هذا الإجماع هل هو على الحب أم على الأمل؟

يوما ما منذ عامين سألني أحد الشباب على صفحتي في تويتر، أين هي أحزاب اليسار في مصر؟ قلت له ضاحكا «اليسار يجتمع الآن في مسجد عمر مكرم»، كان ردي بمناسبة الوفيات التي صارت لا تبتعد أكثر من شهر، واحدة بعد الأخرى لأقطاب وأعلام من اليساريين القدامي في مصر.
ويمكن أن يكون في ردي أيضا أنه لم يعد هناك وجود للأحزاب المعارضة التي نشأت منذ السبعينيات أو بعد ثورة يناير/كانون الثاني إلا في الأحزان، فالدولة كعهدها منذ نشأة هذه الأحزاب تقوم بتصفيتها على مهل وبطريقة صارت محفوظة، أقلها التضييق على حركتها تحت دعوى الأمن، أو باستقطاب بعض رجالها فينقلبون على مؤسسيها كما حدث في أكثر من حزب.
كلامي لم يكن يعني اليسار على الجملة، لكن يعني الليبراليين بشكل عام. باختصار صارت الميديا متنفسا بعيدا عن الأحزاب، رغم ما تواجهه من إغلاق منافذ ومواقع وغير ذلك مما نراه كل حين. في الفترة الأخيرة وعبر شهر واحد فقدنا أربعة من المثقفين والنبلاء الكبار. أولهم كان بشير السباعي، الذي كتبت عنه هنا. وبعدها الصحافية حنان كمال، ثم بعدها بأيام الصحافي والكاتب واليساري هاني شكرالله، ثم الفنانة محسنة توفيق. حنان كمال أصغرهم سنا كانت الأولى بعد بشير السباعي وكان متابعوها وغيرهم يقرأون كل يوم عن معاناتها مع المرض اللعين السرطان، وكل من يعرف قصتها مؤكد قد وجد فيها قصة ملحمية، رغم آلامها فهي التي تعمل معدة في قناة الجزيرة، بعيدا عن البرامج السياسية، كانت قد سافرت إلى الدوحة منذ سنوات مع زوجها مصابا إصابات بالغة في حادثة، حيث يتم علاجه في الدوحة، وإذا بها أيضا تدخل دائرة العلاج في وضع إنساني صعب جدا، هي الأم الصغيرة صاحبة الأطفال. تعودتُ على التعاطف مع المرضى والمصابين والمفجوعين في هذه الحياة، لكن ما حدث مع حنان كمال من تعاطف فاق كل التوقعات، وبدت الدنيا كلها تتعاطف معها، وتبكي موتها وتنتظر جثمانها الذي بذل المحامي طارق العوضي، وهو واحد من أجمل المتعاطفين معها لوصوله ودفنها في مصر. قام بالسفر لاستقبال الجثمان في الأردن والعودة به إلى مصر، وكانت الأخبار تتداعي على الفيسبوك لحظة بلحظة حتى وصول الجثمان إلى مصر، والآلاف مشغولون بوصول الجثمان والانتظار لتشييعه حسب رغبتها في الدفن بوطنها، هي التي تمسكت بالحياة لآخر يوم.
وفي اليوم نفسه كان تشييع جثمان الكاتب والصحافي واليساري هاني شكر الله وصارت حيرة الناس، أو الحشود في القسمة بين الجنازتين في اليوم نفسه. كنت أرقب ذلك وأفكر كيف اجتمع كل هؤلاء النبلاء فجأة على شيء. حقا إنه الموت، لكن بهذه الكثافة التي تكاد تكون كونية أمر لا يخطر في بال أحد. ثم في اليوم التالي عرفنا بخبر رحيل أيقونة المسرح والفن الرائعة محسنة توفيق، التي اجتمع حول فراقها بالتحية من فضلك، قبل العزاء الآلاف المؤلفة أيضا، فهي اليسارية القديمة التي ربما كانت أصغر من عرفتهن معتقلات عبد الناصر عام 1959. وهي ممثلة المسرح التي قدمت في الستينيات والسبعينيات مسرحيات مصرية وعالمية رائعة، حين كان لدينا مسرح عظيم في مصر. لقد حفلت الميديا بالحديث عن أدوارها في الأفلام والمسلسلات، فالجيل الشاب لم يشاهد مسرحياتها، وكم تمنيت لو أعاد لها التلفزيون بعضها، وما زلت أتمنى فمثلي لا ينسي مسرحيات مثل «أجا ممنون» لسوفوكليس و»الدخان» لميخائيل رومان و»حسن ونعيمة» لشوقي عبد الحكيم و»يرما» لفيديريكو غارسيا لوركا و»ثورة الزنج» لمعين بسيسو و»عفاريت مصر الجديدة « لعلي سالم و»دماء على ملابس السهرة» لأنطونيو باييخو، وهذه مجرد أمثلة لأن الكثيرين يكتبون أمثلة من السينما والمسلسلات.

لقد كان من أكثر ما تردد على الميديا صرخة محسنة توفيق في فيلم «العصفور» يوم أعلن عبد الناصر تنحيه واعترافه بالهزيمة وكيف اندفعت هي بهية التي جعلها أحمد فؤاد نجم رمزا لمصر – إلى الشارع تصرخ « حنحارب حنحارب».

هاني شكرالله كنت أراه قليلا مثل طيف، لكنني أعرف تاريخه في النضال منذ السبعينيات مع حزب العمال الشيوعي وأعرف كثيرا من أصدقائه، ومن نجح منهم أن يشق له طريقا في الحياة أو السياسة، بدون أن يتخلى عن أفكاره، وهاني نفسه استطاع أن يشق طريقه في الصحافة فرأس تحرير «الأهرام ويكلي» الإنكليزية أكثر من عشر سنوات، وأسس موقع «الأهرام أون لاين» وكان يكتب باللغة الإنكليزية في مصر وغيرها، وصار شخصية مهمة في السياسة والأدب والثقافة بشكل عام، وله مريدون وتلاميذ بالآلاف. الحشود التي رأيتها لم تتكرر من قبل مع أحد إلا ربما مع نجوم مثل عبد الحليم حافظ أو أم كلثوم، لكن الحضور هنا ليسوا من الجمهور العادي بل هم كتاب ومفكرون وصحافيون وإعلاميون، حتى أن الشيخ المقرئ كان ينتهي كل خمس دقائق ليعطي فرصة للخروج والدخول للمعزين، وكنت أنا شاردا دائما أسال نفسي كيف يمكن أن يجتمع كل هؤلاء على الموت بهذه الكثافة على الميديا وعلى الأرض.
هي المحبة طبعا والتعاطف طبعا، لكن هي أيضا تعكس شيئا آخر، أن الناس لم تتبدد وراء مشكلات الحياة، كما يبدو على السطح في مصر. هؤلاء في أكثرهم كانوا من صناع أو راغبي التغيير يوما في مصر. كانوا من صناع الأمل. أعرف الكثيرين جدا منهم منذ سنين. وأعرف ما كتبوه وما فعلوه والتقيت معهم في الميادين المختلفة من التحرير إلى غيرها. صحيح هم جاءوا للعزاء وليس لشيء آخر لكنهم موجودون وبهذه الكثافة الخرافية. صحيح أنهم لم يتحدثوا في السياسة لكن مقابلاتهم وأحضانهم وقبلاتهم كأنما هي فرحة بالوجود. صحيح أن ما جمعهم هو الموت الصعب، لكن كان يمكن أن يكون الحزن في البيوت، أو من خلال الميديا فقط، أو حتي في مقالات الرثاء المختلفة.
هذه الحشود أتت وهي تعرف أنها ستعود إلى بيوتها، ولا تدرك أنها وضعت نقطة في فضاء المكان. هنا اجتمع المتمسكون بالأمل. لقد كان من أكثر ما تردد على الميديا صرخة محسنة توفيق في فيلم «العصفور» يوم أعلن عبد الناصر تنحيه واعترافه بالهزيمة وكيف اندفعت هي بهية التي جعلها أحمد فؤاد نجم رمزا لمصر – إلى الشارع تصرخ « حنحارب حنحارب « هذه الصرخة التي حضرتها أنا في شبابي، ولم أوافق أبدا من قال إن الخروج كان بالتنسيق بين الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب، فقد رأيت بعيني كيف نزل الناس في الإسكندرية التي كنت أعيش فيها بـ»ملابس البيت» يصرخون حنحارب حنحارب. صحيح أنه حدث تنسيق، لكن في صباح اليوم التالي وكان معظم من طُلب منهم النزول قد نزلوا بالفعل أمس. وهم انفسهم الشباب الذي خرج عام 1968 في أكبر مظاهرات ضد عبد الناصر نفسه، بعد لعبة محاكمة قيادات سلاح الطيران، التي لم يقتنع أحد بأحكامها. لم تكن صرخة «حنحارب حنحارب» لبقاء عبد الناصر لكن كانت لرفض الهزيمة. صحيح أنني ليلتها مشيت حزينا عكس اتجاه الناس، لكن هذا حديث آخر كتبته يوما . كنت في طريقي المعاكس مشيا من منطقة بحري إلى الورديان، وهي منطقة طويلة جدا أقابل كل البشر في فزع، لا يصدقون أننا يمكن أن ننهزم. صارت صرخة «حنحارب حنحارب» حديث الميديا بين الشباب من جديد بموت محسنة توفيق.

٭ روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية