هامش الهامش في رواية «الهامش» للأردني خالد سامح

يقول الروائي العراقي وارد بدر السالم: «إن النص الروائي في سردياته المتعددة هو سرد معرفي، وهذه المعرفة هي تراكمات زمنية دائرية؛ اجتماعية وسياسية وتجاربية ونفسية مجتمعة، وإن إنتاج النص بالضرورة هو إنتاج للمعرفة، تخلصت من حدود الفرد إلى العام الاجتماعي والإنساني». ولذا فإن رواية لا تشكل قيمة مضافة للمعرفة لا يُعتد بها، وليس شرطًا أن تكون المعرفة معلومات وعلومًا، فاللغة الجميلة، والجمال السردي، والحبكة المتقنة، وكل إضافة جديدة للقارئ معرفة.
وقد جاءت رواية «الهامش» لخالد سامح، نصًا معرفيًا وازنًا، لم تشطح في الخيال، بل نسجت خيوطها من الواقع بمهارة وإتقان، هذا الواقع المترع بالحكايات التي تستفز أي مبدع أن يغوص فيه، ويكتب عنه؛ ففيه ما هو أكثر خيالًا من الخيال، وأكثر سوداوية من أي ديستوبيا.
تستدعي الرواية للكتابة حول زوايا كثيرة فيها: سقوط بغداد وما تلاه من فوضى عارمة، ليل عمان الذي يتم فيه كل شيء، وما النهار إلا للإخراج والمونتاج، المثليون في عمان وعالمهم. الصحافة والفن. باعة الأوطان. الأمراض النفسية. التطرف والإرهاب. الحراك السياسي. التنازلات والتحولات، بالإضافة إلى سلاسة السرد وعفويته، وجمال اللغة، ودهشة القص ومتعته، والعنوان المشبع بالدلالات والإيحاءات، والاستهلال الموفق، والنهاية المحيرة التي تقرع أجراس الخطر!

المدينة المغيبة

وعلى الرغم من أن كل العناوين السابقة مغرية، إلا أني فضلت الكتابة عن «الزرقاء»؛ لأن الزرقاء مغيبة نسبيًا عن الرواية الأردنية، وكأنه كُتب عليها أن تكون على هامش الهامش في كل شيء، وفي ذلك يقول القاص هشام البستاني عن الرواية: «بعض أحداثها تدور في الزرقاء، المدينة التي توسّعت بشكل سريعٍ وفوضويّ، ومن ذكاء الرواية أنّها تلتفت إلى أن هامش الهامش هذا قد أنجب (ويا لسخرية الأقدار) شخصيّة محوريّة ومركزيّة في تاريخ تقلّبات المنطقة ومصائر سكّانها: أبو مصعب الزرقاوي؛ ومن ذكاء الرواية أيضًا أنّها لا تتبَّع المكان الزرقاويّ من حيث هو جغرافيا مكانيّة، بل من حيث هو تفاعل مجتمعيّ، بوتقةٌ تتركّز فيها مختلف النتائج الاجتماعيّة للقهر والقمع والفقر والفساد». وقد لخص البستاني صورة الزرقاء والزرقاويين، كما جاءت في الرواية، ويبقى التفصيل على عاتقنا. لم تكن الزرقاء في الرواية فضاءً مكانيًا مؤثرًا، بل مجرد مكان ما، ولو لم ترد كلمة «الزرقاء» و«الغويرية» لما عرفنا أن بعض الأحداث تجري في الزرقاء، وهذا الإغفال لم يأت عبثًا، بل مقصودًا للتأكيد على هامشية الزرقاء، وأنها مدينة منسية، ليست في حسبان صاحب القرار، بالإضافة إلى أن أي مكان في الزرقاء يمثل المدينة كلها، فلا فروقات جوهرية بين مكان وآخر في الزمن الروائي الذي انتهى ربيع 2006، فالزرقاء قرية كبيرة، ووجود بعض القصور فيها يبدو شاذًا، أشبه بدمامل على وجه المدينة لا يمت لها بصلة.

الزرقاء، هذه المدينة التي تعيش على هامش الحياة في الأردن، ولا تمثلها أي أصوات وازنة في إدارة الدولة، هي «مدينة بزي كاكي ودخان أسود وفوضى عارمة، وكغيرها من البقع الشعبية المكتظة في العالم، لا يبرحها المتضادون: القوادون والقديسون، المثقفون والمشعوذون، الشرفاء واللصوص، العقلاء والحشاشون، الغاوون والأتقياء.

حازم، الشخصية الرئيسة، يعمل في صحيفة يومية، وبسبب معضلة المواصلات انتقل من الزرقاء للسكن وحيدًا في عمان، ولكن هل انتقاله: بسبب المواصلات؟ أم ليقفز من الهامش إلى المركز؟ أم لينال حريته بعيدًا عن القيود الاجتماعية؟ وهو يعاني من الاكتئاب، يراجع طبيبًا نفسيًا على مدار سنوات بدون جدوى، ولكن الطبيب أرجع سبب مرضه لاهتمامه بالهامش على حساب الذات، وفسر ما يقصده بالهامش: «كل ما يقع خارج ذاتك فهو هامشي». ولكن حازم استسخف رأي الطبيب، واعتبرها أنانية مفرطة، لا تتفق وميوله الفكرية. ومع ذلك بقي حازم شخصية هامشية، لم يكن فاعلًا، بل تابعًا، منقادًا، مستسلمًا، متنازلًا؛ كان يسمع لأبيه بدون أن يناقشه في شيء، يسمع والدته تهاتفه كل يوم ولا يستفسر أو يهتم، يتلقى أوامر رئيسه وصراخه وطرده، بدون أن يتخذ موقفًا، ينقاد للهيب ويجري وراءها ويلبي نداءها بدون تردد، ولم يتخذ أي خطوة تجاهها، بل كانت هي المبادرة المسيطرة، وحتى مبادئه المناهضة للسياسة الأمريكية تبخرت بتنازلاته المتكررة؛ فقد التحق بورشة عمل مدعومة من (USID) الأمريكية، وبدورة ترجمة متقدمة في المركز الثقافي الأمريكي، بالإضافة إلى تنازلاته المستمرة لرئيس التحرير وسكوته عن إهاناته. وعلى العكس من حازم كانت العراقية «لهيب» التي كانت ذاتها هي الأساس في كل أفعالها؛ عملت في وزارة الخارجية قبل سقوط بغداد، وعملت مع الأمريكيين بعدها، وفي الأردن استغلت عملها في الملهى الليلي لاصطياد المعلومات وتجميع أسرار الطبقة الليلية، وفرضت زواجًا مؤقتًا على صاحب الملهى، ورصيدًا بعشرة ملايين دينار، واستغلت حازم لفتح مجالات الترجمة لها، والبحث عن مكان للغاليري والترويج له، وإشباع شهواتها منه، ومن ثم تخلت عنه وهجرته فجأة بدون رجعة.
حازم ليس نموذجا لشباب الزرقاء، وإنما أحدهم، ضحايا الظروف القاهرة، والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الطاحنة، التي تؤدي إلى تحولات كبيرة على مستوى الفرد والمجتمع، فلئن كانت هذه ردة فعل حازم وسلبيته والتيه الذي يعيش فيه، فقد كان «رامي» أيضًا ضحية تحول باتجاه آخر، فعلى الرغم من أنه ولد بعد عشر سنوات من الانتظار، إلا أنه ترك دراسته والتحق بالجماعات المسلحة في العراق، ووضع أسرته في أتون الحزن والترقب، ورمى أمه في بئر الحسرة والجنون، ربما يكون «رامي» رقمًا هامشيًا في العراق، لكن سبقه من قبل «أبو مصعب الزرقاوي» الرقم الصعب، المطلوب رقم 2 أمريكيًا، الذي جعل من الزرقاء «مدينة عالمية»؛ باسمها وصور حاراتها، وهي شهرة لا تسر صديقًا، ولا يرغب بها أحد.
كان بيت أسرة حازم في الزرقاء، صالونًا نسائيًا مفتوحًا للموضوعات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتناقل الأخبار والإشاعات وتحليلها، وهو يمثل نموذجًا للبيوت الشعبية، حيث تجتمع الجارات للحديث في كل شيء. والجميل أن حازم كان يسلم بكل أريحية على الجارات عندما يحضر، ويجالسهن، ثم ينتقل إلى الداخل، حيث والده العسكري المتقاعد، الذي يجالس شاشة التلفزيون على مدار الساعة؛ يتنقل بين القنوات الإخبارية والدينية، ويزداد مع الأيام تشددًا، فيستغل زيارة حازم لوعظه وتحذيره من المعاصي والآثام.
صورة الجارات متحركة متفاعلة متجددة، على الرغم من بساطتها وعفويتها، إلا أن صورة أبي حازم جامدة سلبية، فهو أسير الشاشة، وهكذا مصير معظم المتقاعدين، مع أنهم أصحاب خبرة وكفاءة، مصيرها الضياع بدون أن تحاول الدولة والمؤسسات المختلفة استثمارها.

وعلى هامش مدينة هامش الهامش، ثمة قصص وحكايات ومشاهد لا بد منها لتكتمل الصورة منها: «عبير» التي أحبها حازم، فهددته والدتها بأن يبتعد ويتركها في شأنها، فهي لا ترضى أن تكون ابنتها زوجة لشاب آخرته معلم مدرسة، وزوجتها لقريب ثري يعمل في السعودية. وصورة «وليد» الذي انتحر على عمود كهرباء بعد أن أصيب بمرض نفسي شديد، ولم تفلح معه أي علاجات أو أطباء أو مشعوذين. ومشهد «نورا» التي جرجرها أخوها وعمها وطعناها بالسكاكين ثارًا لشرفهم المراق، وسلما نفسيهما للشرطة بفخر. أما الجارة المسيحية «نهلة» التي تدخلت بالحديث بعد هرب «رامي» إلى العراق، فقد جُوبهت بنظرات الزجر والغضب من الحاضرات؛ لأنها حمَّلت المسؤولية للمساجد وشيوخها، ففضلت الانسحاب متذرعة بأنها تركت «الطبخة على النار». كما أشارت الرواية إلى مجمعات الباصات البؤر الأكثر سخونة في الزرقاء، وحاناتها، حيث كان حازم يرتاد إحداها مختتمًا بها زيارته إلى الزرقاء ولا يشرب إلا مُنتجًا زرقاويًا.
الزرقاء، هذه المدينة التي تعيش على هامش الحياة في الأردن، ولا تمثلها أي أصوات وازنة في إدارة الدولة، هي «مدينة بزي كاكي ودخان أسود وفوضى عارمة، وكغيرها من البقع الشعبية المكتظة في العالم، لا يبرحها المتضادون: القوادون والقديسون، المثقفون والمشعوذون، الشرفاء واللصوص، العقلاء والحشاشون، الغاوون والأتقياء. وتحت نور القمر الساطع في أغلب ليالي المدينة كثير من الأسرار».
وبعد؛ فإن «الهامش» أمتعت القارئ بسرد متقن منساب بتلقائية وعذوبة، وأدار الكاتب الشخوص بحرفية، وصور علاقاتهم وتشابكاتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم بإبداع. وأثارت الرواية العديد من الأسئلة الشائكة، فما طرحته لم يزل قائمًا فاعلًا مستمرًا، وهي فصل لرواية لم تنته بعد.

ناقد اردني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية