هربا من الظروف القاسية: عرب بين قوارب الموت وطوابير اللجوء

نسرين سليمان
حجم الخط
3

عندما يحرم الإنسان من أبسط حقوقه في الحياة ويجد نفسه تائها في بحر من الانقسامات والمشاكل والظروف الصعبة والتي أجبر ان يعيش تحت ظلها من دون أن يتاح له حق الاختيار، تجره أمواج الحياة أحيانا إلى الخيار الصعب والذي قد يمثل بداية جديدة لحياة كان يراها منتهية في محيط جديد.
في الأعوام العشرة الماضية أجبر عدد كبير من مواطني الدول العربية على العيش في ظل الظروف الصعبة والسير نحو المجهول وسط الانقسامات والحروب والمشاكل الاقتصادية ما ساهم في مضاعفة ظاهرة الهجرة بشكل عام بين العرب بعد ان وجد فيها عدد كبير الحل الأمثل لمشاكلهم وهمومهم.
ورغم أن الدول العربية غنية بالموارد بما يكفيها لتغني شعبها وتعمر أراضيها إلا أن القلق المستمر من غياب الاستقرار السياسي والأمني، وضع العرب في وضع الاستعداد لحمل حقائبهم والرحيل في أي وقت فضلا عن نسبة الفقر المقلقة التي وصلت إلى 32.8 في المئة وفق الخط الدولي، أي ما يعادل 114 مليون مواطن يعيشون حالة الفقر في 14 دولة، والبطالة التي تقترب من 25 في المئة.
كل هذه المعطيات جعلت الشاب العربي يلحق بركب غيره في سباق الهجرة العالمي متجها نحو أوروبا على اختلاف المسارات والدول المقصودة بالوصول وفقا للموقع الجغرافي لكل دولة عربية وما يجاورها من دول عبور.

التفكير في الهجرة

حسب دراسة حديثة نشرها موقع «الباروميتر» العربي وتبنتها جامعة برنستون، فإن الرغبة في الهجرة تبلغ معدلات عالية في المنطقة العربية. حيث أن النسب الأعلى نجدها في الأردن والسودان وتونس، فقد أعرب نصف السكان تقريباً عن رغبتهم في مغادرة بلدانهم إلى دول أخرى، ونحو الثلث أيضاً قالوا إنهم يفكرون في الهجرة في لبنان، 38 في المئة في العراق، و35 في المئة في المغرب كما أن الربع في فلسطين والخمس في ليبيا يفكرون في الأمر نفسه.
وكشفت الدراسة أن هناك دولتين فقط فيهما أقل من الخمس يرغبون في الهجرة وهما موريتانيا 18 في المئة ومصر 13 في المئة. موضحة أن أعداد مواطني المنطقة الذين قالوا إنهم يفكرون في مغادرة بلادهم تغيرت مقارنة باستطلاع 2018 2019 في حين زاد العدد في بعض الدول، فقد انحسر في دول أخرى على جانب شهدت كل من لبنان وتونس أكبر الزيادات.
ورجحت الدراسة أن الزيادات قد تكون مرتبطة بزيادة التحديات الاقتصادية في البلدين، في لبنان الانهيار المالي في 2019 والذي قد يكون قد دفع بالكثير من المواطنين إلى التفكير في الهجرة، فضلا عن انخفاض الناتج المحلي في تونس ما قد يفسر لماذا يأمل الكثير من المواطنين في العثور على مستقبل أفضل بالخارج.

لكل دولة حكاية

عام 2022 حمل محطات ملفتة في قضية هجرة العرب، حيث برزت قصص لا تنسى مؤثرة من عدد من الدول العربية أولها تونس.
فقد أثار وصول طفلة تونسية تبلغ 4 سنوات من دون ذويها إلى السواحل الإيطالية جدلاً شديداً على مستويات متعددة.
الطفلة وصلت في قارب يضم مهاجرين غير نظاميين، على ما أفادت السلطات التونسية، فيما فتحت النيابة التونسية تحقيقاً وقرّرت التحفظ على الأب والأمّ ووجهت اتهامات لهما.
وكان من المفترض أن تشارك العائلة -المؤلفة من الأب والأمّ وابن يبلغ سبع سنوات فضلاً عن الطفلة- في عملية الهجرة التي انطلقت من سواحل منطقة صيّادة الساحلية شرق تونس، لكن «الأب سلّم الطفلة لأحد المهربين على متن القارب وعاد ليساعد زوجته وابنه غير أن القارب انطلق ووصل إلى جزيرة لامبيدوزا».
وحسب قوانين لم الشمل في ألمانيا ومعظم دول الاتحاد الأوروبي، فإن معظم المهاجرين القاصرين بدون ذوويهم (تحت سن الـ18) بإمكانهم لمّ شمل عائلاتهم (الأم والأب) هذه الإمكانية ربما تدفع الكثير من الأهل للتفكير بإرسال أولادهم إلى أوروبا بمفردهم.
ونشرت صحيفة «تايمز» البريطانية تقريرا عن الهجرة من تونس إلى أوروبا، وأشارت فيه إلى أنها بلغت أرقاما قياسية وشملت فئات من المجتمع لم تكن من قبل تضطر للهجرة. وذكر التقرير أن عدد الذين أبحروا إلى إيطاليا من تونس هذا العام بلغ حتى اليوم حوالي 13 ألفا، بينهم 10 آلاف تونسي.
وخلال عام 2020 تم إحصاء أكثر من 12 ألفا و360 مهاجرا تونسيا نحو السواحل الإيطالية ثم ازداد العدد عام 2021 ببلوغه 15 ألفا و675 فيما ذكرت منظمات حقوقية انه بداية من عام 2022 حتى آب/أغسطس الماضي تم إحصاء أكثر من 11 ألف مهاجر غير نظامي وصلوا السواحل الإيطالية.
ومقابل تلك الزيادات، ذكر المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) أن نسبة البطالة تجاوزت 20.5 في المئة في صفوف النساء مقابل 13.1 في المئة عند الرجال خلال الثلث الثاني لعام 2022 بجانب تفاقم الفقر لدى الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع على رأسها النساء.

سوريا وقافلة النور

في ايلول/سبتمبر الماضي لقيت حملة قافلة النور للهجرة الجماعية إلى أوروبا تفاعلا واسعا من قبل آلاف السوريين في تركيا، والمتزامنة مع صعوبة البقاء في تركيا في ظل غلاء الأسعار وارتفاع الإيجارات.
وأطلق نشطاء سوريون الحملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي استعداداً لموجة هجرة جديدة من تركيا باتجاه أوروبا عبر اليونان، داعين المنظمّات الإنسانية والإغاثيّة والإعلاميّة لتغطية الحملة وتسهيل وصول السوريين إلى أوروبا.
وتعتبر موجة الهجرة الجديدة للسوريين من تركيا إلى أوروبا هي الثالثة من نوعها، حصلت الأولى بين عامي 2015 و2016 والثانية في 2019 و2020 عندما قدمت الحكومة التركية تسهيلات لمن يرغب بالعبور، ومع تزايد حالات الهجرة وجهت الحكومة التشيكية اتهامها للحكومة التركية بفتح بواباتها لمرور اللاجئين إلى أوروبا.
وصرح وزير الهجرة اليوناني نوتيس ميتاراشي أن «حرس الحدود اليوناني أوقف أكثر من 154 ألف مهاجر غير نظامي عند حدوده البرية والبحرية منذ بداية العام» لافتًا إلى أن نحو 50 ألف شخص حاولوا عبور الحدود التركية اليونانية في آب/أغسطس فقط.
أما عن تركيا فنظرا لسياسات جديدة أظهرت إحصائيات المديرية العامة للهجرة التركية انخفاض عدد السوريين من حاملي بطاقة الحماية المؤقتة (الكيملك) 85 ألف شخص مقارنة بالعام الماضي 2021 وحسب أحدث الإحصائيات المنشورة على موقع مديرية الهجرة التركية، بلغ عدد السوريين من حاملي بطاقة الحماية المؤقتة 3 ملايين و604 آلاف و414 شخصاً حتى الـ 18 من كانون الأول/ديسمبر، في حين كان العدد العام الماضي 3 ملايين و737 ألفاً و369 شخصا.

مصر وورقة الهجرة

في مصر نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية، تقريرا مؤخرا قالت فيه إن «آلاف المصريين يعرّضون أنفسهم للموت غرقا في عرض البحر في نزوح جماعي جديد محفوف بالمخاطر نحو أوروبا، حيث إن الفقر أوقع الآلاف في قبضة مهربي البشر الذين يمارسون تجارة قاتلة في البحر الأبيض المتوسط».
وقد تزايدت أسباب الهجرة غير الشرعية من مصر لدول أوروبا بصفة خاصة لأسباب عديدة، منها الفقر والبطالة وعجز الدولة لسنوات عن إيجاد حلول واقعية لها، من خلال طرح خطط تنموية توفر للشباب فرصا حقيقية للبناء والاستثمار داخل بلدهم، بدلا من المخاطرة بحياتهم للوصول إلى القارة العجوز بحثا عن فرص عمل وحياة أفضل.
وقد تم إنزال 3935 مصريا في إيطاليا بين 1 كانون الثاني/يناير و13 حزيران/يونيو 2022 وفقا لوزارة الداخلية الإيطالية، وبالتالي شكّل المصريون 18 في المئة من عمليات الإنزال خلال هذه الفترة، ولم يفوقهم سوى البنغلاديشيون.
وحسب البيانات التي نشرتها مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين «يو أن أتش سي آر» فإن «المواطنين المصريين يمثلون نسبة كبيرة من الوافدين عن طريق البحر إلى إيطاليا منذ آب/أغسطس 2021».

الليبيون يفرون من جحيم الحروب

الكثير من التقارير أشارت إلى ارتفاع أعداد الليبيين الذين أضحوا يركبون «قوارب الموت» للتوجه إلى أوروبا، رفقة مهاجرين أفارقة وعرب من سوريا ومصر والسودان والعراق.
وفي نهاية العام الماضي قالت المتحدثة باسم المنظمة الدولية للهجرة، صفاء مشلهي، إن الزيادة في أعداد المهاجرين الليبيين بطرق غير شرعية، غيرت النظرة إلى هذا البلد المتوسطي والذي عرف عنه أنه نقطة عبور للمهاجرين الأفارقة والعرب فقط، قبل أن تصبح الهجرة حلم السكان المحليين أيضا، خاصة مع تفاقم الأوضاع الاقتصادية السيئة جراء تفشي جائحة فيروس كورونا المستجد.
ورغم انه لم تصدر إحصائية رسمية لهذا العام عن مشاركة الليبيين في الهجرة إلا ان حوادث عديدة أثبتت وجود حركة نشطة أبرزها على سبيل المثال لا الحصر عندما ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بغضب كبير حول ما تداول عن إعادة قارب هجرة غير شرعية على متنه ليبيون، وحمَّل الغاضبون الميليشيات والساسة المتصارعين على النفوذ مسؤولية وصول ليبيا لهذا الحد.
وأظهر استطلاع «الباروميتر» العربي، وهو مصدر رئيسي للبحث الكمي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن ربع الليبيين يفكّرون في الهجرة (نحو1.5 مليون من عدد السكان الذي يقترب من 7 ملايين).
وفي منتصف حزيران/يونيو الماضي، تناقلت مواقع التواصل الاجتماعي فيديو يظهر نجاح عدد من الشباب الليبيين في الوصول إلى أحد شواطئ الدول الأوروبية.
وعلى الرغم من التشكيك في صحته، إلا أن فيديو سبقه أظهر عدداً من الصيادين الليبيين وقد تمكنوا من إنقاذ مواطنين قذفتهم الأمواج على مقربة من الساحل بعد غرق مركبهم، ليتبين لاحقاً وفاة طفلين بعد غرقا بالقارب.
وحسب تصريحات لمنظمات حقوقية ففي عام 2021 تمكن ما بين 200 و300 شخص ليبي من الوصول إلى الشواطئ الأوروبية بينما لقي ما لا يقل عن عشرة ليبيين حتفهم غرقاً في البحر.

المغرب وحلم إسبانيا

في ايلول/سبتمبر من عام 2022 غرق زورق مطاطي كان يحمل 46 شخصاً، بينهم أب وابنه القاصر معظمهم من منطقة الفقيه بن صالح الهامشية بالمغرب، كانوا يعتزمون عبور البحر من مدينة الجديدة صوب التراب الإسباني، بسبب اشتعال النيران في المحرك.
قبل ذلك بأسبوع فقط استقبلت عائلات مكلومة في مناطق أخرى جثث عدد من الشباب الذين لقوا حتفهم بسبب انقلاب قارب وسط المحيط الأطلسي عندما كانوا يهمون بالعبور إلى إسبانيا ومن ثم إلى أوروبا.
وتفيد منظمات إسبانية غير حكومية بأن «زهاء ألف شخص لقوا حتفهم خلال النصف الأول من العام الحالي عبر مسارات وطرق هجرة مختلفة عبر المتوسط والأطلسي نحو الأراضي الإسبانية».
ووفق التقارير الإسبانية غير الرسمية ذاتها «فإنه من بين 978 وفاة بسبب الهجرة غير الشرعية براً وبحراً تم تسجيل وفاة 118 سيدة و41 طفلاً عندما كانوا يحاولون بلوغ السواحل الإسبانية».

الجزائر تشارك المغرب الحلم

وحسب بيانات السلطات الإسبانية فقد اِستخدَمَ الطريق إلى إسبانيا في الفترة بين شهر كانون الثاني/يناير وكانون الأوَّل/ديسمبر 2022 ما لا يقل عن عشرة آلاف جزائري ووصلوا إلى الساحل الإسباني – بزيادة عشرين في المئة عن العام السابق.
وينطلق معظمهم من المدن الواقعة على الساحل الغربي الجزائري مثل وهران والشلف ومغنية خاصةً في الصيف عندما يكون البحر أكثر هدوءًا، وتبلغ أقصر مسافة بين الجزائر والساحل الإسباني مئة وخمسين كيلومترًا – بين مدينتي وهران الجزائرية والميريا الإسبانبة.
وعلى الرغم من وجود قانون جزائري صادر في عام 2009 ينصّ على إمكانية الحكم بالسجن ستة أشهر على الأشخاص الذين يتم اعتقالهم من قِبَل خفر السواحل أثناء محاولتهم الهجرة بهذه الطريقة، إلا ان العديد من المواطنين فضلوا المخاطرة.
وبشكل عام كشف معهد «يوروستات» للإحصاء الأوروبي، أن نحو 535 ألف شخص قد تقدموا بطلب اللجوء إلى الدول الأوروبية عام 2021-2022 أي بزيادة 28 في المئة عن عام 2020 حيث كان العدد 417 ألفا.
وكالعام الماضي ينتهي عام 2022 بقصص مؤلمة وأرقام مفجعة لعرب فضلوا الخيار الصعب، واتجهوا أما إلى البحر الغدار أو إلى طوابير طالبي اللجوء رغم غنى دولهم وقدرتها على امدادهم بكل مستحقاتهم لتبقى قضية الهجرة مفتوحة لعام آخر وربما لعشرات من الأعوام القادمة دون أي حلول لا محلية ولا دولية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية