هجوم حفتر على طرابلس يحرج باريس ويسلط الضوء على علاقتها الغامضة به

آدم جابر
حجم الخط
0

باريس-“القدس العربي”: أعاد هجوم قوات المشير خليفة حفتر الذي يستهدف اجتياح العاصمة الليبية طرابلس، مجددا التساؤلات حول علاقة الأخير الغامضة بفرنسا، والتي كانت قد اضطرت في صيف عام 2016 إلى الاعتراف بدعمها له في الحرب ضد تنظيم “الدولة” الإسلامية (داعش) بعد مقتل ثلاثة من أفراد القوات الخاصة الفرنسية إثر تحطم طائرة هليكوبتر شرق ليبيا. ويبدو هذا الهجوم الذي تزامن مع زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى طرابلس، أمراً محرجاً بالنسبة لباريس.

فمنذ بدء هجوم قوات ما يعرف بـ”الجيش الوطني الليبي” بقيادة حفتر – تدعمه مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة – الذي يستهدف اجتياح طرابلس، تواجه باريس اتهامات من قبل أطراف داخل حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دولياً (مقرها طرابلس) وأطراف أوروبية كايطاليا، بدعمها لهجوم قوات حفتر نحو طرابلس، رغم نفي الأخيرة وتأكيدها على أنها لا تدعم أي طرف على حساب الآخر.

غير أن كشْفَ وكالة رويترز للأنباء، الأربعاء، نقلاً عن مصادر دبلوماسية أوروبية، تأكيدها أن فرنسا عرقلت صدور بيان عن قادة الاتحاد الأوروبي يدعو إلى وقف هجوم قوات خليفة حفتر لاجتياح طرابلس، أتى ليعزز الاتهامات الموجهة إلى باريس بدعم الرجل القوي في شرق ليبيا. وجاء في مسودة البيان المذكور الذي كان سيصدر عن الزعماء الأوروبيين في أعقب اجتماعهم الأربعاء في بروكسل، تشديد القادة على أن “هجوم قوات حفتر على طرابلس يعرض السكان المدنيين للخطر ويعرقل العملية السياسية وستكون له تداعيات خطيرة على ليبيا والمنطقة، بما في ذلك التهديد الإرهابي”.

إضافة إلى ما أوردته صحيفة “لاريبوبليكا” الايطالية، التي نقلت عن مصدر دبلومسي فرنسي تأكيده أن حفتر أوفد إلى باريس مبعوثين يوم 04 نيسان/إبريل الجاري قبل بضع ساعات من شن هجومه لاجتياح طرابلس.

ولتبرير موقفها، شددت فرنسا على لسان المتحدثة باسم وزارة خارجيتها انياس فون دير موهل، على أنها “تتحدث مع كل أطراف” النزاع الليبي، للتوصل إلى وقف لاطلاق النار، نافيةً ابلاغها مسبقا بهجوم قوات حفتر على طرابلس، أو عرقلتها لبيان للاتحاد الأوروبي يدين هذا الهجوم، الذي أشارت إلى أنها نددت به على الفور. وأوضحت أن باريس طالبت الاتحاد الأوروبي بإجراء ثلاثة تعديلات على بيانه تخص ثلاث قضايا أساسية وهي: وضع المهاجرين وسُبل الوصول إلى حل سياسي ينهي أزمة البلاد برعاية الأمم المتحدة، إضافة إلى مشاركة أطراف سبق وأن صدرت في حقهم عقوبات من الأمم المتحدة بتُهم مُتعلقة بالإرهاب، في القتال الذي اندلع مؤخرا في ليبيا.

وأظهر الهجوم العسكري المفاجئ للمارشال حفتر على طرابلس من جديد خطوط تصدّع قديمة، كتلك التي تضع ايطاليا، المستعمر السابق والأقرب إلى رئيس حكومة الوفاق الوطني فائز السراح، في مواجهة فرنسا. فقد أعلن وزير الداخلية الايطالي ماتيو سالفيني، الخميس أن “حكومة بلاده تدرس ما إذا كانت فرنسا متورطة في المعارك الدائرة في ليبيا بدعمها لبعض الأطراف” محذراً من مغبة “أن هناك من يمارس لعبة الحرب من أجل مصالح اقتصادية وأنانية”. لكن هذه الحملة العسكرية، قد تلخط الأرواق كذلك، حيث تحدثت مصادر دبلوماسية عن أن الايطاليين قاموا من باب البراغماتية، بفتح قنوات جديدة، مع حفتر، الذي توجه ابنه الأربعاء الماضي إلى روما لطمأنة المسؤولين الايطاليين حول نوايا المارشال. وفي مقال سابق لـ”القدس العربي” اعتبر الإعلامي عبد الرحمن امبيربك، أن “إيمانويل ماكرون واصل رؤية فرنسا الخاصة للأزمة الليبية القائمة على مسايرة الاعتراف الدولي بحكومة الوفاق الوطني، وفي الوقت نفسه تقديم الدعم لخليفة حفتر من منطق أنه الأقدر على حسم الأمور عسكريا. غير أن دبلوماسية الرئيس الفرنسي وجدت نفسها أمام منافسة ايطاليا، المُستعمر السابق لليبيا، التي حاولت بدورها اللعب على وتر المصالحة الوطنية بطريقتها الخاصة، عبر عقد مؤتمر باليرمو الدولي في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي”. وقال المحلل السياسي مصطفى الطوسة لـ”القدس العربي” إن “هناك تناقضا في المقاربة الفرنسية، التي تعطي للأمم المتحدة الكلمة الأخيرة في حل الأزمة الليبية، وتدعم حفتر بصفته الحليف الميداني في محاربة الإرهاب خاصة. وهذا التناقض نجده أيضا لدى دول غربية أخرى، وبالتالي أصبحت الأزمة الليبية مسرح صراعات بين الدول الكبرى”.

رهان محفوف بالمخاطر

ويُعد جان إيف لودريان، وزير خارجية فرنسا الحالي ووزير دفاعها السابق، مهندس الدعم الفرنسي للمارشال حفتر، كما كتب، الباحث الليبي جمعة القماطي في مقال نشرته “ميدل إيست آي” قبل عام، والذي اعتبر فيه أن “دعم فرنسا لحفتر أعطاه شرعية سياسية وعسكرية وجعله أكثر قبولاً على الساحة الدولية وشجعه في حملته العسكرية”. ونقلت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية عن دبلوماسي فرنسي اعتبارَه أن “حفتر ليس قائد ميليشيا مثل الآخرين، بل إنه لاعب رئيسي في عملية البحث عن حل للأزمة الليبية”.

وبإسم السياسة الواقعية، وبمبادرة من جان إيف لو دريان، أصبح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أول رئيس دولة غربية يجمع بين خليفة حفتر وفائز السراج، وكان ذلك في يوليو/تموز 2017 بضاحية سيل سان كلو الباريسية. قبل أن يترأس في نهاية مايو/أيار الماضي اجتماع باريس الدولي حول ليبيا، والذي ترجم باتفاق حكومة الوفاق والمجلس الداعم لها من جهة، وخليفة حفتر وبرلمان طبرق الموالي له من جهة أخرى، على إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في العاشر من كانون الأول/ديسمبر 2018 لكن هذا الموعد ما فتئ أن دخل في دوامة التأجيلات، وسط استمرار الخلاف الداخلي وفشل الفرقاء في تنظيم عملية الاستفتاء الدستوري، بالإضافة إلى التجاذب الدبلوماسي المتصاعد بين باريس وروما.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يمكن للعملية السياسية التي يقودها المبعوث الأممي إلى ليبيا غسان سلامة أن تنجو من هجوم حفتر العسكري؟ ويرى العديد من المراقبين أن حفتر بخروجه عن الإطار السياسي، يكون قد انخرط في رهان محفوف بالمخاطر وقوض العملية السياسية، مهدداً بدخول ليبيا في حرب أهلية هي الثالثة منذ عام 2011.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية