هدوء غريب في عمان

حجم الخط
1

بعد أكثر من عامين من الإحتجاجات والتحركات الشعبية عاد الهدوء الى عمان ، لكنه وعلى خلاف ما يظنه الكثيرون هدوء هش هو أقرب ما يكون الى الهدوء الذي يسبق العاصفة ، وكما كانت للتحركات الشعبية أسباب منطقية فإن لهذا الهدوء أسبابه ونتائجه التي – حسب رأيي – يجب على كل مهتم بالمشهد الأردني تصوُّرها ومن ثم وضع السيناريو المناسب لها . وسأحاول التطرُّق في الأسطر القليلة الى أهم الأسباب التي أدت الى هذا الهدوء الغريب .
– السبب الأول يتمثل في حالة النضج السياسي والفكري التي رافقت الحِراك الشعبي والأداء الشبابي الأردني والتي جنبته الوقوع في الأخطاء التي وقع بها الشباب العربي في الدول المجاورة ، وهذا النضج تسبب في إرباك دوائر الحكم ومراكز صُنع القرار السياسي والأمني وتسبب كذلك بفشل الكثير من السيناريوهات التي وضعتها تلك الجهات للتعامل معه ، فأصبح النظام يعيش حالة من الترقب والتوجس والخوف من المبادرة قابلها حالة من التفكُّر والتدبُّر ومراجعة الأداء ودراسة الخيارات من قبل الشباب السياسي الأردني ، وبين هذا وذاك يبقى الهدوء هو سيد الموقف في عمان .
– السبب الثاني في هذا الهدوء يرجع الى وقوع النظام بأخطاء كثيرة تسببت في إنحسار الحاضنة الشعبية وتراجع الدعم السياسي له مما يسمى الأغلبية الصامتة من الشعب ، وهذا أدى الى إتساع الفجوة بين خطاب النظام وأدائه من جهة وبين النظام والشعب من جهة أخرى. وهذه الفجوة تسببت في حالة من فقدان الثقة والصمت وإدارة الظهر للنظام وتركه ليخوض معركته السياسية وحده ، وترافق ذلك الصمت مع صمت محسوب من جانب الشباب حرم به النظام من الأعذار والحجج المعيقة للخطط والبرامج التنموية المزعومة فخسرالنظام بهذا الهدوء جزءا كبيرا من شعبيته ومصداقيته أمام شعبه.
– السبب الثالث والأخير يرجع الى الأداء الحكومي وتحديدا أداء رئيس الحكومة ، فقد كان السبب الحقيقي لإختياره لهذه المرحلة هو محاولة ( ضرب ) المعارضة السياسية وإثبات عدم كفاءتها وقدرتها على تحقيق ما كانت تُطالب به وتدَّعي قدرتها على تحقيقه إن هي تسلَّمت قيادة القسم التنفيذي للدولة ، وكما كان مُقررا إتخذ الرئيس الحالي والذي كان محسوبا على الجناح المعارض بالبرلمان ، إتخذ جميع القرارات اللازمة لإثبات وجهة نظر النظام ولكن وكما يُقال « إنقلب السحر على الساحر « فأصبحت الحكومة عبئا ثقيلا وخطأ جديدا يُضاف الى أخطاء النظام .
ولعل السيناريو الذي توقعته دوائر الحكم هو بأن تدفع تلك القرارات الشارع الى التحرك والمُطالبة بإسقاط الحكومة وبالطبع سيستجيب النظام ويُقدم الورقه التي أعدها مُسبقا وهي شخصية قوية تحمل إحدى الحقائب الوزارية بالحكومة الحالية فتكون الإصلاحات « الشكلية « على يد هذه الشخصية هي البرهان على قدرة النظام ورجاله على قيادة الوطن وإسعاد المواطن .
لكن عدم تحرُّك الشارع بهذا الإتجاه جعل النظام يقف حائرا مترددا بين المبادرة بتغيير الحكومة وبين إتخاذ المزيد من القرارات أملا بدفعها الشارع للتحرك ثم يتحقق السيناريو ويحدث التغيير ، ولكن وعلى ما يبدو أن النظام قد بدأ يفقد صبره ، ويتجلى ذلك في تصرفات الرئيس القادم للحكومة وإستغلاله لصلاحياته الحالية في إفتعال الأزمات التي من شأنها زيادة الإحتقان الشعبي ضد الحكومة . ولو نظرنا الى أحداث معان الأخيرة وإذا دققنا بأسماء قادة المجموعة الأمنية والإدارية التي تُدير الأزمة هناك لعرفنا حقيقة ما جرى وسيجري في معان وفي غير معان.
وأخيرا أقول: إن هذا الهدوء الثمين الذي فرضه الشارع وليس النظام هو فرصة يجب على النظام إستثمارها بالقيام بالإصلاحات الحقيقية والجذرية وأن يُقدم التنازلات ويتخلى عن العقلية الأمنية وسياسة الهروب الى الأمام التي تبناها بالمرحلة الماضية ، عليه أن يفعل ذلك قبل أن ينتهي الهدوء وقبل أن تبدأ الموجة الشعبية الثانية والتي قد تُكلف النظام الكثير الكثير .
م . علي الجازي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية