دمشق– «القدس العربي» : شهدت مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في مدينة إدلب ومناطق سيطرة الجيش الوطني شمال حلب، أمس الجمعة، احتجاجات عامة ضد الهيئة وزعميها أبو محمد الجولاني، طالبت برفع قبضة جهاز الأمن العام وإعادة هيكلته، وتنحي أبي محمد الجولاني، ورفع يد الهيئة عن المؤسسات المدنية والإدارية وإنهاء حالة الاحتكار للموارد الاقتصادية.
هذه الموجة الشعبية الغاضبة قابلتها هيئة تحرير الشام، حسب مصادر أهلية لـ “القدس العربي”، بالاعتداء على المتظاهرين، حيث هاجم عناصر هيئة تحرير الشام وجهازها الأمني المتظاهرين بعدما أقاموا حواجز عسكرية قطعت أوصال المنطقة، منعاً من التجمع في مظاهرة مركزية وسط مدينة إدلب.
وتشهد مناطق المعارضة شمال غربي سوريا منذ نهاية شباط/ فبراير 2024 مظاهرات شعبية متواصلة ضد هيئة تحرير الشام، إثر قضية عملاء التحالف التي تسبّبت بأزمة داخلية في صفوفها، وذلك عندما قُتل أحد عناصر جيش الأحرار تحت التعذيب في سجون الأمن العامّ بتهمة العمالة للتحالف الدولي، لتخرج مظاهرات في عدة مواقع تطالب بمحاسبة القاتلين.
الناشط الميداني محمد الخطيب من ريف حلب، قال لـ “القدس العربي” إن مئات المحتجين نزلوا، أمس الجمعة، في مظاهرات غاضبة في مدن وبلدات إدلب وريف حلب كبنّش وسلقين ومعرة مصرين وكفرلوسين ودير حسان وأبين سمعان وكفرتخاريم وحزانو وجسر الشغور، رغم القبضة الأمنية المشددة لجبهة النصرة التي تقود هيئة تحرير الشام، وانتشار عناصر جهاز الأمن العام التابع لها، والحواجز العسكرية لمنع خروج المظاهرات، مشيراً إلى أن الهيئة “قابلت هذه الاحتجاجات بالاعتداء على المدنيين بكل أساليب القوة، حيث نشبت مواجهات وسط إطلاق مباشر للرصاص”.
وأغلقت هيئة تحرير الشام الطرق المؤدية إلى مركز مدينة إدلب، وسط انتشار كثيف من قبل عناصر “الهيئة” وتعزيز أطراف المدنية بالأسلحة الثقيلة والرشاشات منعاً لتجمع المتظاهرين بنقطة احتجاج مركزية وسط مدينة إدلب، أسوة بيوم الجمعة الفائت.
المرصد السوري لحقوق الإنسان قال إن العربات المصفحة التابعة لعناصر “الهيئة” هاجمت المتظاهرين في بلدة بنش في ريف إدلب، في محاولة دهسهم وتفريق المظاهرة التي خرجت في البلدة، بينما اعتدى عناصر جهاز الأمن العام على المتظاهرين في مدينة جسر الشغور في ريف إدلب الغربي وأطلقوا الرصاص الحي لتفريق المتظاهرين كما اعتدوا عليهم بالضرب باستخدام العصي والهراوات.
واعتقلت عناصر الهيئة أحد خطباء المساجد، بينما حاول عناصر حاجز عسكري منع المتظاهرين بالقوة من دخول مدينة إدلب للمشاركة في المظاهرة المركزية التي شهدتها المدينة، وتعرض أحد النشطاء الإعلاميين للاعتداء على يد عناصر “الهيئة” خلال محاولته دخول المدينة، وسط حالة استياء وغضب بسبب الطريقة التي تصدت بها هيئة تحرير الشام للمظاهرات الشعبية، حيث جاءت “هذه الإجراءات تحسباً من خروج الأهالي بمظاهرة مركزية حاشدة في المدينة، مطالبة بإسقاط “الجولاني”، والقيام بإصلاحات حقيقية، والإفراج عن المعتقلين المظلومين دون مرتكبي الجرائم والجنح، وتفكيك جهاز الأمن العام بشكله الحالي، وفتح الجبهات مع قوات النظام لاستعادة المدن والبلدات”.
مطالب مستحيلة
وحول مآلات التصعيد شمال غربي سوريا، وصف عضو فريق وحدة الدراسات المهتم بقضايا التنظيمات الجهادية والإرهاب د. عرابي عبد الحي عرابي، في تصريح لـ “القدس العربي” الوضع المضطرب بأنه “غير مطمئن”، حيث اعتبر أن المطالب الشعبية بإسقاط الجولاني هي “مستحيلة”، مؤكداً أن “قادة الحراك الشعبي هم من يدفعون وراء التصعيد، بينما الجولاني محكوم بالتصعيد الأمني، بعدما حاول احتواء الأزمة”.
وقال إن “منسقي تجمع الحراك الثوري الذي تم تشكليه قبل أيام، يدفع للتصادم، وما حصل اليوم هو نتيجة إقامة حواجز عسكرية من قبل هيئة تحرير الشام لتقطيع أوصال المنطقة، لمنع تشكيل مظاهرة مركزية، لكن الحراك الشعبي شكل ضغطاً على هذه الحواجز من أجل فتح الطرق، وعندما عجزت قوات الهيئة أمام الضغط الشعبي، حصل الاحتكاك الذي أدى بدوره إلى شن حملة اعتقالات وضرب المحتجين”.
مرحلة جديدة في إدلب
وعن مآلات التصعيد، قال: “الوضع معقد جداً، ولا خيارات واضحة، وفكرة إسقاط الجولاني ثم التفاوض مع الهيئة هو خيار مستحيل، لذلك لا بد من قادة الحراك الحاليين عقد جلسات تفاوضية تحت سقف وجود الجولاني ومحاولة تقييد صلاحياته”.
وبينما هدد وزير الداخلية لدى “حكومة الإنقاذ” التابعة لهيئة تحرير الشام محمد عبد الرحمن، المتظاهرين بـ”الضرب بيد من حديد”، قال زعيم الهيئة أبو الجولاني في لقاء مع عدد من وجهاء المنقطة إن منطقة “المحرر دخل في مرحلة جديدة، ويجب أن يعود المحرر لانتظامه، ولن نسمح أن تعود حالة الفوضى والتشرذم”، محذراً من “المساس بالمصالح والقواعد العامة، وتجاوز الخطوط الحمر سيدفع السلطة للتحرك ومواجهة الأمر”.
وأضاف يوم الأربعاء الفائت وفقاً لوسائل إعلامية تابعة للهيئة: “هناك كثير من المطالب المحقة يطالب بها الناس، وجلسنا مع جميع شرائح المجتمع، ولبّيت معظم المطالب كما شاهد الجميع، وبقيت بعض المطالب لا يزال العمل عليها قائماً، لكن المطالب انحرفت عن مسارها الحقيقي، وتحولت إلى حالة من التعطيل للمصالح العامة في المحرر، واستخدمت أساليب تؤدي إلى تعطيل الحياة المؤسساتية والعامة في المحرر”.
واعتبر أن بعضهم “ساقه حقده للتضحية بكل المحرر، ومن هان عليه المحرر فقد هان علينا، ولن نتهاون مع أي شخص أو تجمع أو حزب أو فصيل يريد إيذاء المحرر، وعلى هذا نجتمع جميعاً”.
واعتبر الجولاني أن المتظاهرين “يريدون الإخلال بالموازنات التي بني عليها المحرر الذي بني على أعمدة، وأي إخلال بأحدها، ستختل جميع الأعمدة”، مضيفاً: “لصالح من يريد البعض إدخال المحرر في حالة من الفوضى، وما الصورة التي يراد تصديرها للعالم عن الثورة السورية المباركة”.
وخلال الأسبوع الجاري، نظم معلمون من مدينة إدلب وريفها وقفة احتجاجية أمام مبنى رئاسة “حكومة الإنقاذ” في المدينة، للمطالبة بتحسين أوضاعهم المعيشية، وزيادة الرواتب الشهرية لتتناسب مع التكاليف والأعباء المعيشية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغلاء الأسعار ضمن مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام.
ويوم الجمعة الفائت، خرج المئات باحتجاجات غاضبة تجمعت ضمن مظاهرة مركزية وسط مدينة إدلب، للمطالبة بإسقاط أبو محمد الجولاني، وتفكيك جهاز الأمن العام، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مؤكدين على استمرار الحراك الشعبي ضد هيئة تحرير الشام وقائدها، حتى تحقيق مطالبهم وإخراج معتقلي الرأي من سجون التنظيم.
كما شهدت القرى المحيطة، في بنش وقرى جبل الزاوية والجانودية وأرمناز، وتفتناز وجسر الشغور، بنش، حزانو، دير حسان، كفر تخاريم، دارة عزة، مشهد روحين، أطمه، ومعر تمصرين، مظاهرات مماثلة، طالب فيها المتظاهرون بمحاكمة الجولاني، ومحاسبة منظومته الأمنية، كما ندد المتظاهرون بمحاولة الهيئة الالتفاف على مطالبهم من خلال تشكيل لجان وعقد جلسات بدعوى “الإصلاح”، من دون أن يكون لها نتائج على الأرض.