القيادة الأمريكية السياسية والعسكرية حرصت على عدم تحميل طالبان أي مسؤولية عن الإخفاق الأمني، وقالت إن لا دلائل على تورّطها في عتداءات المطار التي تبناها «تنظيم الدولة الإسلامية».
تنتقلُ حركة طالبان بسرعة في اتجاه التحوّل إلى «شريك» للإدارة الأمريكية في أفغانستان. أسهل الطرق لذلك هي طريق الانخراط الطالباني في استراتيجية مكافحة الإرهاب الذي كان سبباً لغزو أمريكا أفغانستان في 2011 رداً على هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، والتي يُحيي الأمريكيون هذه السنة ذكراها العشرين بإنجاز الخروج النهائي للقوات الأمريكية من هذا البلد.
فالتفجيرات في محيط مطار كابول، والتي استهدفت عمليات الإجلاء للأجانب من عسكريين ومدنيين وللأفغان المتعاونين مع قوات «حلف الناتو» لم يُبدّل قرار الرئيس الأمريكي جو بايدن حول موعد إتمام الانسحاب في 31 آب/أغسطس، رغم أن حلفائه الأوروبيين سعوا إلى إقناعه بتأخير عملية الانسحاب إلى حين ترتيب الأوراق الداخلية الأفغانية لمنع الفراغ السياسي في البلاد وتَحَكُّم طالبان بالمشهد الكلّي.
خرج بايدن بعد تفجيرات كابل، وقبله بساعات قائد القيادة الأمريكية الوسطى الجنرال كينيث ماكينزي، ليؤكدا على تبادل المعلومات الاستخباراتية مع «الحركة» وعلى استمرار التنسيق معها. في المعلومات أن الأمريكيين طلبوا من طالبان التقدّم إلى العاصمة بعد فرار الرئيس الأفغاني أشرف غني، لملء الفراغ الذي حصل نتيجة انهيار الجيش الأفغاني واستسلامه السريع لقوات طالبان. فرغم تولّي «الحركة» تأمين الطرق المؤدية إلى المطار وإقامة طوق أمني لا بدّ من تجاوزه قبل الوصول إلى الطوق الأمريكي المفروض على محيط المطار الخاضع لسيطرة القوات الأمريكية، فإن القيادة الأمريكية السياسية والعسكرية حرصت على عدم تحميل طالبان أي مسؤولية عن الإخفاق الأمني، وقالت إن لا دلائل على تورّطها في الاعتداءات التي تبناها «تنظيم الدولة الإسلامية» في ولاية خراسان، وهو فرع التنظيم الأفغاني، الذي يتم وضعه في إطار الجماعات المتطرفة المعادية للحركة.
بالطبع لم ينزل هجوم كابل برداً وسلاماً على بايدن الذي كان مستعجلاً لخروج آمن تمّت ضمانته في محادثات الدوحة. كشف البنتاغون أن «بعض الهجمات قد أُحبط، وأعلن عن حق أمريكا بملاحقة تنظيم الدولة ومن هو مسؤول عن الهجمات»، وهو ما تعهد به الرئيس الأمريكي الذي توجّه للأمريكيين بلغة أبوية وعاطفية، وهو المتيقّن من التأييد الشعبي للانسحاب والعودة بالجنود إلى عائلاتهم، بغض النظر عن الانتقادات للطريقة المتسرّعة التي فضَّل أن يتحمّل تبعاتها على الإخلال بالموعد الذي ضربه لنفسه بعد وصوله إلى البيت الأبيض، إذ كان مقرراً في أيار/مايو، وفق الاتفاقية، وأرجأه إلى آب/أغسطس.
فما إن وقع الهجوم، حتى بدأت التساؤلات حول قدرة طالبان على إدارة أفغانستان، وضبط الجماعات المتطرّفة، وتأمين الاستقرار بعد الانسحاب الأمريكي؟ إلى أن جاءت الإجابة على لسان القيادي في الحركة عبد السلام ضعيف، الذي اعتبر أن طالبان هي الطرف القادر على تأمين الاستقرار في البلاد ولا بديل عنها، من دون أن يُغفل الحاجة إلى تعاون ودعم المجتمع الدولي لحكم طالبان.
واتفاقية إحلال السلام في أفغانستان الموقّعة بين الولايات المتحدة وطالبان في العاصمة القطرية في شباط/فبراير 2020 والتي بُدئ التفاوض بشأنها مع باراك أوباما، ووُقّعت مع دونالد ترامب، ونُفّذت مع بايدن، نصّت حسب الوثيقة المنشورة إعلامياً، إنما غير المعلنة رسمياً، على ضمانات أمنية تعهدت بها طالبان للأمريكيين، بحيث لا تسمح لأي من أفرادها أو أفراد الجماعات الأخرى، بما فيها «القاعدة» باستخدام أراضي أفغانستان لتهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وبحيث تُرسل رسالة واضحة بأن أولئك الذين يُشكلون تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها ليس لهم مكان في أفغانستان، وتُصدر تعليمات لأفرادها بألا يتعاونوا مع الجماعات أو الأفراد الذين يهددون أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وتمنع أي جماعة أو فرد في أفغانستان من تهديد أمن الولايات المتحدة وحلفائها، وستمنع أيضاً تجنيدهم وتدريبهم وتمويلهم، ولن تستضيفهم وفقاً للتعهدات الواردة في الاتفاقية، فضلاً عن الالتزام بالتعامل مع طالبي اللجوء أو الإقامة في أفغانستان وفقاً لقانون الهجرة الدولي والتعهدات الواردة في الاتفاقية، حتى لا يُشكّل هكذا أشخاص تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها، وعدم منح تأشيرات أو جوازات أو تصاريح سفر أو أي من الوثائق القانونية الأخرى لأولئك الذين يُشكّلون تهديداً لأمن الولايات المتحدة وحلفائها للدخول إلى أفغانستان.
لا يمكن لتلك الضمانات أن تشقَّ طريقها من دون تعاون وثيق بين الجانبين، أقله في الجانب الاستخباراتي وتبادل المعلومات. واشنطن التي تُخرج جنودها من أرض الميدان قادرة على العودة إليه، ولكن هذه المرّة من دون تعريض جنودها للخطر. فما عادت استراتيجية أمريكا تقوم على زج أبنائها في حروب خارجية. لديها كمٌ من القدرات التكنولوجية يسمح لها بالمراقبة وجمع المعلومات والتدخّل حين تدعو الحاجة مع وجود آخرين من شركائها المحليين على الأرض. ثمة مبالغة في اعتبار الانسحاب هزيمة أمريكية خالصة، إنه جزء من استراتيجية مصالحها وأولوياتها.
تُمسك واشنطن بسلاح المال، حيث جمّدت الأموال العائدة لأفغانستان في البنوك الأمريكية، وتُمسك بالاعتراف الدولي بطالبان. في بنود الوثيقة أنها ستطلب من مجلس الأمن إقرار الاتفاقية والاعتراف بها، وستسعى إلى التعاون الاقتصادي من أجل إعادة الإعمار مع الحكومة الإسلامية الأفغانية الجديدة ما بعد التسوية التي يحددها الحوار والمفاوضات بين الأفغان، ولن تتدخل في شؤونها الداخلية. صحيح أن الشق المتعلق بالمفاوضات بين الحكومة الأفغانية وطالبان قد باء بالفشل، وأن مسار المفاوضات الدائرة في الدوحة راهناً بين «الحركة» ومسؤولين أفغان سابقين لم تتضح معالمه بعد، لكنه بات من الصعب المراهنة على عودة عقارب الساعة إلى الوراء.
ما هو أكيد، أن «طالبان الدولة» هي قيد الاختبار، والأعين الدولية عليها لبناء موقفٍ موحّدٍ منها، وهو موقف تقوده في نهاية المطاف الولايات المتحدة الأمريكية.