدا إبداعيا غير منظور وغير مدون هو موروثها الشعبي، وهو غني وزاخر بشكل قد يوازي ما هو مدون ورسمي. ولا نقول إن بعض أعضاء لجنة الجائزة من العرب يعوزهم التقدير السليم ولا يملكون الباع الكافي ولا التخصص الدقيق للتحكيم، لكننا نقول إن ذلك كله لن ينفع إذا كان الضغط حاصلا عليهم لعوامل موضوعية وغير موضوعية، ليجبروا على أثرها بتغيير نتائج تحكيمهم تبعا لطبيعة الظرف وتقلبات الحال.
إن المثقفين العرب واعون ومتيقظون لهذا المنزلق الخطير، فلا ينجرف إليه منهم إلا من أغواه المال، ولم تحصنه مبدئياته من المغريات ليقع في مصائد الترغيب ومكائد التغرير، التي بها يراد إفراغ الثقافة من فواعلها وإظهارها بمظهر راكد. وليس المثقف العربي بالكسول ولا البليد لينتظر من الإعلام خبرا يصحح على إثره مساراته، متراجعا عن خط لم يكن يعلم خطورته إلا بعد أن تراجع الفيلسوف المخضرم، وأعلن ندمه على قبول أن يكون شخصية هذا العام، التي هي واحدة من مجموعة مجالات تمنح جائزة الشيخ زايد فيها عطاياها، علما أن الأعطية المخصصة لشخصية العام، وعادة ما تكون هذه الشخصية أجنبية، هو أضعاف ما يمنح للفائز العربي في حقول الأدب والنقد والتشكيل والترجمة وغيرها. إن الأنتلجينسيا العربية ليست بهذه البلادة، كي تنطلي عليها ألاعيب السياسة وحبالها المتشابكة، بل هي مدركة وراصدة لما يجري على ساحتنا العربية من بهرجيات ومظاهر لا تضيف للثقافة العربية خيراً، ولا تدفع عنها ضراً كونها لا تميز بين حابل ونابل لن يجتمعا أبدا. ولعل أهم ما كشفه رفض الفيلسوف الألماني هابرماس هو أن في ثقافتنا العربية مظهريات هي منها براء، وليس للأنتلجيسنيا العربية يد فيها.
وخير مثال نبرهن به على واحدة من تلك المظهريات التي لها نفعها للجائزة، لكنها ليست ذات أهمية للثقافة والمثقفين العرب، البحث عن أسماء لامعة عالميا، تحقق للجائزة صيتا من جانب، لكنها من جانب ثان تفرغ الثقافة العربية من أي ثراء، فتظهرها بمظهر المفتقر إلى الإنجاز الفكري.
وعلى الرغم من كل القيل والقال، يظل رفض الفيلسوف يورغن هابرماس لتلك الأعطية الباذخة، بمثابة درس قاس ليس للمثقفين بل للأبواق والرؤوس التي ينبغي عليها أن تتعظ منه، وتتعلم خطورة ثقافة الرعاية والدعم حين تكون حقيقتها مظهرية وليست صميمية وغايتها توطيد حالة الخواء الفكري والثقافي في بلادنا العربية، وإشاعة روح الافتعال والتبهرج على حساب الصدق والأصالة. وبالشكل الذي إن استمر في التراجع، فإنه سيقوض أساسات ما بناه الأسلاف قبلنا عبر العصور. وليست ثقافتنا الحقيقية بهذا المظهر الفقير والكاذب، مما تحاول هذه الجوائز عكس صورته للغرب، بل ثقافتنا غنية بأسماء مثقفين ومفكرين وباحثين، رفدوا وما زالوا يرفدون العقل العربي بمشاريع جريئة ومبتكرة، وبإمكانياتهم الذاتية أحيانا، موليين وجههم شطر الأصالة والحقيقة لا شطر الدجل وماكنته الخبيثة. ولأن لهؤلاء باعهم في مد الثقافة بالجديد الفاعل والجاد الأصيل، استحقوا الفوز والإشادة اعترافا واحتفاء، لكن أنّى يكون لمثل هذا الطيف من المثقفين الأصلاء جوائز أو حتى اهتمام.. وما تريده الجوائز هو إسقاط خوائها على ثقافتنا العربية المستقلة والشريفة، من خلال تمييز من يركض لاهثا وراء الأعطيات والهبات ومن وضاعته تجعله يبيع الإبداع في أي مزاد غير أصيل الثقافة، تلهفا للشهرة وعجالة في بلوغ الحظوة.
وبالطبع هذا أمر لم يعد بالجديد ولا الخافي، لكنه للأسف آخذ في التوسع والازدياد، وليس أمامنا سوى الانتباه الذي به نحول دون تنفيذ أجندات الالتفاف التي تبغي تفريغ الثقافة العربية من أي بوادر أو إنجازات أو مشاريع فكرية فاعلة.
أكاديمية عراقية