«هتاف المنسيين» للمصري يسري حسان: أغاني المهرجانات كصوت للدولة الموازية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: في مجتمعات عشوائية نشأت وترسخت في ظل غياب الدولة، يعيش أهل هذه البيئات في ظروف لا تنتمي للإنسانية، فلا مرافق ولا خدمات، وكأنهم غير متواجدين بالأساس. هنا كان لابد لهذه المجتمعات أن تصيغ حياتها وفق قوانينها الخاصة، وبالتالي علاقات وقوى اجتماعية لها توازنات وأساليب معيشية بعيدا عن منظومة الدولة ومخيلتها. هذه المنظومة التي لا ترى في هؤلاء سوى تجمعات لبؤر إجرامية، وتعمل بشتى الطرق ليتحمل سكانها ذنوبا لم يقترفوها. تتناسى الدولة وجودهم، وبالتالي كان لابد من نسيانها بالضرورة، واختلاق دولة أخرى موازية يعيشون من خلالها، لها قوانينها وأعرافها. وفي الأخير.. لها أغنياتها أيضا. عن هذه الأغنيات، التي عُرفت بـ«أغاني المهرجانات» جعلت الدولة في مأزق الآن، بعدما تجاوزت حدود مجتمعها، واحتلت مساحات جديدة لم تكن تحلم بها، تهدد من خلالها أساليب الغناء المدجنة، التي تعيش ويحيا أصحابها في ظل أعراف وسياسات الدولة. عن هذه الأغنيات وعالمها يأتي كتاب «هتاف المنسيين» وعنوانه الفرعي (أغاني المهرجانات.. من العشوائيات إلى أولاد الذوات) للناقد وشاعر العامية المصري يسري حسان، في محاولة لا تدّعي الأكاديمية أو أحكام القيمة على هذه الأغاني ومجتمعها، بل مغامرة كحياة هؤلاء، الذين لم يجدوا إلا كلماتهم وأصواتهم لتأصيل وجهة نظرهم تجاه العالم الذي استبعدهم ونفاهم من مخيلته، بمعنى، «جه وقت الحساب». من الممكن تذكّر المشهد الأخير في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» لداود عبد السيد، حينما تصدر شعبان عبد الرحيم مقدمة المشهد، ومن مكان مرتفع يغني في صيغة الأمر، «كله ينزل تحت».

المهرجان

8٪، المدفعجية، شبيك لبيك، الدخلاوية، الصواريخ، الباوَر العالي، والعصابة، هذه أسماء فرق المهرجانات، بينما مشاهيرها بين الجمهور المصري والعربي يتصدرهم حمو بيكا، سادات، غاندي، فيفتي، فرامل، سعد حريقة، عبده سيطرة، ديزل، بنزينا، ونجم الليالي الأشهر الآن على الساحة حسن شاكوش. استطاع هؤلاء فرض وجودهم ليس فقط بين أفراد مجتمعهم، بل تخطى الأمر إلى معظم الجماهير، وصولا إلى أبناء الذوات كما جاء في عنوان الكتاب، وبالتالي أطل المنسيون على الجميع وارتفع صوتهم. ارتفاع الصوت هذا يحمل دلالته المسمى نفسه (المهرجان)، وهو الحفل الصاخب، الذي يعتمد مشاركة الجماهير، في الغناء والرقص، وما شابه من طقس أشبه بطقوس الموالد الشعبية، ففعل الأداء نفسه يعتمد على الجمهور حتى يكتمل، وكان بالضرورة أن تتحدث هذه الأغنيات لغة الجمهور وتعبّر عنه وعن معاناته المختلفة، بداية من الظروف المعيشة والحياة القاسية والبحث عن العدل المفقود، وصولا إلى قصص الحب خائبة الرجاء، بدون أن ينسى هؤلاء الثقة المطلقة في الله، الواقف دوما إلى جانبهم، ومباركته لهم في ما يفعلونه، وكله بالأدب.

هتاف المنسيين

بداية يتشابه عنوان كتاب يسري حسان، وكتاب «هتاف الصامتين» لعالم الاجتماع المصري سيد عويس، الذي استعرض في دراسة أكاديمية مُحكمة، تدوينات المصريين فوق وسائل المواصلات الفترة ما بين 1967 إلى 1970، وحيث يتشابه حال هؤلاء مع سائقي التَكَاتِك ـ جمع توكتوك ــ هؤلاء المخفوت صوتهم، والذين لم يجدوا وسيلة سوى تدوين عبارات تدل على ما يأملونه أو يتعوذون به من غدر الزمن والصحاب، وحتى الفتاة التي يحبونها، ومن هذه العبارات تمت صياغة العديد من أغاني المهرجانات، التي اجتهد حسان في تتبّع تاريخها وتحليل كلماتها، وصولا إلى دلالة وجهة نظر هؤلاء في ما يعيشونه.

البدايات

يخالف حسان الشائع في توقيت ظهور أغاني المهرجانات، فأبواق النظام من المتحذلقين والمتثاقفين، يرون في هذا الشكل الغنائي، ومَن يؤدونه عبارة عن آفة، فألحقوهم بجملة الآفات والتردي، اللذين طالا مصر بسبب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، إلا أن المؤلف يعود بالأمر إلى خمس سنوات سابقة أو أكثر، حيث خرجت هذه الأغنيات من أحياء مثل (المطرية) أو (دار السلام) في القاهرة، ونظرا للتركيبة السكانية لهذه الأماكن، نجد أن «معظم صناع المهرجانات عانوا المعاناة نفسها، لم يشعروا بأن هناك دولة تهتم بهم، فقرر كل واحد منهم أن يعمل دولته الخاصة، وهذا سنلاحظه في معظم المهرجانات، كل فرقة وكل مطرب يتكلم عن جهته، أو منطقته في المهرجان، ويعدد صفاتها وصفات ناسها، وكيف أنها أحسن من غيرها.. فالمهرجانات هي الدولة الموازية، كل واحد وله دولته التي يعبر عنها بطريقته الخاصة».

الأسباب

ويستعرض حسان أسباب ظهور المهرجات ومنها، أن هؤلاء لم يجدوا أغنيات تعبّر عنهم، فجاءت كلماتهم من وإلى البيئة التي يعيشون فيها، وبالتالي لديهم جمهورهم المُعَد سلفا، والمنتظِر لصوت يحمل أفكاره، كذلك الرغبة في التمرد، والجميع يعاني من الفقر والبطالة، ثم الثورة التكنولوجية، فالأمر لا يستدعي مؤلفا وملحنا وفرقة موسيقية بالشكل المعهود، بل ساعد الإنترنت على وجود برامج موسيقية جاهزة، إضافة إلى وسائل المواصلات، التي تغيّرت، فغيّرت من النمط المعيشي في الأحياء الشعبية والعشوائية، فأصبح سائق التوكتوك، هو مصدر الإعلان والدعاية لأغاني المهرجانات. وجاءت ثورة يناير لتنطلق الأصوات أكثر ليعلو صخبها ـ صراخ ناتج عن قمع وكبت ـ ويتحول المشهد إلى مهرجان بالفعل. وجاء اليوتيوب ليُسقِط أي سلطة تحول بين مطربي المهرجانات ومستمعيهم، ما جعل صوتهم يتخطى حدود بيئته، ويُسيطر على أماكن وأذواق وفئات أخرى، حتى استعانت بهم السينما، وقد أصبح الكثير منهم الحصان الرابح، بعدما فرض نفسه فرضا.

محاولة تدجين بنت الجيران

من الصعب الحديث عن أغاني المهرجانات، بدون التطرق إلى معركة أغنية «بنت الجيران» لحسن شاكوش وعمر جمال، التي حققت نجاحا لم يخطر ببال أصحابها، حيث اقترب عدد مشاهدتها على اليوتيوب حوالي 140 مليونا ـ صدر هتاف المنسيين قبل أزمة الأغنية ـ ونظرا لهذه الشهرة العجيبة، قام كل من شاكوش وجمال بالغناء في استاد القاهرة، بمناسبة عيد الحب، هنا فقط تنبّه نقيب المهن الموسيقية ـ ممثل الدولة ـ أمير الغناء العربي هاني شاكر للأمر، وأصدر قراره بمنع شاكوش وجمال من الغناء، بل راح حمو بيكا في الرجلين، وتم منعه هو الآخر والعديد من مطربي المهرجانات، لأنها أغنيات هابطة تفسد الذوق العام، وتهدر قيم المجتمع. ولكن، هل هذا هو السبب بالفعل؟ نرى أن الدولة أمرت ممثلها ـ النقيب ـ بأن يُفيق ويترك عيد ميلاد جرحه المزمن، وقد فقد هو ومَن معه مستمعيهم من زمن، إضافة إلى أن (المهرجانيين) أصبحوا يقيمون حفلاتهم خارج مصر، فلم يعد أمام شاكر سوى جمهور الأوبرا المحفلط، لتبدأ الحرب، ويبدأ التضييق على هؤلاء، بهدف الوصول إلى مساومة بشكل أو بآخر، خاصة أن المكاسب المادية التي يحصل عليها شاكوش ورفاقه تخطت حدود المسموح به، كما لا تستطيع الدولة حصرها، فلا يعمل مطربو المهرجانات من خلال شركة من شركات الإنتاج المعهودة، لها سجلاتها الضريبية، وبالتالي كان لابد من افتعال هذه (العَركَة) حتى لا ينسى أبناء الحواري أنفسهم، ومع دخولهم حظيرة الدولة يمكن في ما بعد استخدامهم ـ نظرا لشعبيتهم ـ كبوق دعائي لسياسات النظام وقراراته. فالمسألة أصبحت أكثر درامية، ووجد هؤلاء أنفسهم فجأة في مواجهة مع الدولة، بدون إدراكهم أن الأمر تعدّى مجرد الغناء، وأن ضريبة نجاحهم وضعتهم تحت وطأة السياسة، وتاريخ الفن المصري، سواء في الغناء والتمثيل والرقص يشهد بذلك.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية