هناك توجه في الكتابة السردية يكشف عن الارتباط الخاص بين المطبخ ونكهاته العديدة والذاكرة الحسية الإيروسية، ففي كتابها «أفروديت» الذي يمزج بين الحب والشهية إلى الطعام تقول إيزابيل ألليندي: (لا أستطيع أن أفصل الإيروسية عن الطعام، كما أنني لا أجد سببا لعمل ذلك). ويتجلى هذا التوجه في أعمال سردية كثيرة بأشكال مختلفة، منها «طعام صلاة حب» للكاتبة إليزابيث جلبرت، و«جوليا وجولي» للكاتبة جولي باول، و«كالماء للشيكولاتة» للكاتبة المكسيكية لورا إسكيبيل و«طوبى لصانعي الجبن» لسارة كيت ليتش.
في كتاب «ثورة الفانيليا – رسائل من المطبخ» للكاتبة هبة الله أحمد تتجلى الرسائل المكتوبة من خلال بنية ذات خصوصية وموزعة بشكل لا يخلو من قصدية، فالرسائل ليست تقريرا أو إخبارا لتقريب مساحات الغياب الجزئي كما هو معهود، لكنها تأتي بوصفها وسيلة للاستقواء ضد الذاكرة، وضد الحضور الذهني المشدود لهبوط الذاكرة، فتذيب العوالم والأماكن والأزمنة، وتغدو الحالة الذهنية أو الحسية المرتبطة بالرائحة مثيرا يمكن تعديله أو الاشتغال عليه.
والرسائل في المجموعة مغايرة لفن الرسائل المعهود، بوصفها وسيلة اتصال بين شخصين، ومن ثم مشدودة للإخبار والإعلام والتقرير، وإن كانت لا تخلو من ذلك، فهذا المستوى النمطي تمّ تهشيم حدوده بداية من الرسائل الأدبية في العصر العباسي، فالرسائل المتبادلة بين الكتّاب الخاصة بالصداقة والإخاء لم تكن مهمومة بإظهار المحبة أو الوداد أو الإخاء بينهم، لكنها مهمومة بمقاربة فلسفية للوصول إلى أصل الإخاء وأصل الصداقة. وفي ظل ذلك يختفي ركن من أركان فن الرسائل أو يحدث له على الأقل نوع من التحول، ليغادر فكرة الشخص المحدد ليتحد بعموم القراء، فكاتب الرسائل الأدبية القديمة لم يكن من منطلقاته التعبير عن وداده أو إخائه للمستقبل، ولكن تتشكل منطلقاته في حدود المواجهة المعرفية للوصول إلى تحديد فلسفي للفكرة التي يقاربها.
الرسائل – في هذا الكتاب – وسيلة من وسائل الاستقواء ضد الخيبة وضد الفقد، فهي آلية لتشكيل أو صناعة عوالم موازية للعالم الواقعي الحقيقي، عوالم يختلط فيها الحسي بالمثالي، والواقعي بالخيالي والفانتازي، فيفسح المجال لخيالات تتأسس ذهنيا، وتتحرك في مناح مختلفة متخيلة دافقة بالحركة بالرغم من السكون والثبات في مساحة المطبخ، فهي مقترحات للحركة مقهورة بالسكون والغياب الواقعيين لمقاومة الحضور الذهني المستمر الذي يمارس تأثيره ويسدل حضوره، ويلقي ظله على كل شيء.
يمثل المطبخ بمساحته الضيقة في قصص/ رسائل المجموعة حالة من حالات المواجهة مع الذات بفعل نير الذكرى المنهم التي تؤسس وجودها من خلال الغناء، فالغناء انفتاح على سديم متخيل، تقول في قصة بوابة (حيوات): (تقطيف الملوخية ورقة ورقة أو تقطيع الكوسا تمهيدا لتفريزها على أنغام أغنية راقصة تنبعث من الراديو هي أحداث بسيطة، لكنها تفقد الهواجس هيبتها، وتنزع عن الوحدة قناعها الجامد).
في تشكيل العوالم المقاومة يصبح الدخول إلى المطبخ مواجهة مستمرة مع الذات، حيث تجمع الخيبات وما يجاوبها من تشظ وحنين، وفي كل عودة أو دخول إليه هناك معاينة ومقاربة جديدة للحالة تنطلق من الحالة التي انتهت إليها سابقا، تمّ تأسيسها بتحبيك ذهني، يضمن لهذه الذات وجودا مختلفا في كل مرة.
الاستقواء والعوالم البديلة
في هذا الكتاب الذي لا يخلو من إشكالية تجنيسية، فمادته مشدودة لليومي وإلى الذاتي والسردي بمعناه العميق، هناك محاولة لاستكشاف وضع الذات المأزوم من خلال السرد بوصفه موضوع معرفة في حضور إشكاليات عديدة، منها إشكالية الفقد التي تخلخل تكيف الذات، فالكتاب محاولة سردية لإعادة الانسجام إلى الذات من خلال صنع عوالم سردية تخلقها، وتتدثر بها دفعا وهربا من عواء الروح.
في التعبير عن الذات والكشف عن إحباطاتها، مرات من خلال الانكسار أمام هذه الإحباطات، ومرات من خلال التعاظم عليها من خلال الحركة الذهنية الدائمة ومحاولات الاستقواء تنفتح أمام القارئ التجليات الكاشفة عن الإنسان وبوحه الداخلي، ورؤيته لذاته وللعالم. وفي ظل ذلك تذوب الحدود، ويتجلى الترابط بين الأحاسيس والأشياء جديدا ولافتا. فصورة الأشياء تأخذ تكوينا جديدا، كما في قصة (عفريت المطبخ)، أو (ستة قلوب).
فالذات في كل مواجهة تستند إلى تأسيس سابق يمكن أن يكون قويا للمجابهة فيولّد ويشكل قمعا للحنين، وقد يكون طريا هشا فتعود إلى درجة الصفر. ومن هنا تبدأ في إعادة تأسيس جديد في علاقاتها بالأشياء، فالحركة في المساحة الضيقة داخل المطبخ تصبح وثيقة الصلة بآلية النظر إلى الأشياء، وطريقة التعامل معها في إطار الوصل والانفصال لمحاولة صناعة عالم مغاير ينافس العالم الواقعي ويغيبه، ويجعله يبدو متواريا وهامشيا من خلال استجلاب إيقاع يومي يمحو شراسة الواقعي، وكأنه يشيد وصلا يتآزر وجوده بالتكرار الدوري للأغاني التي تمثل حضورا لافتا بما تحيل إليه من عوالم.
لكن هذا الاستقواء لا يتمّ بالاستناد إلى المطبخ وروائحه ونكهاته، وما يشير إليه من ترابطات حسية، وإنما يتجاوب معه الاستناد إلى (الأغاني) التي تقترح عوالم مثالية مختزنة لكل العواطف الحسية من حب وبغض وانكسار وكبرياء. فالأغاني تنبهنا إلى أن هناك عالما أو عوالم أخرى يمكن أن نعيش فيها، ونؤسس من خلالها وجودا متخيلا ضد الخيبة، ونرمم بها غربة الروح اللاهثة. والعالم الذي تصنعه الأغنية عالم ذاتي، لأن الذات تلوّنه بتلوينات ذات خصوصية، نتيجة تجارب غائرة وذكريات، ترتبط بها فتخرجها من حيزها الضيق المحدود، فالأغاني بما تؤسسه من براح لا يدركه ولا يحدد أطره إلا الذات.
والتفكير في المطبخ كأفق أساسي للمواجهة، وللانعتاق من ربقة قيود الذاكرة، في حضور خلفية يؤثر في تشكيلها وتحبيكها وتوجيهها الغناء كأفق ثان يشير إلى أن هناك روابط عديدة بينهما. فالغناء- أو الاستماع إلى الغناء- انفتاح على حياة تفرّ من محدودية الزمان والمكان، فالمكان رجراج سائل متحرك، والزمان متداخل بين الماضي والحاضر ولا يخلو من نزوعات وتوجهات تستحضرها الذات في آلية التعامل مع المستقبل خيالا، فالأغنية في تمددها انبعاث دائم لنزوعات متباينة ومتجاوبة من الذات يخلق تمددا وديمومة.
فمعاينة عناوين القصص أو الرسائل تكشف عن محاولات جادة لتأسيس ارتباط جديد بالأشياء، مثل (فوبيا التلامس والشيكوليت كيك)، و(البيتزا فعل مقاومة)، و(كفتة الأرز وشبق الفرح)، و(البساطة منتهى الأبهة)، فكل عنوان يمثل تأسيسا جديدا للارتباط بين شيئين لا يوجد رابط بينهما على المستوى الواقعي أو النمطي.
من التشظي إلى التكيف:
استعادة الهدوء
يكشف تبويب جزئيات المجموعة أو الرسائل عن بناء خاص لا يخلو من قصدية واضحة، فحين يأتي الجزء الأول مشدودا إلى العناية بالنوّات التي تضرب الإسكندرية شتاء، فهذا يشير إلى الفقد، وإلى الأثر المزلزل الذي يؤدي إلى تشظي الذات، والكتابة السردية في ظل ذلك الفهم تبدو وكأنها محاولة استعادة للهدوء أو تأسيس التكيف بداية من محاولة التغلب على أزمة أو إشكالية آنية. ففي قصة (نوة المكنسة) يتوحد حضور الذكرى وإلحاحها الشديد مع حضور النوة بشدتها المعهودة كل شتاء، حيث تقول: (كنت أواصل التدريب على كبح جماح فزعي من غيابك، بحلّ أحجية الظهور والاحتفاء بعدّ أعمدة الإنارة والبيوت ولافتات الإعلانات التي تحمل كلها وجهك).
أما في الجزء الثاني (الكورانتينا) – وهي كلمة إيطالية تشير إلى رقم أربعين للدلالة على أيام الحظر والعزل في فترة انتشار الوباء – فتواجه الذات إشكالية أخرى ذاتية وعامة في آن، بجوار إشكالية الفقد الأولى، وإذا كانت كل إشكالية تسبب نقصا وخوفا يحتاجان إلى اكتمال وهدوء، حتى يقل عذاب هذه الروح فإن وجود إشكاليتين يؤدي إلى التوزع، وإلى وجود تعاف من حدة اللوعة تجاه الإشكالية الأولى.
في الجزء الثالث (فرويديات) يستمر ذلك النمو حاضرا في تشكيل ملامح الاستقواء، وتتشكل ملامح عودة للذات الساردة نحو هدوئها المعتاد بشكل تدريجي، فبداية من هذا الجزء نشعر أن حدة الشعور بدأت تخف في الظهور، لتطلّ مكانها محاولة للتفسير والتأويل استنادا إلى عكاكيز فرويد المرتبطة بعلم النفس. فالوصول إلى مرحلة تأمل الذات لنفسها ناتج عن استغراب حالها، وخروجها عن النمطي والطبيعي، كما في قولها في قصة (طفرة مزاجية): (خيط ضلّ طريقه عن الإبرة التي أرادت وخز القماش)، ويأتي السؤال الذي تشكلت لها قدرة الوصول إليه من خلال عقد مشابهة للذات الساردة والصبارة، في مقابل عقد مشابهة بين المخاطب الغائب والعصفور ماثلا في قولها: (لِمَ كل هذا الأذى؟ يتجاهلني ويطير.. ألم أقل إنه يشبهك؟).
أما في الجزء الرابع فإن القصص أو الرسائل متنوعة ومشدودة لجميع التكوينات الثلاثة السابقة، فهناك إشارة من خلال العنوان (متنوع) يمكن أن يفهم منه على أنه يمثل جماعا وتداخلا لكل الحالات السابقة في تحركها من التشظي والنقصان إلى الهدوء والاكتمال، وهذا يكشف عن أن التوزع في طبيعة التجربة أو الإشكالية في تجليها وتحولاتها من النقيض إلى النقيض ليس عيبا، لأنه ينبع من خصوصية الإشكالية ذاتها التي لا تتحرك من مرحلة إلى مرحلة بشكل نهائي، لكنها في حركتها مشدودة في كل لحظة إلى الانجراف أو التورط بحالة من الحالات التي تمّ تجاوزها سابقا.
ففي هذا الجزء هناك قصة (توبيخ عنكبوتة) تكشف عن مدارات ذلك التحول أو التنقل أو الارتكاس إلى حالة قديمة، يتجلى من خلالها وجود خاص لسيرورة التشظي في ظل الوصول إلى هدوء. ففي هذه القصة يأتي صوت العنكبوتة ليمثل وجودا مساعدا لفعل الاستقواء الذي تؤسسه الذات بالحكي والانفتاح على جزئيات متحركة من خلال هذا التساؤل الموجه للساردة (لمَ تطلين بكل هذا التراخي، وتتفوهين كما البائسات، وأين هو صديقك هذا؟).
فهذه القصة تنبه الساردة للبعد عن الاستغراق والاستنامة والدوران داخل وحول الحالة، للتوجيه ولفتح أعينها نحو مسارب الضوء التي نراها جلية واضحة في القصة التالية (البساطة.. منتهى الأبهة)، لتكشف من خلال القراءة عن تصوّر وتحديد جديدين لمفاهيم مجردة مثل (الجمال)، هذا التصور أو التحديد اللذان يفتحان الباب لحالة الانعتاق التي يمكن أن نراها في قصة (شوربة خضار)، حيث يتجلى الألم والسعادة بوصفهما قرارين داخليين، وليس مرتبطين بحضور أو غياب شخص محدد.
هبة الله أحمد:
« ثورة الفانيليا – رسائل من المطبخ»
دار المثقف، القاهرة 2021
142 صفحة.