الخرطوم ـ «القدس العربي»: عاد الهدوء الحذر إلى مدينة كسلا، شرق السودان، بعد وصول وفد وزاري وأمني كبير، معلنا فرض هيبة الدولة وتمديد حظر التجول لثلاثة أيام، في حين لم يستبعد عضو في مجلس السيادة إعفاء الوالي الجديد صالح عمار، واعتماد حلول سياسية، وذلك بعد تدهور الأوضاع في المدينة ودخولها في عنف دام خلف قتلى وجرحى، فضلاً عن محاولة اغتيال ناظر قبيلة الهدندوة، الأمين ترك، وهي القبيلة التي سيرت موكبا أمس الأول، قاد لعنف كبير، لكن مراقبين حمّلوا النظام القديم، مسؤولية الأحداث مع أنهم لم يعفوا الحكومة من مسؤولية التقصير.
وشهدت المدينة، أمس الأول الخميس، حالة من الفوضى والانفلات الأمني الشديدين، في أعقاب احتكاكات جرت بين أنصار عمار ومناوئين له، تحولت إلى عمليات سلب ونهب وإحراق للسوق الرئيسي، وقد سقط خلالها خمسة قتلى وأصيب ستة آخرون إصابات متفاوتة. وأثار حادث إطلاق النار على وفد الناظر ترك احتكاكات كبيرة في وقت كانت أعداد كبيرة من المواطنين تحتشد لاستقبال للوفد عند مدخل كسلا في منطقة ريبا قبالة الطريق القومي.
وقد آثار ذلك الحادث حفيظة الحشود من الرافضين مما أدى إلى إحراق عدد من المحال التجارية، علاوة على عمليات حرق وسلب ونهب لعدد من المحال التجارية في سوق كسلا قبل أن تتصدى لهم السلطات.
ووصل أمس الجمعة الى المدينة، وفد وزاري كبير بتوجيه من رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، لاحتواء الموقف، ضمّ كلا من الفريق أول الطريفي إدريس وزير الداخلية، ووزير الثقافة والأعلام فيصل محمد صالح، ووزيرة الشباب والرياضة، ولاء البوشي، ومديرعام الشرطة الفريق أول، عز الدين الشيخ، والفريق منور عثمان مدير هيئة العمليات، وعددا من كبار قيادات الجيش والدعم السريع والمخابرات العامة.
وفور وصوله انخرط الوفد في اجتماعات مع مكونات الولاية الاجتماعية والقبلية وأمانة الحكومة.
إدريس قال «تم تكليفنا من رئيس الوزراء بالتوجُّه إلى مدينة كسلا، وفور وصولنا شرعنا في اجتماعات مع لجنة أمن الولاية استمرت4 ساعات وتوصّلنا إلى عدة قرارات تتمثل في تمديد حظر التجوال إلى حين استقرار المدينة، وشكّلنا قيادة لإدارة الأزمة في الولاية وستعمل على تنفيذ الخطط الأمنية وكذلك خطط لحفظ الأمن، كما وجهنا بفتح بلاغات ومحاسبة كل من أخفق من القوات النظامية ومحاسبة من ارتكب الجرائم من المواطنين».
وبين والي الولاية المكلف أرباب أحمد الفضل، عقب الاجتماع : « نبشر المواطنين في الولاية باستتباب الأمن في الولاية ومدينة كسلا بعد أن أدت الاشتباكات إلى تعطيل حياة الناس».
وتابع «سمحنا للمسيرتين المؤيدة والمعارضة وفق اشتراطات. كل من خالف التوجيهات وتسبب في العنف سيُحاسب». وكشف عن إلقاء القبض على21 شخصاً من المتورطين في عمليات السلب والنهب، مؤكداً «استرداد كل الممتلكات التي قاموا بنهبها»، وأضاف: «سيتم تقديمهم للمحاكمة».
وأكد «السيطرة على الأوضاع في الولاية»، وكشف عن «وصول تعزيزات عسكرية من القضارف بالإضافة الى التعزيزات التي وصلت»، مؤكداً «تأمين كل المناطق التي تشهد توترات بين أطراف الصراع بالقوات الأمنية».
في السياق، كشف عضو مجلس السيادة، محمد الفكي سليمان، الناطق باسم المجلس عن عقدهم لقاءً مع والي كسلا صالح عمار، الخميس، وقال «الاجتماع مع والي كسلا أكد على استبعاد الحل الأمني وإعمال الحلول السياسية. وضعنا خطة لتهدئة الأوضاع بالولاية ومن ثم بدأ النقاش للحل السياسي، لأن الحل أولاً وأخيراً سياسي وليس أمنياً».
ورداً على سؤال إن كان الحل يتضمن استقالة عمار، قال الفكي : «الحل السياسي يعني أن كل الخيارات ستكون مطروحة والاستقالة من ضمن الخيارات المطروحة». وبشأن إن كانت لهم اتصالات بمجموعة الناظر ترك، أوضح أن «التواصل مستمر والتهدئة أولوية قبل أي نقاش».
اتهامات للنظام السابق بافتعال الأحداث… واعتقال21 شخصاً من المتورطين في عمليات السلب والنهب
وكان مجلس الوزراء أصدر تصريحا صحافيا، الخميس، أوضح فيه أن حمدوك تلقى الخميس تقريراً إضافياً من السلطات الأمنية حول الأوضاع في كسلا، بعد تسلمه الثلاثاء تقريراً أوليا حول الأحداث التي وقعت هناك وسقط على إثرها شخصان وعدد من الجرحى.
وأضاف «وجه رئيس مجلس الوزراء بسفر وفد وزاري رفيع المستوى الى ولاية كسلا لتقديم واجب العزاء في ضحايا الأحداث الأخيرة التي شهدتها مدينة كسلا وللوقوف على الأوضاع هناك».
ووفق البيان «الغرفة المركزية المكونة لمراقبة الأوضاع توصلت لمعلومات أولية عن المتسببين في الأحداث الدامية حيث أُلقي القبض على شخصين مسلحين وخمسة آخرين نهبوا ممتلكات خلال التوترات التي حدثت في السوق».
كذلك أعلن المجلس المـركزي لقوى «الحرية والتغيير» أنه «يتابع بقـلق بالـغ تطورات الأحداث الدامية التي شهدتها مدينة كسلا في اليومين الماضيين والتي راح ضحيتها عـدد من المواطنين وجرح العشرات نتيجة للاستقطاب العنيف والتجييش القبلي».
ودعا «الجهات الشرطية والأمنية لتحمل مسؤولياتها كاملة في حماية المدنيين وحـسم التفلتات الأمنية وفرض هيـبة الدولـة».
وأوضح أن «المجلس المركزي لقوى الحرية والتغيير قد بذل مجهودا في سبيل إيجاد حـل للأزمة في ولاية كسلا، وفي هذا الاتجاه كـون المجلس لجـنة باشرت أعمالها بالاجتماع مع كل الأطراف من إدارات اهلية وقوى سياسية ولجان المقاومة وتنسيقية الحرية والتغيير، وطرح مبادرة للتحاور المباشر في كيفية إيجاد مخـرج ينزع فتيل الأزمة ويحولها لمعادلة ترضي كل الاطراف، وسوف يواصـل المجلس المركزي في هذا المنحى مع الأطراف ذات الصلة حتى يجد حلاً مقبولاً يلبي تطلعات إنسـان كسـلا».
والي الولاية محل الخلاف صالح عمار خرج عن صمته ببيان الخميس موضحاً أن «الجهاز التنفيذي طلب مني عدم التصريح لوسائل الإعلام والتعليق على الأحداث التي تشهدها الولاية، وهذا يفسر ابتعادي عن إبداء وجهة نظري في القضايا المهمة التي كان يجب التعليق عليها».
واضاف «شجعت الكثير من الوسطاء على التواصل مع المجموعة التي ترفض تعييني واليا، وأكدت لهم على قبولي بأي حل وفاقي بغرض المحافظة على السلام، وهذا موقف أصيل لا سيما وأن هذه المجموعة لا تعبر عن كل أهلنا في قبيلة الهدندوة؛ ولعمري لهي قبيلة لها تاريخها ومساهماتها الوطنية الكبيرة، إلا أن هذه المجموعة للأسف رفضت كل مقترحات الحلول وتمسكت بموقفها المتعنت».
وتابع «لم تقدم المجموعة المشار إليها أعلاه اي حجج لرفض شغلي لموقع الوالي سوى الطرق على وتر القبيلة والتشكيك في الوطنية، بل وإثارة أحد المكونات السودانية؛ إلا أنني فضلت الصمت وعدم الخوض فيما يزيد من الانشقاقات».
وزاد «بعد التشاور مع عدد كبير من الشركاء وصلنا إلى قناعة أن الاستجابة إلى مطالب هذه المجموعة سيفتح الباب لمزيد من الضغوطات والابتزاز حول قضايا وطنية مهمة وبينها تفكيك التمكين ومحاربة الفساد، ورفض شاغلي مواقع قيادية آخرين دون أسباب موضوعية، مع العلم أنه لا يمكن تحقيق الإجماع حول أي شخص في هذه المرحلة».
وأضاف «سأبذل قصارى جهدي من أجل السلام الاجتماعي، والتخفيف من الأزمات الاقتصادية والصحية ولدي برنامج جاهز لمواجهة هذه الأوضاع أتطلع لتنفيذه في أقرب وقت على أرض الواقع بالتعاون مع الشركاء في الحرية والتغيير ولجان المقاومة وقادة المجتمع وجهاز الدولة».
في الموازاة، اعتبر رئيس تحرير صحيفة «السياسي» السودانية عثمان فضل الله، في حديث لـ«القدس العربي» أن «ما يحدث في شرق السودان هو تمرد منسوبي تنظيم المؤتمر الوطني المباد على الدولة، يعني القصة لا هدندوة ولا بني عامر، هؤلاء البسطاء تم تجيشهم وحشدهم فقط ليزيدا هذا التمرد. القبيلة الكيزان (الإسلاميون) يحرقون شرق السودان هكذا يجب أن يكون العنوان».
وتابع «إن أحسنا الظن بأن التنظيم كتنظيم لم يخطط لهذا، لكن الأصابع التي تتلاعب بالأطراف المؤيدة للوالي والمعارضة له، ويقومون بصب الزيت على النار جميعهم من منسوبي التنظيم البائد».
لكن الزعيم البجاوي عبد الله موسى قال «إدارة ملفات الشرق من قبل المركز افتقدت للعلم بتعقيدات مشهده الاجتماعي والسياسي وذلك باللجوء إلى وصفات النظام البائد متناسية أن الكيزان (الإسلاميون) كانوا يفعلون ذلك في إطار صفقات متكاملة تستهدف شغل مكونات الشرق بخلافاتهم وتعميق تلك الخلافات».
وتابع: «خضع الملف كله لمشاكسات العسكر والمدنيين وتغليب الكسل الذهني بإحالة كل معضلة وفشل إلى شيطان النظام البائد، كما أن كل الأطراف المؤيدة والمعارضة لصالح ظلت مقيمة بالعاصمة طوال شهر كامل تنتظر حلا لم يجئ».
وزاد «تدخل أطراف حزبية لا وجود فعليا لها بالشرق وهي تستغل الأزمة من أجل مكاسب ضيقه فاقم من الأزمة كما أن تربص المكون العسكري بالمدنيين وضعف وتردد الحكومة المدنية أوصلانا إلى ما نحن فيه».
وأضاف «رئيس الوزراء وحكومته والمجلس المركزي للحرية والتغيير والمكون العسكري، كانوا يعلمون خطورة تدهور الأوضاع بحكم التقارير الاستخبارية الموضوعة أمام مكاتبهم لذا الحكومة بشقيها المدني والعسكري دفعت الأطراف دفعا لحسم خلافاتهم على الأرض بتركهم يعودون إلى إقليمهم مختلفين، كما أن جهات أخرى محلية واقليمية ودولية دخلت على خط الأزمة بجانب ناشطين من كافة الأطراف عزفوا على أنغام الفتنه تحت سمع وبصر الجميع ولم يتحرك لردعهم، بالإضافة إلى تعرض الجيش إلى حملة تنمر لا تفرق بين البرهان وشرفاء الجيش، جعلتهم يتربصون بالمدنيين».